شريط الأخبار

الانحراف الإسرائيلي .. هآرتس

01:57 - 09 حزيران / نوفمبر 2009

بقلم: عكيفا الدار

ماذا يريد منا محمود عباس؟ ليكف عن البكاء وليبدأ بالحديث. فحتى بنيامين نتنياهو، المولود في معسكر اليمين، وعده بدولة، وشاؤول موفاز، رعب الفلسطينيين، مستعد ان يدفع اليهم على الحساب 20 في المائة من الضفة الغربية. قد يستطيع ابو مازن ان يخدع الامريكيين، لكن الاسرائيليين ليسوا سذجا. فنحن لا تؤثر فينا حيل استقالة كهذه. ونحن نعلم ان المفاتيح لا تطرح بسبب بضعة آلاف من المستوطنين. يدرك كل ولد في رام الله ان جميع المستوطنات خارج "الكتل" ستكون اخر الامر جزءا من فلسطين.

 ان نظرة الاسرائيلي من الاوساط لقضية المستوطنات احد اعراض مرض مزمن يهدد وجود الدولة اليهودية وهو عدم القدرة على دخول نعلي الغير ولو للحظة. ماذا كنا نقول لو طلب عباس ان نوافق على اعادة اللاجئين الى بيوتهم في يافا؟ ليس كثيرا، بضع مئات فقط وعلى نحو مؤقت. فنحن سنضطر اخر الامر الى التوصل الى حل متفق عليه لمشكلة اللاجئين. وكيف كنا نرد، واحتلت سورية في حرب يوم الغفران الجليل، ورفضت بعد سنين تجميد البناء في مستوطناتها في مناطق "سورية الكبرى" برغم تفاوض في السلام مع اسرائيل؟ لان الامر ليس فظيعا، فالحديث فقط عن مناطق تشتمل عليها "كتل المستوطنات" في المنطقة ج تحت سيطرة عسكرية ومدنية لسورية (يعرف 60 في المائة من الضفة على انه منطقة ج، ولا يكاد يسمح هناك بالبناء الفلسطيني)؟ فالحديث في الحاصل العام عن بضع رياض اطفال ومراكز عناية صحية. أيجب ان نأخذ في الحساب زيادتهم الطبيعية؟

 وماذا لو قرر السوريون انفصال من طرف واحد عن نهاريا، أكان محاربو حرية اسرائيل في طبرية الكبرى يضعون اسلحتهم؟ أكان عدد من أشباه غولدشتاين يفجرون انفسهم في المساجد، لو ان جنودا سوريين فتشوا متاع اليهود في حواجز الطرق وفرضوا عليهم حصارا في الاعياد والاحتفالات الاسلامية؟ وماذا كان يكون مصير زعيم اسرائيلي وعد في ايلول 1993 بأن الاحتلال السوري سينتهي حتى نهاية ذلك العقد، وكان قضى نهاية العقد الآتي زمنه بمساومة باطلة في تجميد مؤقت للبناء في جزء من الجنوب؟ كم يوما كانت تقوم حكومة السلطة الاسرائيلية، التي نشأت ككيان مؤقت – تسوية مرحلية في الطريق الى استقلال سياسي – واصبحت مقاولا ثانويا لادارة الاحتلال؟ بأي الالقاب كنا نكرم عباسا وسلام فياض الاسرائيليين؟

 في كتاب البروفيسور شلومو مندلوفيتش رئيس برنامج العلاج النفساني في جامعة تل ابيب الموسوم بعنوان "في التسوية الاجتماعية لذاتيين الكثيرين" يرسم مميزات الانحراف. ان المشابهة مع طرز سلوك الجماعة الاسرائيلية تثير الرعب: مهاجمة قوى تستطيع مساعدة شخص (او مجتمع) على البقاء؛ وانهيار التفريق بين النافع والضار، وبين الحياة والموت؛ ومواجهة الخوف والمعاناة بالحفاظ على الوضع الراهن، ونضال افكار تبشر بتغيير وتثبيط لاجراءات مؤلمة مطلوبة من اجل احرازه. هكذا اضعنا الخيار الاردني، وهكذا نتجاهل مبادرة السلام العربية، وهكذا سنخسر الشريك الفلسطيني في حل الدولتين.

 لا يوجد عربي اكثر مشايعة من عباس لهذا الحل، مع مقاومة شجاعة للعنف وتسامح مع تقلبات السياسة الاسرائيلية. لكن لا يستطيع اي زعيم ان يجري تفاوضا في قضايا مشحونة كالحدود، والقدس واللاجئين بغير شرعية من جمهوره. ولن يعطي اي جمهور زعماؤه شرعية التفاوض في مصير بلده، وان ينظر ناحية الى الطرف الاخر وهو يقضمه.

 الان يطمئنوننا انه لن يحدث شيء للوضع الراهن القديم الجيد. ويعدون بأن عباسا سيلغي الانتخابات ويظل يخدم الاحتلال حتى يومه الاخير. وفي الان نفسه يجندون انحرافنا لمواجهة مؤامرة فياض للاعلان بدولة فلسطينية من طرف واحد. لن يسببوا هذه اللذة لنتنياهو وانصاره الذين اخذوا يكثرون. كان الاختيار وما يزال بين دولتين للشعبين على اساس حدود 1967، وبين دولة واحدة يظل فيها الشعبان يسبب بعضهما لبعض البؤس. تغذ اسرائيل السير نحو هذه الكارثة بعينين مغمضتين مفتحتين.

انشر عبر