شريط الأخبار

أوباما في سنته الأولى: انهيارات على كل الجبهات!.. سليم نصار

01:22 - 07 حزيران / نوفمبر 2009

أوباما في سنته الأولى: انهيارات على كل الجبهات!

 

سليم نصار ـ الحياة 7/11/2009

قبل أن تسافر وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون الى إسلام آباد، حرصت على اختيار ثيابها بألوان تحاكي ألوان علم باكستان. وتوقعت أن تُقابل بادرتها بالثناء والإطراء، ولكنها فوجئت على المطار باستقبال فاتر ومصافحات باردة. وقبل أن تكتشف السبب، بلغها أن «طالبان» اعترضت على الزيارة من طريق تفجير مروّع في مدينة بيشاور أودى بحياة مئة باكستاني. وأخبرها وزير الداخلية أن العنف الذي تمارسه «طالبان» ليس أكثر من رسائل تهديد بغرض فك التعاون مع الولايات المتحدة. وحذرها من نتائج الغارات التي يقوم بها سلاح الجو الأميركي لأنها تقتل من المدنيين الأبرياء أكثر بكثير مما تقتل من محاربي «طالبان» أو «القاعدة». وقد تبنى المبعوث الخاص الى آسيا ريتشارد هولبروك، موقف الحكومة الباكستانية لأن الكونغرس يتعاطى مع مطالب هذه الدولة الحليفة باستخفاف وجحود. وقال لها إن مبعث الاستياء يتمحور حول الأهمية الاستراتيجية التي توليها إدارة الرئيس أوباما لأفغانستان في حين تتطلع الى باكستان كدولة تابعة.

مصدر التحول في هذه الأزمة ينسبه العسكريون الى قرار الرئيس أوباما، وإصراره على إقالة قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال ديفيد ماكيرنان. وبرر عمله يومها بأن إدارته تنظر بعيون جديدة الى مشكلة الاستقرار في جنوب آسيا. وشدد أوباما على أن المهمة في أفغانستان لن تنجح إذا اقتصرت على تكديس جنود إضافيين. فالسوفيات حاولوا ذلك في الماضي ولم ينجحوا، وكذلك الأمر بالنسبة الى البريطانيين. ووصف نجاح العمل العسكري بأنه مرتبط بالجهد الأوسع لتعزيز الاستقرار في المنطقة، والسماح بإجراء انتخابات تؤمن الأجواء الملائمة لقيام حكومة منتخبة ديموقراطياً تُعتبر أكثر شرعية من البديل الطالباني.

وأجمعت التعليقات على امتداح قرار الرئيس الأميركي، لأنه يسعى الى القضاء على «طالبان» وعلى العقلية المتحجرة التي يستغلها أسامة بن لادن لتنفيذ مآربه، وتوقع أوباما من الرئيس حامد كارزاي العثور على مخبأ بن لادن في مغاور تورا بورا أو على حدود إقليم وزيرستان. عندها يكون قد انتقم لثلاثة آلاف ضحية كان الأميركيون ينتظرون من جورج بوش، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، تنفيذها.

وكما خابت آمال بوش في حربي أفغانستان والعراق، هكذا مني خَلَفه أوباما بالانتكاسات العسكرية المتواصلة في أفغانستان وباكستان. وظهرت الانتخابات التي اعتمد الرئيس الأميركي على نتائجها، كمسرحية مُكررة بين حامد كارزاي وعبدالله عبدالله. كما أثبتت أيضاً أن نفوذ كارزاي لا يتعدى الثكنة التي تحميه في داخل أسوارها فرقة أجنبية. حتى شقيقه، عميل الاستخبارات الأميركية، بقي هو عنوان الفساد الذي أقسم كارزاي على استئصاله.

في الآونة الأخيرة بدأت الحكومة البريطانية تعاني من غضب الشارع بسبب ازدياد عدد الضحايا العسكريين في أفغانستان. وحذر رئيس الوزراء براون من مخاطر الانسحاب وترك البلاد بيد «الإرهابيين»، الأمر الذي يعرض بريطانيا والدول الأوروبية وجنوب شرقي آسيا، للفوضى. وأيده في هذا الرأي وزير خارجيته ديفيد ميليباند الذي اعتبر أن حرب أفغانستان تمثل حالات من الإرباك والتورط لـ «طالبان» و «القاعدة» بحيث منعتهما من تنفيذ عمليات ضد الغرب.

ولكن التحفظات الأميركية والبريطانية لم تمنع الرئيس أوباما من مراجعة مطالب القادة الميدانيين حول إرسال تعزيزات لا تقل عن 25 ألف جندي. علماً بأن رئيس اللجنة الخارجية في الكونغرس جون كيري، تمنى تأجيل قرار البت بهذه المسألة الحساسة الى ما بعد كانون الثاني (يناير) المقبل. وقد أيده في قرار التأجيل الرئيس أوباما لاقتناعه بأن الوضع الأمني في أفغانستان يحتاج الى سياسة خارجية هادئة لا الى سياسة متهورة ومرتجلة.

ومع قرار التأجيل ظهرت خلافات في الرأي بين نائب الرئيس جو بايدن والجنرال ستانلي ماكريستال، القائد الأعلى للقوات الأميركية في أفغانستان. ففي حين يطالب بايدن بضرورة نشر القوات الإضافية في المناطق الجبلية والأرياف من أجل حماية العائلات الفقيرة، يرى الجنرال ماكريستال أن تحرير كابول وقندهار من نفوذ «طالبان» يجب أن يكون في مقدم الأهداف الأمنية.

يجمع المراقبون في واشنطن على القول إن كثرة المستشارين حول أوباما ستفسد «طبخاته السياسية». وربما يتمتع مستشار الأمن القومي في عهد كارتر زبيغنيو بريجنسكي بمركز مميز لا يجاريه فيه أحد. وهو الذي أشار عليه بـ «سياسة بناء الجسور» في الحقل الخارجي، ونصحه باعتماد استراتيجية الريادة والقيادة بدلاً من استراتيجية التسلط والهيمنة التي مارسها سلفه جورج بوش. ولكن الحزب الجمهوري لا يرى في هذه الاستراتيجية الغامضة سوى التنازل عن دور اضطلعت به الولايات المتحدة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وإطلاق مشروع مارشال.

لذلك يرى ديك تشيني بأن فكرة احتواء إيران وإزالة مشروع الدرع المضادة للصواريخ على حدود روسيا، ووقف التدخل في شؤون القوقاز... هذه كلها خطوات سلبية ستقود حتماً الى تحجيم الولايات المتحدة. وهو يرى أن الأخطاء التي ارتكبها بريجنسكي في عهد كارتر لا يجوز أن ترشحه للقيام بدور جديد. وعزا تشيني الانتصار الذي حققه الجمهوريون في الانتخابات الأخيرة، بأنه حصيلة خيبات الأمل من إدارة أوباما، على الصعيدين الداخلي والخارجي.

مؤيدو أوباما في الصحافة العالمية أعربوا عن قلقهم من نتائج فشل خطواته في ميدان النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. وذكرت افتتاحية «واشنطن بوست» ان الأخطاء التي ارتكبها لم تكن أكثر من أخطاء في الحساب، وأنه في المستقبل عازم على تصحيحها. في حين كتب المعلق جوناثان فريدلاند في صحيفة «الغارديان» البريطانية يقول إن أوباما فقد مكانته في الشرق الأوسط، حيث للمكانة قدر كبير من الأهمية. ولكن المراجعات التي أجراها أوباما بالنسبة الى المشتغلين بقضية الشرق الأوسط، لم تظهر له المسؤول عن تلك الأخطاء: هل هو جورج ميتشل أم دنيس روس... هل هو رام عمانوئيل أم هيلاري كلينتون؟

وزيرة الخارجية كلينتون دشنت مبادرة أوباما في أيار (مايو) الماضي، معلنة أن الرئيس يطالب إسرائيل بضرورة وقف الاستيطان. وحددت الطلب بالقول إن التوقف لن يكون جزئياً، وإنما يشمل كل البؤر الاستيطانية التي تدخل تحت عنوان «النمو السكاني الطبيعي».

ثم جاء دور الرئيس أوباما ليدعم موقف كلينتون ويؤكد أن الولايات المتحدة لا تقبل بشرعية المستوطنات، لا في الضفة الغربية فقط، وإنما في القدس الشرقية.

وكان من الطبيعي أن يستقوي الجنرال جيم جونز، مستشار الأمن القومي لدى الإدارة الجديدة بموقف الرئيس ويعلن أنه يتطلع الى قيام دولة إسرائيلية آمنة في جوار دولة فلسطينية قابلة للحياة والنمو. وكان ذلك في المؤتمر الذي عقد في واشنطن تحت شعار: «تأييداً لإسرائيل... وللسلام». وقد أغضب خطاب جونز اللوبي الإسرائيلي لأنه صادر عن شخصية رسمية أولاً، ولأنه انتقد سياسة الاحتلال منذ سنة 1967. وعليه تقرر ممارسة ضغوط سياسية وإعلامية من أجل إخراجه من البيت الأبيض.

وسط أجواء الاستنفار السياسي الذي دشنه الرئيس أوباما ضد نتانياهو، وافقت الحكومة الإسرائيلية على تجميد الاستيطان لمدة ستة أشهر. ووصلت المناقشات الى حل وسط والقبول بتجميد الاستيطان لمدة سنة، شرط موافقة السلطة الفلسطينية.

وفجأة، تبدل موقف نتانياهو الذي أبلغ جورج ميتشل أنه يستثني من التجميد القدس بجزأيها الغربي والشرقي. ويبدو أن هذا التغيير حدث بسبب ضغوط الكونغرس على الرئيس، وتهديد الغالبية بأنها ستعارض تمرير برنامجه الصحي.

أثناء زيارتها الأخيرة للمنطقة حاولت الوزيرة كلينتون أن تبيع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، أوهاماً من النوع الذي عرضته عليه. ومع أن نتانياهو لم يقبل بمبدأ الشروط المسبقة في موضوع المستوطنات، إلا أن كلينتون وصفت موقفه بأنه «أمر غير مسبوق في الديبلوماسية».

ولكن التحايل على تغليف مبادرة السلام بعبارات الإطراء لنتانياهو لم يقنع أبو مازن والوفد المفاوض، لذلك جرى تذكير كلينتون بشروط «خريطة الطريق» التي أعلنت قبل ست سنوات من مجلس الأمن. وينص الشرطان المسبقان على وقف العنف من جانب الفلسطينيين مقابل تجميد البناء في المستوطنات. واعترف عباس أن الفلسطينيين نفذوا الشرط المطلوب منهم، ولكن نتانياهو لم ينفذ وعده بتأييد قيام دولتين لشعبين.

وفي المغرب ومصر، سمعت هيلاري كلينتون انتقاداً قاسياً تناول انحياز بلادها السافر لإسرائيل. ذلك أنها الدولة الوحيدة التي تعاملها إسرائيل كدولة تابعة، في حين تستعمل مع الدول الأخرى أسلوب القصاص. ففي أفغانستان أسقطت النظام ولا تزال تحارب «طالبان». وفي العراق مارست الاحتلال بعدما طردت صدام حسين من الكويت سنة 1991. وهي حالياً تهدد إيران وكوريا الشمالية بعقوبات اقتصادية وسياسية.

وعلى رغم تكرار التجاوزات الإسرائيلية، فإن دولة اليهود ما زالت تحصد المساعدات الضخمة والمعونات العسكرية المحرمة حتى على الحلف الأطلسي. وهي متهمة بجرائم حرب كتلك التي حدثت في غزة ولبنان، ومعفية من عقاب القتل والاغتيال واضطهاد الفلسطينيين. ومع هذا كله فهي تشعر بأن «الفيتو» الأميركي التلقائي سينقذها من كل تنديد وعقوبة.

صحيح أن كلينتون تراجعت عن موقفها وعادت لتكرر أن الولايات المتحدة لا تعترف بشرعية المستوطنات... ولكن الصحيح أيضاً أن مشروع السلام الذي حدد أوباما فترة تنفيذه بسنتين، لن يبصر النور. وبما أن السياسة لا تحتمل الفراغ، فإن واشنطن تدرس إمكان إجراء مفاوضات غير مباشرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، خوفاً من انطلاق انتفاضة ثالثة تقضي على الأمل بأي حل. كما تقضي بالتالي على مستقبل أبو مازن وصحبه ممن راهنوا على الولايات المتحدة، وتفتح الباب واسعاً لحركة «حماس» المتحمسة لاستمالة الناقمين في الضفة الغربية.

بقي الحديث عن مناسبة انقضاء سنة كاملة على عهد باراك أوباما. والمؤسف أن الصحف الأميركية لم تجد له هذا الأسبوع أي إنجاز يستحق جائزة نوبل، سوى نجاحه في زواجه من ميشال.

ولكنها حذرت من إرسال أربعين ألف جندي إضافي الى أفغانستان، لأن حرب الاستنزاف أسقطت الاتحاد السوفياتي فور انسحابه من تلك البلاد، تماماً مثلما أسقط الكونغرس نفوذ سيد البيت الأبيض عقب الهزيمة في فيتنام.

والطريف أن الحزب الجمهوري بدأ منذ اليوم يتهيأ لدخول البيت الأبيض بعد ثلاث سنوات!


انشر عبر