شريط الأخبار

في بلاط الملك..معاريف

07:03 - 30 حزيران / أكتوبر 2009

بقلم: بن كاسبيت

قاعة المؤتمرات التابعة لوزارة الخارجية المغربية في وسط الرباط كانت مزدحمة بالناس. حرس الشرف في زيه الابيض التقليدي استقبل في الخارج قافلة سيارات المرسيدس السوداء المندفعة للداخل. رجال الشرطة بغطاء الرأس الابيض ادوا التحية للجميع. عشرات كاميرات التلفزة تنقلت بين المدعوين. كان هناك دبلوماسيون غربيون ووزراء خارجة عرب وشيوخا وأئمة وأساقفة ومبعوثين خاصين وغيرهم من ذوي المناصب والوظائف والباحثين عن التشريفات بشتى اشكالها. بدلات غربية ثمينة ورخيصة اختلطت بالعباءات المزركشة والطرابيش وقبعات الاساقفة وربطات العنق بشتى الالوان والجلبيات البيضاء الممتدة. كان في القاعة وزراء خارجية المغرب ومصر والاردن وتركيا والسنغال وعددا من الدول الاخرى. كان هناك عمرو موسى امين عام الجامعة العربية الذي لا سبيل عنه وكذلك المبعوث الروسي الخاص للشرق الاوسط الكسندر سلطانوف ومبعوث الامم المتحدة، والاتحاد الاوروبي، والمبعوث الياباني الخاص، والمبعوث النرويجي الخاص وعددا غير قليل من رسل الاخرين. ثلاثة مثلوا اسرائيل هناك: عضو الكنيست دانيال بن سيمون من حزب العمل، البروفيسور مناحيم كلاين من جامعة بار ايلان وعضو الكنيست احمد الطيبي الذي تلقى تشريفا ملكيا كعادته واجرى جولة لقاءات شخصية مع وزراء الخارجية. لم يدع للقاء رجال دين يهود . الاماكن المقدسة لليهودية لم تذكر. من الناحية الاخرى هذا لا يضير شيئا بالمرة. احد الممثلين المسيحيين البارزين الذين كانوا هناك همس من البداية بأنهم "قد دعونا وكرمونا كثيرا ولكنهم لا يكترثون لنا في الحقيقة". جدول الاعمال انهار من البداية عندما بدأ كل شيء بتأخير ساعة ونصف. هكذا هو الحال في المغرب قال احدهم، هناك جدول زمني وهناك واقع. والناس ينسابون مع هذا الواقع. على هذا النحو افتتح في يوم الاربعاء من هذا الاسبوع المؤتمر الاول لـ "المنتدى الدولي لشؤون القدس" برعاية فخامة الملك حسن السادس حاكم المغرب في رباط العاصمة.

الرباط نظيفة، شوارع عريضة اسواق عتيقة وشمس حامية. صورة الملك محمد السادس تظهر في كل مكان وهي ليست وحدها حيث تلتصق بها دائما تقريبا صورة الاب الملك الحسن الذي توفي قبل عشر سنوات تقريبا. كلاهما يجلسان هناك في نفس الوضعية بالضبط مع تشابك الايدي ونفس الملابس. نفس النظرة ونفس الملامح ونفس السلالة. واحد بجانب الاخر. خط قاعدة الصورتين في نفس الارتفاع صورة الملك الشاب الحالي اعلى ببضعة سنتيمرات من صورة والده. العائلة الملكية المغربية هي من الاقدم في العالم. اكثر من الف عام. جذورها تصل الى النبي نفسه. هذا هو سبب احتفاظ ملك المغرب كائنا من كان باللقب الرسمي الابدي "رئيس لجنة القدس" للدول الاسلامية او بكلمات اخرى حارس القدس.

"صندوق ياسر عرفات" برئاسة الدكتور ناصر القدوة ابن شقيق الرئيس المتوفي والمنسي هو الذي بادر لعقد هذا المؤتمر. القدوة اشتهر في السابق باعتباره السفير الفلسطيني في الامم المتحدة. شخص فصيح اللسان بصورة خاصة ذكي وجاهز للمجادلة. على شاكلة احمد الطيبي الفلسطيني. مؤتمره في هذا الاسبوع نجح. الحضور كان مثيرا للاهتمام والنجاح لا بأس به على الاقل على المستوى الدبلوماسي. ما الذي يقاس بالمقياس الدبلوماسي؟ لا شيء على وجه الخصوص. ان جاؤوا كلهم وتحدثوا وساووا الصفوف مع الخط المعروف فان كل شيء على ما يرام. السلام لن يخرج من   ذلك ولكن بالتأكيد سيكون هناك مؤتمر لاحق في السنة القادمة. وما هو الخط المعروف؟ بسيط جدا: اسرائيل ضمت شرقي المدينة خلافا للقانون الدولي وهي تحاول وضع اليد وفرض الحقائق الجديدة على الارض، اسرائيل تحدق المدينة وسكانها والأمن في المنطقة والوضع عموما بالخطر. اسرائيل تحيك المخططات تحت اسس المسجد الاقصى وتعرقل السلام محاولة تغيير طابع المدينة وتهويدها وضمها واحتلالها.

ابو مازن نجم اعلى

بعد الخطابات الافتتاحية توجه ابو مازن لجناح جانبي. دخان كثيف من السجائر تعالى هناك بلا توقف. الرئيس الفلسطيني استقبل الجمهور هناك. الجميع حجوا اليه واقفين في الطابور من وزراء الخارجية فجنوبا. هو جلس مع صائب عريقات، نبيل ابو ردنية والسفير الفلسطيني في المغرب الدكتور احمد صبح، وبين الحين والاخر اشار باصبعيه "سيجارة" واشعل واحدة جديدة. في المغرب توجد لابو مازن مكانة رئيس الدولة وهو منصب اعلى من مناصب كل اولئك الذين شرفوا وحضروا المؤتمر. الحقيقة هي ان له في العالم كله مكانة كهذه باستثناء المكان الحاسم: الدولة التي يفترض به ان يرأسها. هناك فقط في الضفة هو خاضع لاحسان اسرائيل وحسن نواياها. ان ارادت اثارت حفيظته وان ارادت اهانته. الاسبوعان الاخيران كانا شديدين بصورة خاصة. كان بامكان ابو مازن قبل فترة قصيرة ان ينظر للوراء برضى وان يرى للمرة للاولى منذ ان دخل لمنصبه ضوءا في اخر النفق. مكانته الدولية صعدت للاعلى وكذلك مكانته في اوساط شعبه. حماس في تراجع. الامريكيون اعطوه رياحا دافعة واجهزة امنه تعبر عن الشدة والقوة، والارهاب اوشك على الانتهاء تماما وللمرة الاولى. مصدر أمني بارز قال حينئذ، "هو بدأ يشعر بالزعامة فعلا".

ولكن جاء صوت مدو... بوم. بين ليلة وضحاها. كل شيء انهار الضوء في اخر النفق ظهر كقطار يسافر في الجهة المقابلة، ليبرمان وبيبي يقودان هذا القطار. هذا بدأ مع النزول الامريكي عن شجرة تجميد الاستيطان. اوباما يمتلك طريقة للنزول من خلالها عن شجرة كهذه اما ابو مازن فلا وسيلة لديه. ان نزل عن الشجرة علقوه عليها. بعد ذلك جاءت قضية غولدستون. جهات اسرائيلية هددت ابو مازن علانية وسربت بأنها ستنشر عنه مواد مدينة وقالوا ان هناك تسجيلات لما طلبه من اسرائيل خلال عملية "الرصاص المصبوب"، وقالوا ان ابناؤه على صلة بـ "الوطنية" شركة الهواتف الخلوية الفلسطينية التي ترغب بالحصول على ترخيص للعمل بالمناطق. وبعد ان تم تأجيل التصويت على تقرير غولدستون في لجنة حقوق الانسان في جنيف فعلا خرجت اسرائيل برقصات الانتصار واشارت الى ابو مازن باعتباره الشخص الذي طلب التأجيل.

من الصعب النهوض من ضربة كهذه. ابو مازن استشاط غضبا. القطريون قادوا هجمة عربية – اسلامية فتاكة هددت شرعيته. "هم يريدون قتلي" قال ابو مازن حينئذ في محادثاته المغلقة في رام الله. بعض اتباعه قالوا انها مكيدة مدبرة. يقولون ان نتنياهو لا يرغب البتة بوجود شريك هنا ولا مصلحة له بالمفاوضات. من الافضل له ان تسيطر حماس على كل شيء وحينئذ لن يكون هناك من يمكن التفاوض معه او ما يمكن التفاوض حوله، وسيكون بامكانه ان يتفرغ لايران. هذا سبب تجفيف بيبي لابو مازن وقضائه عليه بليونة وبساطة. ولكن ابو مازن لم يجف بسهولة. هو قرر رد الحرب بالحرب. تقرير غولدستون عاد للتصويت واجتاز الخطوة. "الى الامام" قال احد اتباعه في هذا الاسبوع، "الان انتم مدعوون لنشر كل ما هددتم بنشره. ان كانت لديكم معلومات فلتتفضلوا". ابو مازن ما زال حي يرزق حتى هذه اللحظة. اصدر مرسوما رسميا لاجراء الانتخابات في الرابع والعشرين من كانون الثاني. هدد بعدم خوض المنافسة. في الاطر الداخلية ما زال يعد بعدم المنافسة. ليس لديه شيء يخوض المنافسة من اجله او حوله. حتى ان فاز فما الذي سيفعله؟

خلال الاتصالات مع ممثل اسرائيل يكون اكثر حذرا. "ليس فقط ان بيبي لم يدفع بالعملية السياسية للامام"، قال لي في يوم الاربعاء من هذا الاسبوع، "ليس فقط انه لم يقم بأي خطوة حقيقية نحو السلام، وانما ها هو يواصل بناء المستوطنات ويلحق ضررا فادحا بالعملية بكل بساطة". "بيبي"، اضاف احد الاشخاص في الغرفة، "دعا ابو مازن قبل اسبوع لقيادة شعبه نحو السلام. ليس هناك امر اسخف من ذلك. ابو مازن يحاول قيادة شعبه للسلام منذ سنوات طويلة اما بيبي فالى اين يقود شعبه، وباقي شعوب المنطقة؟ بالتأكيد ليس نحو السلام".

الان يواجه ابو مازن مفترقا حاسما هاما. هل ستجري الانتخابات في كانون الثاني فعلا؟ حماس قد صرحت بانها لن تشارك هل سيخوص ابو مازن المنافسة؟ ليس واضحا. التقدير هو انه لا يستطيع التفريط بالساحة في اللحظة الاخيرة. حماس كما يقول اتباعه استغلت قضية غولدستون بصورة هزلية لاحتياجات الداخلية. والان رفضت التوقيع على وثيقة المصالحة الفلسطينية التي عكفت مصر على اعدادها. نحن في فتح وقعنا. الشعب الفلسطيني يعرف بالضبط من الذي يعرقل هذه المصالحة. والشعب هو الذي سيصدر حكمه.

ما الذي يتوجب فعله مع هذا الجبل

بعد ذلك دخل الى ابو مازن عضو الكنيست بن سيمون والبروفيسور كلاين. بن سيمون فاجأ. "اعط بيبي فرصة" ناشد ابو مازن، "توجه لصفقة مع بيبي، هو وحده الذي يستطيع الان توفير البضاعة. هو يحظى بالشعبية في اسرائيل والجمهور سيسير من ورائه". ابو مازن رد بالتشكيك. اخرون بالغرفة كانوا ذوي وجوه متجهمة. اية صفقة هذه وما الذي يمكن التحدث حوله مع بيبي عموما، فهو كمن نعلم ليس مستعدا لتنفيذ اي واحد من التزامات اسرائيل الواردة في خريطة الطريق هذا بينما نفذنا نحن كل وعودنا. ولتسألوا الامريكيين حول ذلك. بن سيمون لم ييأس. "اعطه اسبوعين" طلب من ابو مازن. "ليأخذ ثلاثة" رد عريقات، "وسنرى ما سيفعله".

ما الذي سيفعله؟ سؤال جيد. هناك في محيط ابو مازن من يناشدونه القيام بخطوة قيادية دراماتيكية ان يلقي خطاب حياته امام الشعب الفلسطيني. وكيف سيبدو مثل هذا الخطاب؟ على هذا النحو تقريبا: "طوال 19 عاما ونحن نسعى للسلام والتعايش وحل الدولتين. وافقنا على الاكتفاء بـ 22 في المائة من المساحة الواقعة بين النهر والبحر ولكنهم ليسوا مستعدين لاعطائنا هذا ايضا. اسرائيل لا ترغب بالسلام بكل بساطة. نتنياهو غير قادر على القيام بشيء كهذا. هم ليسوا مستعدين للتنازل عن هذه الارض هم يعتبرونها وسيعتبرونها وطنهم الطبيعي للابد وليس هناك اية فرصة لحل الدولتين. في ظل هذا الوضع نحن نرفع ايادينا. انا انسحب من هذه التجربة. ليس لدينا شريك". وحينئذ ماذا؟ هنا ايضا توجد عدة افكار. "لماذا لا ندعو لدولة واحدة بين البحر والنهر؟ وحق التصويت لكل مواطن فيها؟ انتم تريدون ذلك فلتأخذوه، وسنرى من الذي سينتصر في اخر المطاف. ذلك لان الخيارات هي اما الدولتين او الدولة الواحدة وليس هناك اي شيء في المنتصف. ليس هناك اختراع اخر ولن يكون بامكانكم تكريس الاحتلال للابد وهذه مسألة لا يمكن ان تستمر، والعالم لن يسمح لكم بذلك. اذن فلتختاروا. امامكم دولة واحدة كبيرة وسيكون بامكانكم ان تسموا نابلس شخيم والخليل حبرون ولن تكون هناك اية مشكلة في ذلك".

نحن لسنا هناك حتى الان. ولكن ربما كنا نسير نحو هذه النقطة. في الوقت الحالي هذه الافكار ما زالت تصفر في الجارور. السؤال هو ما الذي سيحدث في الشهر القادم وفي الشهر الذي سيليه. اية جدوى ستكون لمواصلة الاتصالات التي لم تبدأ بعد. اي امل سيكون لابو مازن او اي قائد اخر في مكانه ليطرحه على اتباعه؟

بعد الظهر جاء دور البروفيسور مناحيم كلاين للتحدث. محاضرته دارت حول "اهداف اسرائيل في القدس منذ عام 2000" (انهيار كامب ديفيد) كلاين احد المتحدثين الاكثر بروزا في اليسار  الاكاديمي والخبير بشؤون القدس كان حازما: اسرائيل تريد توسيع حدود القدس من حدود الضم الى خط الجدار وتوسيع المستوطنات داخل المنطقة البلدية من خلال اسلوب "اغلاق الثقوب" والتغلغل في الاحياء الفلسطينية في شرقي القدس بواسطة شراء العقارات واقامة البؤر الاستيطانية وعزل جبل الهيكل عن الاحياء الفلسطينية وتغيير الواقع القائم فوق جبل الهيكل نفسه. ما الذي يعنيه ذلك؟ سألته بعد المحاضرة فرد علي بان هدف اسرائيل هو تطبيق نموذج مغارة الماكفيلا في جبل الهيكل حيث سيحصل اليهود هناك على حقوق الصلاة المنظمة خلافا للوضع القائم اليوم. كل هذه الخطوات، حذر كلاين ستحول الصراع من صراع قومي الى صراع ديني. بديلي كاسرائيلي وكيهودي هو ان تكون القدس عاصمة السلام مشتركة لسكانها من خلال التقسيم (الشراكة من خلال التقسيم). البروفيسور كلاين عبر عن دعمه لمشروع ابو مازن السلمي الذي طرحه بنفس الصباح وانهى كلماته. عندما انهى نهض الشيخ تيسير التميمي احد المرجعيات الاسلامية الهامة في الضفة وصعد الى المنصة ليعانق البروفيسور كلاين ويقبله ويصرح بصوت مرتفع : "اليكم رجل السلام".

احد المشاركين الفلسطينيين راقب الحدث بابتسامة عندما نزل كلاين للاسفل دعاه اليه وهمس في أذنه : "التميمي قبلك قبلة الموت وأمام كل هذه الكاميرات فلتحرص على أن يزيلوا اشرطة التسجيل. في اسرائيل انت منتهي". البروفيسور كلاين لم يفزع من ذلك وهذا لا يقلقه. بالنسبة له فليتم بث الاشرطة. هو مغروس في قلب جامعة بار ايلان مع هذه الافكار منذ سنوات طويلة. مقاطع منبوذ ولا يحصل على الترقية. حصل على التثبيت الوظيفي بعد اغتيال رابين عندما بحث الجميع لانفسهم عن ورقة تين، ولكن عدة امور قد تغيرت منذ ذلك الحين. افكار كلاين لم تتغير. هو مدرك لصورة الشيخ تميمي في اسرائيل كمؤيد لحماس. "ما يحدث هنا يبرهن على العكس" قال كلاين، "هذه هي النقطة بالضبط. انا اعرف التميمي بالضبط وانا اظهر معه في اماكن كثيرة. عندنا يدفعونه للجدار ويضغطون عليه ويدفعونه لاعتناق اليهودية. هو ليس حماس هذا اكيد. وهو ايضا يؤيد الحل السلمي خطة ابو مازن. اذن بعد كل ما يقولونه عنه التسويات المقبولة على ابو مازن وكذلك على اليسار الاسرائيلي مقبولة عليه. فهو يقول ذلك امام عدسات الكاميرا".

المقطع الاكثر اثارة للانفعال كان الشيخ لاندري ازولاي، مستشار الملك حسن الاب الاسطوري الذي نجح في التسبب باهتزاز الافئدة. "انا رجل ثري" قال ازولاي، "انا عربي يهودي بربري ومغربي. لدي كل هذه الثقافات وانا فخور بكل واحدة منها. وبالنسبة للسلام فانا متطرف. من المحظور ان نتوقف عن محاولة التوصل لهذا السلام". ازولاي قال للحضور انه عندما كان طفلا في الخمسينيات كانت عائلته تقطن في بلدة السويرة بجوار امام مسلم هام. في كل عام كان هذا الامام يسافر للحج في الحرم الشريف في القدس ويعود من هناك مع كيس تراب يجلبه معه من البلدة المقدسة. هو كان يجلب حفنة التراب لوالدي قال ازولاي، وكان يقول له "نحن جيران ونحن نتقاسم فيما بيننا مدينة القدس ايضا. لكلينا ارتباط بهذه المدينة ونحن شركاء فيها ولذلك جلبت لك التراب منها". هذه هي التجربة التي بلورت شخصية ازولاي، طفل يهودي في المغرب. ومنذ ذلك الحين تمسك بالسلام والتسامح وتحويل القدس الى مدينة للسلام. ولكن يا للخسارة، قال احدهم من الجانب، ازولاي وكلاين ايضا هما الاقلية التي لا وزن لها. وخسارة ايضا انه في خضم كل هذا الجمهور المقدس الذي يحيط بالقدس من كل نواحيها في هذه الايام الجنونية، هناك حديث قليل جدا عن التعايش والسلام والكثير الكثير من التأليب للحرب.

عوزي يسد الطريق

بديل بنيامين نتنياهو لما يسمى "العملية السياسية" هو كما نعلم "السلام الاقتصادي". يتبين ان هذا ليس مجرد شعار. هناك خطة من ورائها حكاية. من كتب هذه الخطة لنتنياهو هو رجل اعمال اسمه شلومي فوغل مدير عام أمفا سابقا الذي يبتعد عن وسائل الاعلام ويرفض الرد على التفاصيل  التي ستنشر هنا. هذه خطة مرتبة ترتكز على اتصالات سرية مع دول كثيرة في المنطقة. مبعوثون اسرائيليون يعكفون على هذه القضية في دول عربية منذ زمن طويل ومن قبل ان يدخل نتنياهو الى منصبه بكثير. رجال اعمال من المنطقة ينشطون جدا حول هذه المسألة. تفاصيل هذه الخطة معروفة لعدد غير قليل من اصحاب المناصب في المنطقة. مبعوث الرباعية توني بلير مطلع على القضية ومؤيد متحمس لها. اطراف في وزارة الخارجية تعرفها وكذلك في محيط سلفان شالوم وعدد من مقربي شمعون بيرس. في هذا الاسبوع في المغرب التقيت عددا من رجال الاعمال من المنطقة الذين عرفوا الامر  الذي يدور حوله الحديث.

كل هذه الاطراف تسأل انفسها لماذا لا تنفذ هذه الخطة. نتنياهو يقطع مسافة لا بأس بها في هذا الطريق ولكن شيئا لا يحدث على الارض. رغم وجود خطة مفصلة لستة عشر مشروعا هائلا مشتركا ورغم وجود مشاريع تمويل مرتبة مع دول المنطقة ومصانع مشتركة، وخطة منفصلة لتحويل القدس الى منطقة سياحية دولية اسرائيلية – فلسطينية هائلة، وعدد لا ينتهي من الابراج العالية. في هذه المرحلة تبنى هذه الابراج في الهواء والمسألة عالقة.

لماذا عالقة؟ بسبب معركة شديدة الميراس تدور – هل خمنت اين – في ديوان رئيس الوزراء. من جهة هناك انصارالخطة، ومن الجهة الاخرى معارضوها. وعلى رأسهم كما تعلمون عوزي اراد. وفقا لرؤية اراد ليس هناك الان وقت لاية خطة وبالتأكيد ليس للسلام الاقتصادي. الفلسطينيون؟ من الذي يكترث لامرهم عموما عندما يتدافع الايرانيون على اسوار  القدس. اراد يمنع تقدم هذه الخطة بجسده وفي هذه المرحلة يبدو انه يحرز النصر. على حد قوله ليست هناك فقط حاجة لخطة كهذه الان بل يتوجب معاقبة الفلسطينيين لسلوكهم معنا في كل ما يتعلق بتقرير غولدستون ومحاكمات لاهاي وغيرها من الامور وقتل هذه المسألة بكل بساطة.

المهم عدم اثارة الامواج

"هذا فشل يصرخ الى عنان السماء" يقو مصدر سياسي مدرك لتفاصيل الخطة، "ليس من الممكن بكل بساطة مواصلة الصمت. لدينا هنا حرب ثقافات حقيقية. في مواجهة التصور بأن المسألة الاقتصادية يمكن ان تقودنا الان الى مكان آخر، يأتي اشخاص ويقولون ان من الواجب التقوقع وعدم صنع شيء. هذا بكاء لاجيال بكل بساطة. بدلا من اقامة ادارة والبدء في السير الى الامام، يخشى بيبي ولا يفعل شيئا ويفضل تضييع الوقت والاكتفاء بالحديث عن الامر في الوقت الحاضر فقط. خسارة".

قرار نتنياهو هذا، اي عدم التقرير ينضم الى كل قراراته السابقة. هو لم يقرر اي شيء بعد. في الولايات السابقة الصادمة بالنسبة له نجح في اغاظة عدد قياسي من الاشخاص والجهات خلال مدة قصيرة اما في هذه المرة قرر السير في الطريق  المعاكس اي عدم اغاظة اي احد. هو يتهرب من الحسم ويخشى القرارات ولا يتحمل المسؤولية. هكذا هو الامر في قضية لجنة تقصي الحقائق في تقرير غولدستون، او صلاحيات المستشار القضائي او خطاب بار ايلان الذي كان في خلاصته اجمالا لمواقف الوسط الاسرائيلي الدقيق، ونفس الشيء يقال عن بعض الامور. عندما يقرر نتنياهو ويرى ان الاغلبية ضده يصاب بالفزع. هذا ما حدث في قضية ضريبة القيمة الاضافية على الخضروات والفواكه. رأى الموجة ولم يتجرأ على الوقوف امامها وتساوق مع الصفوف بسرعة. فضل اغاظة الضعفاء (شتاينتس)، المهم عدم التورط واثارة الامواج والقيام بحركات فجائية حادة. المهم عدم التزحزح.

"في هذه المرحلة" يقول وزير بارد في الليكود، "بيبي ليس معنيا باغاظة اي احد بكل بساطة. هذه طريقته للبقاء في الحكم اكبر مدة ممكنة" . السؤال هو ما هو الامر الاهم ان يبقى بيبي في الحكم او ان يقوم بعدة امور هامة؟ "ربما يؤجل حسم الامور لموعد آخر ولكن المسألة في اسرائيل هي انك ان لم تقرر في السنة فانك لن تقرر ولن تحسم الامور. هذه هي الطريقة الشائعة هنا. البقاء هو اسم اللعبة، بقاء الحكم. وماذا عن الدولة؟ كيف ستواصل بقاءها؟

انشر عبر