شريط الأخبار

اتصال فوق سطح المياه الهائجة.. يديعوت

01:01 - 06 تشرين أول / نوفمبر 2009

بقلم: اليكس فيشمان

القبطان البولندي اصيب بالشحوب عندما رأى مقاتلي الكوماندو الذين يهاجمون سفينته في الظلام. لكن عندما طالبه هؤلاء الغامضون بالصعود للتحقق من سفينته المسماة "فرانكوف" وافق القبطان على التعاون معهم. في غرفة العمليات الاسرائيلية تنفسوا الصعداء.

ماذا كان سيحدث لو ان القبطان رفض التوقف وتجاهل البوارج المحملة بالصواريخ التي تحاصر سفينته؟ هل كانوا سيطلقون النار عليه واجباره على ذلك؟ وهل كان قائد سلاح البحرية ورئيس هيئة الاركان ووزير الدفاع سيتحملون المسؤولية ويعطون ضوءا اخضر لطاقم الهجوم بالسيطرة على السفينة البولندية بالقوة؟ وماذا كان سيحدث لو ان مقاتلي الفرقة الخاصة البحرية 13 سيصعدون الى السفينة ليجدوا ان المعلومات التي بحوزتهم ليست دقيقة؟ حينئذ كانت كل هذه العملية ستتحول الى فشل سياسي مدو ناهيك عن امكانية سقوط الضحايا في الجانبين.

هذه ليست اسئلة نظرية تسأل بعد الحدث. كل واحدة من هذه الامكانيات تعرضت للدراسة الدقيقة خلال التحضيرات والمداولات التي جرت في قيادة سلاح البحرية وفي ديوان رئيس هيئة الاركان ووزير الدفاع قبل العملية. اعدوا السيناريوهات في حالة حدوث تعقيدات في المهمة. صحيح ان هذه العملية كانت عملية بحرية مركبة ولكنها بقيت ضمن مدى يتيح التدخل السريع: 160 كيلومترا عن شواطىء اسرائيل مع قوة بحرية ملموسة وطائرات تحلق في الجو وقوات جاهزة للتدخل عند الساحل. ولكن كيف يمكن مواجهة معضلات من هذا النوع عندما يكون المقاتلون (وفقا للتقارير الاجنبية) على مسافة 3 الاف كيلومترا من هنا مثلا، في البحر الاحمر؟

شطرنج في الاعماق

وفقا للتقارير الاجنبية ساحة قتال سلاح البحرية خلال السنة والنصف الاخيرين موجودة في اماكن اخرى بالاضافة الى سواحل غزة. وفقا لهذه التقارير، نفذت في هذه السنة عشرات العمليات الصغيرة والكبيرة على مسارات تهريب السلاح من البحر. خليج عدن مثلا هو جنة عدن للقراصنة. الاسطول الايراني يبحر هناك بصفته احدى الجهات التي تكافح القرصنة الصومالية. من الجدير بالذكر ان القوة البحرية الايرانية تفعل هناك كل ما تريد باستثناء مكافحة القرصنة. على سبيل المثال في الخامس والعشرين من تشرين الاول ضبط الجيش اليمني سفينة سلاح ايرانية على متنها مدربين متوجهين الى صفوف المتمردين الشيعة في شمالي اليمن. على امتداد 200 ميل (320 كيلومترا) التي تفصل بين اليمن وبين السودان هناك مسار تهريب مزدهر يمكنك ان تجد فيه كل ما تريد: بدءا من تهريب اللاجئين وانتهاء بتهريب الصواريخ الصينية والايرانية الموجهة لبعض الزبائن في الشرق الاوسط. في بعض الاحيان يكون اللاجئون والصواريخ على نفس ظهر السفينة.

وقبالة هذا المحيط المجنون الذي تبحر فيه آلاف السفن التي تحمل جملة من الاعلام يتوجب على اسرائيل اتخاذ القرارات: اية سفينة يجب ان تلاحق؟ وما الذي يوجد على متنها؟ وما الذي يتوجب فعله معها اطلاق النار عليها ام اغراقها ام السماح لها بالمرور؟ وعموما كيف يمكن النجاح في الوصول الى نقطة التقاء قوة للعمليات قادما من مسافات بعيدة وبين سفينة ترتبط بالارهاب الشرق اوسطي؟

المفتاح هو الاستخبارات. دولة اسرائيل لا تمتلك في هذه المنطقة حتى ممثلية دبلوماسية واحدة، ناهيك عن الوجود العسكري الدائم. ومع ذلك وفقا للتقارير الاجنبية كمية العمليات التي نفذها سلاح البحرية في السنة الاخيرة غير مسبوقة في تاريخ سلاح البحرية.

ليس واضحا ما الذي يفعله بالضبط جنود البحرية والجهات الاستخبارية الاسرائيلية في هذا القطاع. النتائج وحدها هي الواضحة: حدوث هبوط قوي في كمية الاسلحة التي تصل الى قطاع غزة. على سبيل المثال في النصف الاول من هذا العام بين كانون الثاني وتموز 2009 ادخل للقطاع مائتي صاروخ فقط – مقابل 1300 صاروخ دخلت الى هناك طوال السنة الفائتة. هذا انجاز لا بأس به خصوصا في الفترة التي تركز فيها ايران جهودها الخاصة لادخال كميات هائلة من السلاح الى غزة لازالة آثار عملية "الرصاص المصبوب" واعادة حماس للمجابهة القادمة مع اسرائيل. هذه الحرب تجري في اغلبيتها بصورة سرية. في بعض الاحيان تنشر في احدى الصحف الاجنبية حكاية حول سفينة ما ابتلعها البحر الكبير دون ان يعرف احد مصيرها. لا يشتكي اي احد ضد ذلك وفي العادة لا يكترث احد لذلك، باستثناء صاحب البضاعة وزبونها. وان كان صاحب البضاعة التي القي القبض عليها ايرانيا بالصدفة فسيحاول بالتأكيد ايجاد سبل لتهريب بضاعته القادمة من دون ان يلقى القبض عليه. ربما عبر مسار اخر وربما تحت غطاء اخر. هذه حرب ادمغة تدور بلا توقف. لعبة شطرنج بحرية بين المهرب والصياد.

نقطة الضعف المصرية

عملية "الاربعة اجناس" تتيح القاء نظرة خاطفة على المطاردة التي تجري بين الصياد وفريسته في البحر. هذه قد تكون مطاردة لسفينة كبيرة مثل "فرانكوف" التي ادت الى ضبط اطنان من الوسائل القتالية، وربما تكون صيدا لسفينة صيد صغيرة تحمل على متنها مطلوبا وحيدا اجتاز الحدود البحرية من مصر.

من المراحل الاولى لعملية "الاجناس الاربعة" حيث لم تكن المعلومات الاستخبارية قوية بعد – في بداية تحرك السفينة المشبوهة التي انطلقت من ميناء بندر عباس في ايران – بدأ سلاح البحرية والوحدات الخاصة باعداد عملية السيطرة على السفينة.

بعد ان صادق المستوى السياسي في الجيش الاسرائيلي على الاستمرار في الاعداد للعملية وجهت كل القدرات الاستخبارية ذات العلاقة للسفينة وللساحة التي تبحر فيها. كيف يمكن لدولة بحجم اسرائيل ان تصل الى مستوى استخباري في الوقت الحقيقي حول هدف منفرد واحد بعيد عن البيت بهذا المستوى؟ هنا تتجسد الجهود المضنية التي بذلت طوال سنوات والتي تعاظمت على خلفية التهديد النووي الايراني. الاستخبارات الاسرائيلية تشد خيوط التنصت والمراقبة الخاصة بها الى مسافات تصل اليها الدول العظمى او الغنية بصورة استثنائية فقط. وتشارك في هذه الجهود اذرع استخبارية مختلفة كشعبة الاستخبارات العسكرية والموساد.

في هذه المرحلة التي تبحر فيها السفينة من ايران نحو قناة السويس، من الصعب جدا ان تضيع من المراقبة بين آلاف السفن التي تتجول هناك. يمكن الافتراض ان من الممكن في هذه المرحلة من المتابعة الاستعانة باستخبارات دول صديقة متعاونة. توقيت السيطرة على السفينة هو مرحلة حاسمة. ولذلك طوال كل عملية الابحار تصل التقارير الدورية لرئيس هيئة الاركان وقائد سلاح البحرية ووفقا لتقديرهم للوضع يتم اعداد الكمين للفريسة.

اسرائيل كانت تخشى من المس بسفينة ايرانية حكومية لان هذا يعتبر مساسا بالسيادة الايرانية ومدعاة للمجابهة العنيفة مع ايران الا ان هذه المعضلة حلت عندما نقلت الاسلحة من السفينة الايرانية التي تحملها في البداية الى السفينة البولندية ذات الملكية الالمانية والتي تقوم شركة قبرصية بتشغيلها. انزال الحمولة جرى في ميناء دمياط المصري. مصر هي نقطة مركزية في شبكة التهريبات الايرانية للشرق الاوسط وشمالي افريقيا. قناة السويس هي عنق زجاجة طريق التهريبات البحري وحدود مصر مع السودان يوفر مسار تهريبات بري باتجاه سيناء. منذ عملية "الرصاص المصبوب" حدث تقدم بين اسرائيل ومصر وتم التوصل الى تفاهمات وآليات لمكافحة تهريب السلاح. ومع ذلك ما زالت المساعي الاستخبارية المصرية بصدد عنق الزجاجة البحري والبري المذكور مخيبة للامال بالمجمل. في اسرائيل يميلون لابراز انجازات مصر في محور فيلادلفيا ويظهرون علانية ضبطهم للوسائل القتالية في سيناء واغلاقهم للانفاق. المصريون قاموا بالفعل باغلاق مسار تهريب الاموال لقطاع غزة بالحد الاقصى – لكن الجيش المصري الكبير لم يغير سلم اولوياتها ولم يخصص موارد جديدة لمكافحة التهريبات. هو لا يبذل الجهود في المساعي الاستخبارية الجارية في مواجهة المهربين ولا يحول القوات لاغلاق الثغرات البرية على امتداد الحدود مع السودان. وهكذا كانت مصر وما زالت معبرا مريحا نسبيا من المنطقة المؤيدة للارهاب في الخليج الفارسي الى الدول التي تمارس الارهاب: سوريا، لبنان وغزة. المصريون لا يعطون الايرانيون اسبابا كافية للبحث عن دول مرورية اخرى لانفسهم.

عموما ليست فقط السيطرة على سفينة ايرانية كما اسلفنا محفوفة بالمخاطرة العسكرية والسياسية وانما كذلك السيطرة على سفينة تجارية تعود لدولة صديقة. القانون الدولي يتيح اجراء عملية تفتيش للسفن الاجنبية ولكنه لا يسمح بتنفيذ الاعتقالات. عندما يقوم الامريكيون باحتجاز سفن مشبوهة في البحر الاحمر يقومون بتصوير محتوياتها ولكنهم لا يمتلكون اية صلاحيات لمصادرة محتوياتها واعتقال الطاقم ان كان اصحاب السفينة دولة او شركة خاصة لا يوافقون على ذلك.

قبل ثلاثة اسابيع احتجز الامريكيون سفينة المانية تحمل اسلحة ايرانية موجهة لسورية. كان على الادارة الامريكية اشراك المستشارة انجيلا ميركل للحصول على موافقة على احتجاز السفينة واقتيادها الى مالطا.

السيطرة الاسرائيلية على سفينة تاجر بالقوة حيث لا تكون على متنها اسلحة عسكرية جوهرية يمكن ان تحصل على مستند قانوني ما. ولكن هذا الامر من وجهة نظر الرأي العام العالمي قد يعزز صورة اسرائيل كدولة قرصنة مخالفة للقانون. ورغم ذلك خلال المداولات التي جرت عند وزير الدفاع صدرت الموافقة السياسية على اعتراض سفينة "فرانكوف". هذه كانت خطورة محسوبة وقد نجحت لحسن الحظ.
انشر عبر