شريط الأخبار

تقرير استراتيجي : جسر على مياه هائجة: مشاركة تركيا في النظام الاقليمي والدولي

07:19 - 01 تموز / نوفمبر 2009

تقرير استراتيجي : جسر على مياه هائجة: مشاركة تركيا في النظام الاقليمي والدولي

بقلم: غاليا ليندنشتراوس وعوديد عيران

·        تقدير استراتيجي لاسرائيل 2009

·         تحرير شلومو بروم وعنات كورتس

·         معهد بحوث الامن القومي، جامعة تل ابيب، 2009.

        خاص: فلسطين اليوم

تحاول تركيا في السنين الاخيرة أن تقيم سياستها الخارجية على مبدأ "العمق الاستراتيجي"، الذي اقترحه احمد دافتولو، المستشار الكبير السابق للشؤون الخارجية لرئيس الحكومة رجب الطيب اردوغان، ووزير الخارجية التركي اليوم. بحسب هذه السياسة، يحدد وزن دولة في النظام الدولي بمكانتها الجغرافية – الاستراتيجية وبعمقها التاريخي. من هذه الجهة زعم دافتولو ان وضع تركيا متميز بفضل مكانتها الجغرافية في المنطقة بحيث تربط بين قارتين وبفضل علاقاتها التاريخية بالبلقان وبالشرق الاوسط وبوسط آسيا. بل انه يوجد من يتبينون في هذا المبدأ اسسا عثمانية جديدة ورغبة تركيا في أن تزيد قوتها اللينة وتأثيرها في النظام الدولي. يعبر عن الاخذ بهذا المبدأ تعبيرا عمليا بزيادة عدد مبادرات الوساطة التي قدمتها تركيا في العالم ولا سيما فيما يتصل بنزاعات اقليمية. على نحو اكثر تفصيلا حظيت سياسة تركيا من جاراتها باسم "عدم المشكلات"، وكان القصد محاولة تخصيص جهود كبيرة لمنع أزمات ممكنة معها.

        تم التعبير عن مبدأ العمق الاستراتيجي في السنة الاخيرة بعدد من الاجراءات الدبلوماسية بادرت اليها تركيا – اقتراحات وساطة بين الولايات المتحدة وايران، واستمرار التوسط بين اسرائيل وسورية، وما حظي باسم "دبلوماسية كرة القدم" التي تتصل بمحاولات الاتراك تحسين العلاقات بارمينيا، وهي محاولات كانت ذروتها زيارة رئيس تركيا التاريخية لارمينيا. الى ذلك، وكجزء من ردود تركيا على الازمة في جورجيا اثير اقتراح مخطط للتعاون ولتشجيع الاستقرار في القفقاز، وهو مخطط يشتمل على روسيا وتركيا ودول القفقاز الجنوبية. بل ان تركيا شجعت تجديد المحادثات بين الطرفين المتعاديين في قبرص بعقب نتائج الانتخابات الرئاسية في الجانب اليوناني من قبرص، والتي تمت في شباط 2008 وأفضت الى فوز زعيم معتدل يؤيد التسوية. الى هذه المبادرات، بعد اكثر من أربعين سنة، انتخبت تركيا مرة اخرى عضوا غير دائم في مجلس الامن.

        بخلاف هذه التطورات الدبلوماسية الايجابية، لم يطرأ هذه السنة تقدم في موضوع الاكراد. بقيت مشكلة الارهاب من قبل منظمة العمال الكردية على حالها بل زادت حدة. وكذلك ايضا رد تركيا النمطي بعقب اعمال من هذا النوع والذي عبر عنه دخول مكرر لقوات تركيا داخل العراق لمطاردة محاربين اكراد. لكن في السنة الاخيرة حدث تقدم لمقدار التعاون الاستخباري بين الولايات المتحدة وتركيا بخصوص نشاط منظمة العمال الكردية في شمال العراق، بل تقبلت الولايات المتحدة بتفهم نشاط تركيا الجوي والبري في المنطقة. مع ذلك يبدو أنه برغم محاولات الولايات المتحدة الاقتراب من تركيا، لم يطرأ تغير حقيقي على تصور الجمهور التركي للولايات المتحدة، حتى انتخاب براك اوباما لرئاسة على الاقل. يبدو أن هذا الانتخاب أسهم بقدر ما في تحسين صورة الولايات المتحدة في نظر الاتراك.

        تركيا والمحيط القريب

        بالنظر في المحيط القريب، توجد مخاوف كبيرة في تركيا تتصل بمستقبل العراق. تنوي الولايات المتحدة في الحقيقة الانسحاب من العراق قبيل سنة 2011، لكن توجد دعوات في الولايات المتحدة الى تعجيل هذا الاجراء. يتخوف الاتراك من أن تكون مطالب الاكراد اقامة اتحاد فيدرالي عرقي ضعيف في العراق تخفي في واقع الامر نيات الاكراد الحقيقية المتصلة برغبتهم في اقامة دولة مستقلة. بالرغم من أن تركيا تعارض بشدة اقامة دولة كردية مستقلة، يمكن ان نقدر ان اقامة دولة كهذه خاصة، يبدو انه سيكون للاتراك اكبر تأثير فيها بين الدول المجاورة، يمكن ان يعزز مكانتها في المنطقة. فاليوم يوجد لرجال اعمال أتراك استثمارات واسعة في شمال العراق. وعلى ذلك فلهم مصلحة في واقع الامر في حفظ الاستقرار في المناطق الكردية.

        ان مخاوف الاتراك من اقامة دولة كردية مستقلة تفسير ايضا جزءا من التقارب في السنين الاخيرة بين تركيا وايران التي هي ايضا من المعارضات البارزات لاقامة دولة كردية مستقلة ولوجود قوات امريكية في العراق. يبرز على نحو خاص في هذا السياق زيارة محمود احمدي نجاد لتركيا في آب 2008. تمت هذه الزيارة في اسطنبول لا في أنقرة وعرفت على انها "لقاء عمل" لا زيارة رسمية، كي لا تنطبق عليها قواعد المراسم الرسمية، وهكذا يستطيع احمدي نجاد الامتناع من زيارة متحف أتاتورك أبي العلمانية التركية. قد تشهد مرونة تركيا في هذا الموضوع غير العادية بالاهمية الكبيرة التي توليها اليوم لتقديم علاقاتها بايران.

        وقضية اخرى تشغل اليوم الجماعة الدولية وتتصل في الجملة بعلاقات تركيا بايران هي القضية الذرية الايرانية. موقف تركيا هو انه ينبغي في هذه المرحلة فعل ما يمكن للامتناع عن اشتعال قد يكون نتيجة عمل ردعي من قبل اسرائيل او الولايات المتحدة. الاتراك اقل خوفا من تهديد ذري من قبل ايران لهم، لكنهم قلقون من ان محاولات ايران الحصول على سلاح كهذا تفضي الى عدم استقرار في المنطقة. بين رئيس حكومة تركيا اردوغان عن مناصرة ما لموقف ايران تتصل بعدم شرعية سلوك الدول التي تمتلك من جهة سلاحا ذريا وهي معنية من جهة اخرى بمنع ايران الحصول على هذه السلاح. مع ذلك يبدو أنه يوجد جدل ي تركيا في المعاني المشتقة من وع امتلاك سلاحا ذريا – فالجيش وجماعات النخبة العلمانية قلقان من سياسة ايران الذرية، اما قادة حزب العدالة والتنمية وجماعات النخبة الجديدة فلا يشتركون في هذه المخاوف. مع ذلك، وبرغم وجود جدل  كهذا، لا تُسمع في تركيا دعوات الى تطوير قدرة ذرية مستقلة في هذه المرحلة. يمكن ان نفسر عدم وجود دعوات من هذا القبيل ايضا على خلفية المظلة الذرية التي تتمتع بها تركيا كعضو في حلف شمال الاطلسي.

        بموازاة التقارب بين تركيا وايران، حدث تحسن ملحوظ في السنين الاخيرة للعلاقات بين سورية وتركيا. ينبع هذا التحسن من المصالح المشتركة للدولتين في ما يتصل بمستقبل العراق وحاجة سورية الى الخلاص من العزلة الدولية التي فرضتها عليها ادارة بوش. هذه الحاجة جعلت سورية تعرض مواقف مهادنة تجاه تركيا في موضوع الماء مثلا. حصل تحسن العلاقات هذا العام على تعبير عنه بالدور الرئيس الذي تحملته تركيا للوساطة بين اسرائيل وسورية. وجد في هذا النشاط الدبلوماسي اربع جولات تقارب غير مباشر بين الطرفين، بل وجدت نية اتمام جولة خامسة. أجلت هذه الجولة إثر استقرار الرأي على انتخابات في اسرائيل. قبيل نهاية العام تمت زيارة خاطفة لرئيس حكومة اسرائيل ايهود اولمرت لانقرة، كي يحاول تقديم التفاوض مع سورية. عشية الزيارة قال اولمرت في المؤتمر السنوي لمعهد ابحاث الامن القومي: "اخراج سورية من محور الشر مصلحة استراتيجية عليا لدولة اسرائيل". وقال ايضا: "اتفاق سلام مع سورية ممكن احرازه". في الزيارة التقى اولمرت رئيس حكومة تركيا اردوغان، ورئيسها عبدالله غول، وزير خارجيتها آنذاك علي ببكان، وزعمت الصحافة انه قد تم فيها تقدم نحو صوغ وثيقة مقاربة تمكن من مفاوضة مباشرة بين الطرفين. مع ذلك، في أثر عملية بين "الرصاص المصبوب" في غزة في نهاية كانون الاول، استقر رأي السوريين على تعليق المحادثات، وعزل الاتراك أنفسهم عن كونهم وسطاء، برغم ان اردوغان ألمح الى أن تركيا ستعود الى لعب هذا الدور بقوله: "السلام بين اسرائيل وسورية لم يمت بعد".

        لم تكد تجدّ احداث ذات شأن في خلال السنة على علاقات اسرائيل بتركيا، لكن على أثر عملية "الرصاص المصبوب" عانت العلاقات زعزعة شديدة. في الحقيقة أن تطورات سلبية في الماضي ايضا للعلاقات بين اسرائيل والفلسطينيين جلبت في الاكثر نقدا شديدا من قبل تركيا، لكن زيارة اولمرت أنقرة قبل بدء العملية ببضعة ايام فقط اسهمت في أن شعر الاتراك بانهم دفعوا الى الزاوية. فهذه نشأ  من جهة انطباع ان تركيا ربما علمت سلفا بالعملية ولم تمنعها، ومن الجهة الاخرى اذا كانت لم تعلم شيئا فان اهمية ليست كبيرة جدا كما اعتقد قادتها. في زمن العملية وبعد ذلك عبر رئيس حكومة تركيا اردوغان عدة مرات تعبيرا شديدا جدا مضادا لاسرائيل. فقد أعلن من جملة ما أعلنه ان عملية طويلة في غزة ستكون "جريمة على الانسانية" وانها تعبر عن عدم احترام اسرائيل لمحاولات وساطة تركيا. فضلا  عن ذلك قال ان اسرائيل تنفذ اعمالا غير انسانية في غزة. وهذه الاعمال ستجعلها تقضي على نفسها. بعد اجازة قرار مجلس الامن 1860 الذي دعا الى وقف اطلاق نار من الفور، قال اردوغان انه لا ينبغي تمكين اسرائيل من دخول مؤسسات الامم المتحدة ما لم تنفذ القرار. حذر غول رئيس تركيا من أن اعمال اسرائيل ستفضي الى عدم استقرار في المنطقة. بل حدثت حادثة دبلوماسية صعبة في جلسة خصصت للقتال في غزة في المؤتمر الاقتصادي في دافوس، شارك فيها رئيس اسرائيل شمعون بيرس واردوغان؛ عندما غادر هذا الاخير غاضبا الجلسة محتجا على كلام الرئيس بيرس وعلى أنه لم يعطَ حق رد كاف عليه.

        عدا المستوى السياسي، تم التعبير عن التوتر بين تركيا واسرائيل في مستوى اكثر شعبية عندما تمت مظاهرات ضخمة مضادة لاسرائيل في تركيا، ووجدت دعوات الى قطع العلاقات التجارية والعلاقات الامنية بين الدولتين. كان بارزا في هذه الازمة رد اسرائيل المضاد، عندما نشرت في شبكة الانترنت دعوات الى عدم السفر الى تركيا. حظيت الدعوات بصدى واسع. في هذا السياق ترك سفر فريق كرة السلة بني هشرون الى أنقرة  وخوفه من اللعب إذ شاهد الجمهور الغاضب في القاعة، أثره في الرأي العام في اسرائيل. ينبغي أن نؤكد ان وزن السياحة من اسرائيل قياسيا لسائر السياحة التي تدخل تركيا ليست كبيرا، لكن برغم ذلك توجد اهمية للعلاقة المباشرة بين مواطني الدولتين.

        كان الى نقد تركيا الواسع لاسرائيل، لدور مصر وفرنسا المركزي في ادارة الازمة وحلها تأثير كبير في حجب تركيا عن لعب دور الوساطة الرئيس. مع ذلك ينبغي أن نؤكد ان تركيا لم تيأس من محاولات الوساطة في النزاع؛ الى الدور الذي لعبه الاتراك في اقناع حماس بالموافقة على اعلان هدنة، شارك غول، رئيس تركيا في مؤتمر شرم الشيخ بعد انقضاء الازمة، مع الممثلين الكبار من الاتحاد الاوروبي والامين العام للامم المتحدة. ينبغي أن نذكر أيضا ان تركيا ترى رفض اسرائيل ورفض جزء من الجماعة الدولية اجراء تفاوض مع حماس خطأ يفضي الى تدهور الوضع في غزة. ينبغي أن نؤكد ان حزب العدالة والتنمية يشايع بمعان كثيرة حماس لانهما كلاهما انتخب في انتخابات ديمقراطية. ويوجد اعتراض على مقدار شرعية حكمهما ومن جملة اسباب ذلك قاعدتهما الاسلامية.

        تركيا والاتحاد الاوروبي

        ما تزال تركيا تقارب دولا في الشرق الاوسط، وفي مقابلة ذلك يبدو أنه لم يحدث هذا العام تقدم حقيقي لجهود تركيا لدخول الاتحاد الاوروبي، بل يمكن ان نزعم أنه طرأ تراجع ما للمسيرة. فالى المعارضة الموجودة في اوروبا لانضمام تركيا الى الاتحاد، يلقي عدد من التطورات الداخلية التي حدثت في تركيا ظلا ثقيلا على احتمالات نجاح المسار. فالصراع المتصل بين النخبة العلمانية القديمة وقادة الجيش وبين حزب العدالة والتنمية ذي الصلة بمبادىء اسلامية وجماعات النخب الجديدة يشهد في نظر كثيرين في اوروبا على الجوانب المشكلة في الديمقراطية التركية. تم التعبير عن هذا الصراع تعبيرا شديدا هذا العام بدعوى رفعت الى محكمة الدستور في اذار 2008 لوقف نشاط الحزب الحاكم، حزب العدالة والتنمية، بسبب سياسة تشذ عن المبدأ العلماني. في تموز 2008 قررت المحكمة رفض الدعوى. مع ذلك استقر الرأي بأكثرية عشرة قضاة ازاء قاضٍ واحد على أن سياسة حزب العدالة والتنمية لا تلائم مبدأ العلمانية. اعتقد ستة قضاة فقط، برغم أنه احتيج الى اكثرية سبعة قضاة لاتخاذ هذا القرار، ان الامر يسوغ اغلاق الحزب. كان اغلاق الحزب، الذي فاز في الانتخابات العامة التي تمت في تركيا في تموز 2007 بنحو من 47 في المائة من الاصوات، ان يكون مدمرا لصورة تركيا كدولة ديمقراطية. ان حقيقة ان الحزب لم يغلق لصوت واحد لم تمنع الاضرار بهذه الصورة تماما. كذلك اثار عمق الريبة والغموض حول منظمة "ايرغينيكون" وهي منظمة علمانية متطرفة، اعتقل عدد من نشطائها هذه السنة، عواصف في تركيا بل خارجها. زعم ان هذه المنظمة كانت معنية باتخاذ اعمال عنف كانت تقوض الاستقرار السياسي وتفضي الى اسقاط حكم حزب العدالة والتنمية. في حين أكدوا في النخبة العلمانية ان التهم الموجهة الى هذه المنظمة مبالغ فيها بل كاذبة، أكدوا في جماعات النخبة الجديدة ان وجود منظمة كهذه في تركيا – التي زعم حتى وجود رجال جيش كبار في السابق واناس آخرون من النخبة العلمانية بين اعضائها – يشهد بانه يوجد في تركيا في واقع الامر سلطة ظلال الى جانب الحكومة ذات السيادة.

        عدا المشكلات القائمة بين النخبة العلمانية وحزب العدالة والتنمية، يشوش على امكان انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي ايضا وقف الاصلاحات بالنسبة للاكراد، وهذا الامر سيجعل من الصعب على تركيا أن تبرهن حينما يحين الوقت على أنها ما تزال تثبت لمعايير القبول في الاتحاد. يوجد جدل في سؤال هل وقف الاصلاحات مصدره مخاوف حزب العدالة والتنمية من الاخذ بسياسة تثير خلافا كان يمكن ان يمس بتأييده في الانتخابات المحلية التي حددت في اذار 2009 أو ان الحديث عن تغيير أكثر جوهرية لسياسة حزب العدالة والتنمية. اولئك الذين يزعمون ان الحديث عن تغيير جوهري يلمحون الى شبه اتفاق احرز بين حزب العدالة والتنمية وقادة الجيش، فحواه أن حزب العدالة والتنمية لم يعرض سياسة ثورية تتصل بالاكراد في حين لن يسعى الجيش لتقويض سلطته.

        بخلاف هذه التطورات الداخلية المشكلة في نظر الاوروبيين، بينت أزمة جورجيا في آب 2008 ان تركيا ما زالت مهمة من جهة جغرافية – استراتيجية ازاء روسيا، في الفترة بعد انقضاء الحرب الباردة ايضا. ان انتقاد رد الغرب الضعيف على سياسة روسيا المستعملة للقوة على جورجيا يقوي الزاعمين ان الاتحاد الاوروبي يستطيع أن يكسب مكاسب سياسية وعسكرية بتعميق العلاقات بتركيا، جارة جورجيا. بل ان أزمة آب بينت اشكال بناء انابيب لنقل موارد الطاقة التي تمر بجورجيا، للالتفاف على ارمينيا التي تختلف تركيا واذربيجان معها. من هذه الجهة من المنطقي ان نفترض ان الاتحاد الاوروبي ايضا سيكون معنيا الان بالمساعدة من تركيا على حل النزاع في نغورنو كرباخ لان هذا النزاع يجعل السلوك ازاء روسيا صعبا في منطقة القوقاز. المصالحة في العلاقات بين تركيا وارمينيا يمكن ان تسهم في تحسين العلاقات بين ارمينيا واذربيجان التي تعد تركيا اكبر حليفاتها. في مقابلة ذلك يمكن ان يفضي تدهور العلاقات بين ارمينيا واذربيجان الى زيادة تأثير روسيا في القوقاز لان روسيا حليفة ارمينيا.

        صعوبات قبول تركيا في الاتحاد الاوروبي من جهة والحاجة الى منع ابتعاد تركيا عن دول الغرب من جهة اخرى تزيدان احتمالات ان يقترح على تركيا "شراكة مع حقوق زائدة" في الاتحاد، وهي فكرة يؤيدها رئيس فرنسا نيكولا ساركوزي ومستشارة المانيا أنجيلا ماركيل. مع ذلك ليس واضحا هل ستكون تركيا مستعدة للاكتفاء بمكانة خاصة لا بعضوية تامة. يزعم الاتراك ان المشكلات القائمة اليوم فيما يتصف بالثبات لمعايير القبول في الاتحاد الاوروبي لا تستطيع ان تسوغ عدم استعداد قادة دول الاتحاد منحها التزاما مبدئيا لقبولها في صفوفه. والمشكلة هي ايضا ان قضية دخول تركيا الاتحاد الاوروبي تتجاوز كثيرا مسألة المكاسب الاقتصادية والسياسية الكامنة في هذا الانضمام. ان قبول تركيا عضوا في الاتحاد يتصل ايضا بمسائل مقترنة بالهوية، التي يتخبط فيها السكان الاتراك، ولا سيما في المرحلة الحالية. يمكن في الحقيقة ان نتوقع ان تبذل دول الاتحاد جهدا كبيرا للتأليف بين فكرة "شراكة مع حقوق زائدة" وبين حوافز اقتصادية، تجعل من السهل على تركيا قبول هذه الفكرة، لكن الازمة الاقتصادية العالمية ستجعل من الصعب في هذه المرحلة عرض نظام حوافز ذا شأن. بل ان الازمة الاقتصادية العامية يتوقع أن تؤثر تأثيرا سيئا في تطورات اقتصادية داخل تركيا. وقد تكون لهذه التطورات آثار في مقدار استقرار سلطة حزب العدالة والتنمية. في سنة 2008 انخفضت نسبة النمو في تركيا جدا. بقي معدل النمو في 2008 ايجابيا في الحقيقة، لكنه لم يمكن من احداث وظائف جديدة على قدر يكفي لمواجهة مشكلة البطالة في تركيا عامة ومشكلة بطالة الشبان فيها خاصة.

        نظرة الى الامام

        من جهة علاقات اسرائيل بتركيا، يحتاج في السنة القريبة الى جهد ملحوظ من الدولتين لاعادة بناء  العلاقات يمكن ان نرجع بعض تدهور العلاقات على أثر عملية "الرصاص المصبوب" الى مسيرة متصلة للتباعد بين الدولتين ووجود قدر اقل من المصالح المشتركة، اما بعضه فينبع ايضا من دور أنشط تحاول تركيا ان تلعبه في الوساطة الاقليمية، والتحديات التي يعرضها لها هذا الدور ويعرض دولا أخر. وهكذا برغم رغبة تركيا في ان تعرض نفسها على أنها "وسيط نزيه" في أزمات شديدة مثل عملية "الرصاص المصبوب"، تتبين ايضا قيود هذه السياسة، حين يصعب على تركيا ان تحافظ على موقف علني متزن بين الطرفين. الحل الممكن لهذه المشكلة هو قبول تركيا بمنزلة "وسيطة منحازة"، لكنها هي "التي تستطيع الاتيان بالسلعة"، ومن جملة اسباب ذلك علاقتها الجيدة بحماس وعلاقاتها التي اخذت تسخن بسورية وايران. الاسئلة المهمة في هذا السياق هي هل تركيا مستعدة للعب دور كهذا وهل ستكون اسرائيل مستعدة لقبول انتقاد شديد من تركيا اذا كان مصحوبا ايضا بانجازات سياسية.

        يتوقع ان تستمر العلاقات الحسنة التي نشأت بين تركيا وسورية وبين تركيا وحماس. في مقابلة ذلك تعتمد العلاقات بين تركيا وايران على أسس اضعف ومن جملة أسباب ذلك سعي ايران لزيادة تأثيرها في المنطقة على نحو ملحوظ. ليس واضحا من هذه الجهة كم ستستطيع ايران بعد ألا تشوش على نية الاتراك زيادة تأثيرهم. برز ذلك مثلا بأن عرضت ايران كل تقدم لمحادثات السلام، بوساطة الاتراك، بين اسرائيل وسورية. التقارب بين سورية وايران وتقارب تركيا من الدولتين من جهة اسرائيل تطورات مقلقة، اما "فصل" سورية عن المحور المتطرف فيمكن ان يكون اسهاما لا في تقليل عدد التهديدات لاسرائيل تقليلا ممكنا فقط بل بجوانب معنوية للمس بالمحور المتطرف. الى ذلك أفضى التقدم في المسيرة السلمية في الماضي، ويتوقع ان يفضي في المستقبل ايضا الى تحسين علاقات اسرائيل بتركيا. في مقابلة ذلك التدهور الى العنف ولا سيما بين اسرائيل والفلسطينيين، يتوقع ان يزيد الاضرار التي اصابت علاقة اسرائيل بتركيا في أعقاب عملية "الرصاص المصبوب".

        من جهة علاقة تركيا بالولايات المتحدة، يتوقع الاتراك انه بخلاف توجه ادارة بوش الاحادي، ان تضع الادارة برئاسة أوباما توكيدا اكبر لحوار حقيقي من جانبين بين الولايات المتحدة وحليفاتها. يتوقع ان يكون فريق الخارجية والامن الذي اختاره أوباما – وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، ومستشار الامن القومي جيمس جونس ووزير الدفاع روبرت غيتس – فريقا منصتا عالما باحتياجات الاتراك، على خلفية عمل جونس السابق في حلف شمالي الاطلسي واستمرار عمل غيتس وزيرا للدفاع. مع ذلك امكان ان تعترف الولايات المتحدة بكارثة الشعب الارمني في المذبحة التي نفذها الاتراك يكمن فيه قدرة كامنة على شقاق بين تركيا والولايات المتحدة. زادت الان منظمات الشتات الارمنية الضغط لاحداث اجازة قرار تاريخي كهذا مع محاولة استعمال التأليف بين تأييد مسؤولين كبار في الماضي في الادارة الامريكية الجديدة لهذا الاعتراف – وفي ضمنهم براك اوباما وهيلاري كلينتون – ووجود كثرة ديمقراطية في المجلسين النيابيين. زعم ايضا ان احد اسباب التقارب بين تركيا وارمينيا في السنة الاخيرة كان خوف تركيا من انه لن يكون من الممكن بغير تقدم الاتصالات المباشرة بأرمينيا، اقناع الامريكيين بعدم اجازة القرار في شأن اعتراف كهذا.

        بالنظر في السنة القريبة، البدء الممكن لقناة تفاوض مباشر بين الولايات المتحدة وايران سيقلل في واقع الامر الحاجة الى اسهام وساطة تركية. كذلك التقدم للمحادثات بين اسرائيل وسورية، اذا حدث سيقتضي تدخلا من الولايات المتحدة التي ستجعل وساطة تركيا كما يبدو اقل شأنا. كذلك التقدم في التفاوض بين اسرائيل والفلسطينيين يبدو معلقا بمقدار التزام ادارة اوباما المسيرة اكثر من تعلقه بتدخل تركيا فيها. هذه التطورات قد تضر بمكانة تركيا كوسيطة تستطيع ان تحقق مبدأ "عمقها الاستراتيجي"، وتلائم في الوقت نفسه ما يرى مصلحة تركيا اليوم – اي حل النزاعات بين الدول التي تقرب منها جغرافيا وسياسة "عدم المشكلات" عندها مع جاراتها.

انشر عبر