شريط الأخبار

دراسة : مفاوضة اسرائيلية – سورية: احتمال تغيير للنظام الاستراتيجي الاقليمي؟

02:56 - 01 حزيران / نوفمبر 2009

دراسة : مفاوضة اسرائيلية – سورية: احتمال تغيير للنظام الاستراتيجي الاقليمي؟

·        تقدير استراتيجي لاسرائيل 2009

·         تحرير شلومو بروم وعنات كورتس

·         معهد بحوث الامن القومي، جامعة تل ابيب، 2009.

     

        خاص: فلسطين اليوم

في سنة 2008 جدد النشاط في قناة التفاوض الاسرائيلي – السوري. كان ذلك ممكنا بفضل تغير توجه اسرائيل من هذه القناة لان رئيس سورية بشار الاسد في السنين التي سبقت ذلك كرر على الدوام ارادته تجديد مفاوضة اسرائيل، ولم تبين عن اهتمام بذلك. عندما تولى ايهود اولمرت عمله نائبا لرئيس الحكومة بعقب مرض رئيس الحكومة شارون، وكذلك بعد ان فاز في انتخابات آذار 2006 وألف حكومة ائتلاف، كانت السياسة التي اختارها في اساسها سياسة متابعة. فضل ان يحصر عنايته في ادارة العلاقات بالفلسطينيين بواسطة خطوات من طرف واحد، وأبدى برودا نحو السوريين الذين ظلوا يقترحون تجديد المفاوضة.

        نبع تغير سياسة حكومة اسرائيل من التطورات في الساحة اللبنانية – السورية ومن التطورات في قطاع غزة. تبين من جهة في الساحتين ان توجه اسرائيل الأحادي وفي ضمنه الانسحابات من طرف واحد التي رأتها تفضلا على الطرف الاخر، لا يحدث وضعا مستقرا. أفضى ذلك الى تعزز تصور ان اسرائيل لا تستطيع الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها من غير ان تنقلها الى جهة تلتزم منع العنف ولديها قدرة على السيطرة على هذه المناطق، وان تؤمل ألا تستعمل قاعدة لهجمات على اسرائيل. تبين من جهة اخرى ان اهمال الساحة اللبنانية – السورية وقتا طويلا لانه يبدو ان اسرائيل تتمتع بردع صادق يتم في عقبه الحفاظ على الهدوء في هضبة الجولان ولان تحرش حزب الله على حدود لبنان مضبوط محتمل، هو أمر خطر. فالطرف الاخر يتسلح ويبني قدرات أفضل للمس بسكان اسرائيل المدنيين، وفي آخر الامر ستتحقق هذه القدرات اذا لم يقتلع جذر المواجهة بين الطرفين.

        ان حرب لبنان الثانية وعدم الرضى العام عن طريقة ادارتها ونتائجها قوى الخوف من تصعيد في هذه الساحة. وجد تقدير ان عمليات الجيش الاسرائيلي غير المرضية أضعفت ردع اسرائيل لسورية ايضا، ولهذا ازداد احتمال ان يحاول السوريون المبادرة الى عمل عسكري في هضبة الجولان. عزز رئيس سورية بشار الاسد هذا التقدير بطائفة من التصريحات اقترح فيها على اسرائيل ان تختار بين بديلين: اما تجديد التفاوض واتفاق سلام مع سوريا، واما جهد من قبل سورية "لتحرير" هضبة الجولان بالقوة. كل ذلك اقتضى فحصا جديدا للطريقة الصحيحة لجعل حدود اسرائيل الشمالية مستقرة.

        كان هنالك اسهام آخر للحرب في لبنان هو تحديد الوعي في اسرائيل لتهديد ايران وتوكيد مكانة سورية ولبنان داخل هذا التهديد. بدت حرب لبنان من وجهة النظر الاسرائيلية لا كجولة اخرى من المواجهات العنيفة بين اسرائيل وجهات في لبنان بل كجولة اولى في الحرب بين ايران واسرائيل، وهي حرب ادارها حزب الله مندوب ايران. اقتضت هذه الرؤية ان تفحص اسرائيل هل يمكن علاج التهديد الايراني بخطوات في الساحة القريبة من اسرائيل. ان برنامج ايران الذري يقوي هذا التفكير لانه يحدث ضغط وقت. في هذه الرؤية، اذا كان يوجد سبيل لفك "القنبلة الايرانية الموقوتة" او مضاءلة فائدتها على الاقل بعملية في الدائرة القريبة من اسرائيل، فانه يفضل فعل ذلك قبل ان تحصل ايران على القدرة الذرية وتزيد قدرتها على لعب دور مهيمن في الشرق الاوسط.

        في هذه الاثناء قلل الخوف من ان يضعف ردع اسرائيل لجبهتها الشمالية لانه تبين ان سورية لا تنوي المبادرة الى مواجهة عسكرية مع اسرائيل، لكن ما زال يوجد الخوف من اشتعال الساحة اللبنانية بسيناريوهات مختلفة. قل الخوف من ضعف الردع لان سلوك حزب الله وسورية منذ الحرب بين انه برغم المشكلات التي كانت للجيش الاسرائيلي في ادارة الحرب ونقط الضعف التي تبينت فيها، قوت الحرب في الحصيلة العامة ردع اسرائيل في هذه الساحة. تم التعبير عن ذلك اولا في الساحة اللبنانية، بتصريحات زعيم حزب الله ايضا التي تبين انه لو كان عالما بالاضرار التي ستحدث للبنان بعقب رد الجيش الاسرائيلي لما بادر الى اختطاف الجنود، وبالهدوء الذي تم الحفاظ عليه على الحدود اللبنانية منذ اكثر من سنتين. كذلك تبين ان الحرب بينت للسوريين ضعفهم العسكري والاثمان التي قد يدفعونها في حربهم لاسرائيل، وهم يحصرون عنايتهم منذ ذلك الحين في الاساس في بناء قدرات لجباية ثمن من اسرائيل وقدرات دفاعية لصد اسرائيل عن ان تبادر لاعمال عسكرية على سورية. تم التعبير عن ميزان الردع هذا بعدم وجود رد عسكري من سورية على مهاجمة المفاعل الذري الذي كان في مراحل اقامة متقدمة في شمال سورية وبمحاولة السوريين مضاءلة معنى هذا الهجوم كي لا يلزموا انفسهم الرد. لم يرد السوريون ايضا على اعمال سرية في ارضهم، اشتبه في أن اسرائيل مشاركة فيها، مثل اغتيال مسؤول حزب الله الكبير عماد مغنية في دمشق. ان عدم رد عنيف من حزب الله وسورية على عملية "الرصاص  المصبوب" في قطاع غزة فيه دليل ايضا على صدق ردع اسرائيل لهذين اللاعبين. ما يزال يوجد خوف من اشتعال الساحة اللبنانية في سيناريوهات مختلفة بسبب تقدير ان حزب الله قد يرد على اغتيال مغنية وبسبب التطورات في الساحة الايرانية، ولا سيما مهاجمة الولايات المتحدة او اسرائيل للمنشآت الذرية الايرانية، التي قد تفضي الى رد حزب الله على اسرائيل.

        هذه التطورات استحثت تجديد التفاوض بين سورية واسرائيل. فمن جهة اسرائيل زادت أهمية احراز اتفاق مع سورية، لانه يفترض ان يخدم الحاجة الى اضعاف محور ايران – سورية – حزب الله – حماس باخراج سورية من المحور. استطاعت سورية ان تعرض نحو الخارج والداخل دعوى فحواها ان اسرائيل استجابت اخر الامر الى مطالب سورية تجديد التفاوض لانها تخافها في اثر الحرب في لبنان، اما من جهة اسرائيل فأنه اسهل عليها ان تدخل مفاوضة سورية وهي تشعر انها اعادت بناء ردعها، وانها لا تدخل التفاوض من موقف ضعف. زعمت كذلك ان استقرار رأي رئيس الحكومة اولمرت على تجديد التفاوض مع سورية نبع من اعتبارات سياسية داخلية ايضا، ولا سيما ارادته اعادة بناء الصورة عنه، التي تضررت تضررا شديدا في حرب لبنان الثانية. يصعب معرفة الحقيقة في هذا الزعم لان تغير موقف اولمرت حدث عندما اصبح يبدو انه ينتعش من الازمة السياسية وان تأييده قد بدأ يعلو عن نقطة الحضيض التي بلغها.

        بدأ التفاوض بين اسرائيل وسورية في آيار 2008 وتم بوساطة تركيا، التي بدأت تنقل رسائل من طرف الى اخر، ونظمت بعد ذلك محادثات تقارب بين الطرفين اللذين ارسلا وفدين الى أنقرة. تم التفاوض ايضا في هذه المحادثات بنقل الاتراك رسائل، لكن قرب الوفدين مكن من مفاوضة أنجع. وقف التفاوض زمن الحرب في غزة، ولم يجدد بعد ذلك للمعركة الانتخابية التي تمت في اسرائيل وتبدل الحكم على أثرها.

        بعقب تجدد التفاوض مع سورية نشأ جدل عام في اسرائيل بين اولئك الذين يؤيدونه واولئك الذين يعارضونه لانه كان واضحا انه اذا انتهت المحادثات الى اتفاق، فانه سيفضي الى تخلي اسرائيل عن هضبة الجولان. الحجة الرئيسة للمعارضين هي ان هضبة الجولان ذخر استراتيجي مهم وأن اجلاء المستوطنين عن هضبة الجولان ثمن عال كارث للجمهور في اسرائيل. ان المكاسب التي ستكون لاسرائيل بعقب الاتفاق لا تعادل الاثمان لان سورية لن تريد ولن تستطيع قطع علاقاتها الاستراتيجية بايران وبحزب الله. فضلا عن ذلك، هضبة الجولان هادئة اصلا لان ردع اسرائيل لسورية ناجع. مع ذلك يوجد في دوائر الادارة في اسرائيل تأييد صلب لتجديد التفاوض مع سورية. يبرز في ضمن ذلك بروزا خاصا التأييد الدائم المعلن الواضح لجهاز الامن للتقدم في القناة السورية. يقوم هذا التأييد على التصور الاستراتيجي الذي يرى التفاوض مع سورية والاتفاق معها سبيلا ناجعا لاضعاف تهديد ايران ولجعل الوضع مستقرا ازاء لبنان.

        كان المحيط الدولي أقل تشجيعا لجهود اسرائيل في القناة السورية. فقد ايدت الولايات المتحدة، وبقدر ما ايضا جهات في اوروبا الغربية مثل فرنسا، موقف ان اسرائيل بتجديد التفاوض تعطي سورية هدية بالمجان وتضعف الضغوط عليها التي ترمي الى تغيير سلوكها في عدد من القضايا. اولاها تدخلها في شؤون لبنان الداخلية، ولا سيما الارتياب بأنها مشاركة في مقتل الحريري وفي سلسلة طويلة من الاغتيالات السياسية الاخرى في لبنان. والثانية كون سورية قاعدة تأييد لجهات سنية تحارب الولايات المتحدة في العراق وتستغلها بمنزلة جبهة مدد ومال متأخرة ومسار انتقال لمتطوعين جهاديين الى العراق.

        وجد في المنطقة ايضا تأييد قليل لتجديد التفاوض مع سورية. فالجهات البراغماتية في العالم العربي تشارك في الغضب على سلوك سورية في لبنان وعلى كونها جزءا من محور ايران – سورية – حزب الله، ولا تريد تخفيف الضغط عليها. يوجد في لبنان قلق خاص من أن التفاوض بين سورية واسرائيل قد ينتهي الى ان يتوصل الطرفان الى تسوية على حساب لبنان. وفي العالم العربي  ايضا يجعلون أهمية أكبر للتقدم في المسار الاسرائيلي – الفلسطيني، ويتخوفون من أن منح القناة السورية أفضلية سيمس احتمالات التقدم مع الفلسطينيين.

        كان توجه الولايات المتحدة المتحفظ عامل تعويق لتطور التفاوض بين اسرائيل وسورية لانه يتميز بأن الطرفين لا يريان الهدف الرئيس هو العلاقات بشريك التفاوض بل العلاقات بجهة ثالثة. كما قلنا ترى اسرائيل ان الهدف الرئيس هو اضعاف المحور الذي قطباه ايران وحزب الله. وترى سورية اعادة هضبة الجولان هدفا مهما لكنه اقل تعجلا. فالهدف الرئيس هو تحسين العلاقات بالغرب ولا سيما الولايات المتحدة، بعقب ادراك ان سورية تدفع أثمان باهظة لحلفها مع ايران. ان نظام العلاقات هذا قد يهدد النظام السوري في أمد أبعد، في حين أنه لا يمنح مشكلة سورية الرئيسة حلا، وهي مستقبلها الاقتصادي ازاء تضاؤل احتياطيها من النفط. لهذا السبب سورية غير مستعدة لمفاوضة مباشرة مع اسرائيل، الا اذا كانت الولايات المتحدة حاضرة في الغرفة. كذلك ترى اسرائيل أهمية كبيرة لمشاركة الولايات المتحدة لانها هي فقط تستطيع ان تعوض اسرائيل بالثمن الاستراتيجي الذي سيجب على اسرائيل دفعه اثر الانسحاب من هضبة الجولان. ان رفض الولايات المتحدة الى الان ان تشارك في التفاوض لم يمكن من بدء محادثة مباشرة كثيفة وتقدم اسرع.

        في الساحة السياسية الداخلية توجد الولايات المتحدة واسرائيل في مسار انتقال. في منتصف 2009 لا تزال ادارة الرئيس اوباما الجديدة في أوج توليها المنصب. وهو في الولايات المتحدة طويل على نحو خاص بسبب الطريقة السياسية التي تبدل فيها الادارة الجديدة كل شاغلي المناصب الكبار. تمت في اسرائيل في شباط 2009 انتخابات مبكرة. قد تؤثر نتائج هذه الانتخابات بقدر كبير في التوجه الى القناة الاسرائيلية – السورية. معنى ذلك انه ستكون حاجة الى الانتظار لتبين مواقف الولايات المتحدة واسرائيل من المسار السوري. في الجانب الاسرائيلي السؤال هو هل ستكون الحكومة الجديدة مستعدة للتفاوض الذي اذا نجح فسيقتضي كما يبدو التخلي عن هضبة الجولان؛ والسؤال الرئيس في الجانب الامريكي هو اي افضلية ستمنح الولايات المتحدة قناة التفاوض هذه، حتى وان كان واضحا ان توجهها الاساسي من قناة التفاوض هذه سيكون اكثر ايجابا من الادارة السابقة.

        اصبح واضحا في هذه المرحلة جدا ان توجه ادارة اوباما من سورية سيكون مختلفا عن توجه الادارة المنصرفة. من المحتمل افتراض ان تتبنى ادارة اوباما تصور التحالف مع سورية، والذي سيكون مشابها لتوصيات تقرير بيكر – هاملتون في كانون الاول 2006. التفاوض بين اسرائيل وسورية بمشاركة الولايات المتحدة يلائم هذا التوجه، ولهذا يحتمل ان يتغير دور الولايات المتحدة في سنة 2009، وبدل ان تكون جهة تتحفظ من التفاوض مع سورية وتقيم عوائق امام تقديم التفاوض، ان تكون جهة تشجع التفاوض وتكون معنية بتقديمه. سيكون مبلغ فاعلية ادارة اوباما متعلقا بقدر كبير بجدول افضلياتها. السؤال الاول هو اين يوجد علاج النزاع العربي – الاسرائيلي داخل سلم الافضليات العام بالقياس الى موضوعات ذات اهمية رئيسة كالازمة الاقتصادية، والعراق وافغانستان وايران والعلاقات بروسيا. والسؤال الثاني هو اي المسارين سيعطى الافضلية المسار الفلسطيني ام المسار السوري.

        يمكن ان نقدر ان عاملين يستطيعان الدفع الى منح النزاع الاسرائيلي – العربي افضلية عالية نسبيا. يبدو ان الاول هو التصور المقبول عند أناس اوباما وهو ان كل شيء معلق بالشرق الاوسط. هذا التصور الذي عبر عنه ايضا تقرير بيكر – هاملتون، يعني ان مكانة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط وقدرتها على تحقيق مصالحها الحيوية ايضا في المناطق البعيدة من اسرائيل كالعراق والخليج متعلقان بقدر كبير بقدرتها على تفتير النزاع الاسرائيلي – العربي. وعلى ذلك فعلاج مشكلات العراق وايران، وربما ايضا مواجهة الارهاب الاسلامي العالمي، يحتاج الى علاج النزاع الاسرائيلي – العربي ايضا. والثاني هو انضمام اناس كانوا مشاركين جدا في المسيرة السلمية في التسعينيات (في ادارة كلينتون) وفي فترة بعد ذلك الى مناصب رفيعة في الادارة الجديدة. يبرز منهم على سبيل المثال الجنرال جونز، الذي عين مستشارا للامن القومي، وطور في ولايته الاخيرة تصور مواجهة شاملة لمشكلات الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، يندمج فيه مسارات التفاوض التي تشارك فيها اسرائيل. اصعب من ذلك اجابة سؤال اي مسار سيعطى الافضلية. قد تعطي الادارة الجديدة الافضلية للمسار السوري لان احتمالات النجاح فيه كبيرة، في حين يبدو المسار الفلسطيني في طريق مسدود. في مقابلة ذلك يبدو أن كثيرا من اناس الادارة، وربما اوباما نفسه ايضا، يميلون الى تفضيل المسار الفلسطيني لانهم يحسبون ان حله اهم وسيكون له تأثير اوسع في العالم الاسلامي عامة وفي الشرق الاوسط خاصة. بين اوباما ايضا في هذه الاثناء في تصريحاته الاولى في منصبه الاهمية التي يوليها علاج قضية اسرائيل والفلسطينيين والنزاع الاسرائيلي – العربي بعامة، وكشهادة على موقفه هذا عين السناتور السابق ميتشيل مبعوثا خاصا لعلاج تسوية النزاع الاسرائيلي – العربي. تدل التجربة التي اجتمعت الى الان في المسيرة السلمية انه برغم اهمية الولايات المتحدة الكبيرة كجهة تؤيد التفاوض او تساعد في تلخيص ايجابي له، فان الشرط الاول لتطور التفاوض وتقدمه هو ارادة الطرفين وقرارهما الاستراتيجي، الذي يوجد لموقف الولايات المتحدة بطبيعة الامر تأثير ما فيه. يتبين من ذلك ان العامل الذي سيحسم على قدر كبير تطور التفاوض هو السياسة التي ستصوغها حكومة الائتلاف التي اقامها بنيامين نتنياهو في اسرائيل على أثر فوز كتلة اليمين في الانتخابات. ستضطر الحكومة الى أن تقرر هل تريد الاستمرار على التفاوض مع سورية والتفاوض مع الفلسطينيين في التسوية الدائمة واي افضلية تعطي كل مسار بسبب الصعوبة الكبيرة في اجراء تفاوض كثيف في هذين المسارين في الوقت نفسه، وتحقيق الاتفاق بيقين في المسارين على التوازي. لا تشترط سورية تقدم التفاوض معها بتقدم التفاوض في المسار الفلسطيني، ولهذا يمكن من هذه الجهة اعطاء التفاوض مع سورية افضلية وابطاء او تجميد التفاوض مع الفلسطينيين في التسوية الدائمة.

        بسبب تكوين الحكومة سيضطر نتنياهو الى العمل في اطار لا يمكنه من حرية مناورة كبيرة في الشأن السوري، وسيصعب عليه أن يستمر على التفاوض في هذا المسار. لكن ربما يريد نتنياهو لضرورة منع احتكاك مع الادارة الامريكية الجديدة ان يفضل مسار التفاوض السوري لانه سيمكنه من دفع ضغوط ومنح مسار التفاوض الاسرائيلي – الفلسطيني مضمونا حقيقيا، وهو الذي سيصعب عليه أو لن يريد التقدم فيه، لكن يشك كثيرا في أن يستطيع اجراء تفاوض ناجع مع سورية بسبب المعارضة المتوقعة لذلك من حزبه ومن شركائه في الائتلاف. اذا قرر مع ذلك ان يفعل ذلك وانتهى التفاوض الى نجاح سيكون اسهل عليه ان يجيز الاتفاق الذي سيحصل عليه في الكنيست وفي استفتاء شعبي ايضا لان المعارضة ستؤيد الاتفاق ومن شبه المحقق ان الليكود سينشق بين اولئك الذين سيؤيدون الاتفاق واولئك الذين سيعارضونه.

        هذه مفارقة لانه يمكن ان يكون أسهل على نتنياهو آخر الامر اجراء مسار سياسي في القناة الفلسطينية منه في القناة السورية. ينبع هذا الاستنتاج من انه لا توجد اوضاع مرحلية في القناة السورية. يستطيع التفاوض مع سورية ان يوجد فقط اذا وجد استعداد اساسي من اسرائيل للانسحاب من هضبة الجولان. ويمكن في القناة الفلسطينية التذكير في اوضاع يستمر عليها الفلسطينيون بلا مناصب في مسيرة سياسية ما مع اسرائيل حتى مع عدم تفاوض حقيقي في التسوية الدائمة. يبدو أنه سمعت على هذه الخلفية بعد الانتخابات تصريحات من مقربي نتنياهو عن الحاجة الى اتخاذ سياسة تسعى الى اتفاق جزئي مع سورية تنسحب فيه اسرائيل من جزء من هضبة الجولان في مقابلة اتفاق عدم حرب مع سورية. هذه محاولة لاحداث وضع مرحلي من شبه المحقق أن يفشل بسبب موقف سورية المتشدد، وهي غير مستعدة لبحث تسوية غير تامة.

        سؤال مثير هو هل يكون للازمة الاقتصادية العالمية تأثير في تطور التفاوض في القناة السورية. اذا استمرت الازمة فسيكون لها عدة تأثيرات. اولها ان اسرائيل سيصعب عليها اكثر تحمل كلفة تنفيذ الاتفاق الممكن مع سورية، والذي يقرب من المحقق انه يقتضي اخلاء هضبة الجولان كلها. تشتمل الكلفة على عدة عناصر – اجلاء المستوطنين، ونقل المنشآت العسكرية وبناء قدرات ولا سيما في المجال الاستخباري تعوض من فقدان هضبة الجولان. وسيصعب على الولايات المتحدة ايضا ان تساعد اسرائيل بالقدر المطلوب في هذه المجالات. في مقابلة ذلك، قد يخيب امل سورية من استعداد الولايات المتحدة والغرب كله المحدود لمنحها مساعدة اقتصادية على أثر اتفاق مع اسرائيل.

        تعلم ايران ان الثمن المطلوب من سورية عوض اتفاق يعيد هضبة الجولان للسيادة السورية هو قطع العلاقات الاستراتيجية بايران، ولهذا يحتمل ان تفعل افعالا تثني سورية عن الاستمرار على التفاوض مع سورية، وعن نهاية ايجابية له بيقين، لكنها ستجتهد في الا تمس هذه الخطوات علاقاتها بسورية في المستقبل. فهذه العلاقات مهمة لايران بسبب عزلتها. يعني ذلك انه فضلا عن محاولات ايران اقناع سورية في اطار الحوار المتصل الذي تجريه معها بعدم التوجه هذا الاتجاه، يبدو أنها لا تأخذ بعقوبات موقعة على سورية. تستطيع ايران ان تتخذ خطوات غير مباشرة كتسخين الساحة اللبنانية او الفلسطينية لاحداث ظروف تصعب على التفاوض الاسرائيلي – السوري.

        اذا استمر التفاوض بين سورية واسرائيل، فسيؤثر ايضا في النظام الاسرائيلي – اللبناني. فكما قلنا قد تستغل ايران من جهة هذه الساحة لاحباط التفاوض، ومن شبه المحقق من جهة اخرى ان سورية نفسها ستعمل لكبح الجماح في لبنان، وربما عندما يبلغ التفاوض مرحلة المفاوضة المباشرة، تضطر لبنان ايضا الى التفاوض. يعبر التطور في هذا الاتجاه عن تغير توجه سورية، التي اشترطت في مراحل تفاوض سابقة التفاوض مع لبنان بنجاح التفاوض معها. ستطمح سورية الى استغلال التفاوض مع اسرائيل وتجدد الحوار مع الولايات المتحدة لتعزيز قبضتها في لبنان. قد يكون هذا الطموح عائقا للتفاوض لان الولايات المتحدة والاوروبيين لن يكونوا مستعدين "لبيع" لبنان، حتى لو اتضحت لنا المكاسب الاستراتيجية من ابعاد سورية عن ايران.

        التفاوض مع سورية وانضمام لبنان الى هذا التفاوض، ولا سيما اذا وجد تقدم حقيقي نحو اتفاق، سيضغطان على حزب الله ليزن اثار كل ذلك في مصالحه ومجال مناورته. قد يطمح حزب الله الى التشويش على التفاوض لانه قد يقدر انه يمس بمصالحه وبوكيلته ايران. مع ذلك، تعلق حزب الله بمحاور التزويد من سورية يلزمه الحذر. يبدو في الحصيلة العامة ان التفاوض سيكون ضرورة اخرى تجعل من الصعب على حزب الله تجديد الاحتكاك العسكري مع اسرائيل. يحتمل ان تحصر المنظمة عنايتها في محاولة التأثير في سورية كي لا تمس بمصالحها والبحث عن سبل تستطيع فيها الاستمرار على الحفاظ على قوتها السياسية في واقع اتفاق ايضا.

        على أي حال، سيوجد في سنة 2009 نافذة فرص لتجديد التفاوض المباشر مع سورية والتوصل الى اتفاق. سيكون استغلال هذه الفرصة متعلقا بقدر كبير بالتطورات الداخلية في اسرائيل. اذا استغلت فسيكون لذلك تأثير كبير في مواجهة اسرائيل لايران ولبنان. واذا لم تستغل فقد يفضي ذلك الى زيادة التوتر في الجبهة الشمالية مع اسرائيل. فوق ذلك سيكون لقرارات اسرائيل في هذا المجال تأثيرات ايضا في المسار الاسرائيلي – الفلسطيني. فاذا اعطت اسرائيل المسار السوري افضلية عالية فربما لن يكون ممكنا التقدم في الان نفسه تقدما حقيقيا في التفاوض في الاتفاق الدائم مع الفلسطينيين، وان يكن من الممكن التوصل الى تفاهمات واتفاقات محدودة في مجالات مختلفة مع الفلسطينيين. ستكون هذه الحقيقة تقديرا آخر في قرار اسرائيل على سبيل العمل ازاء سورية.* * *

انشر عبر