شريط الأخبار

تريدون تحقيقا تفضلوا تحقيقا.. معاريف

02:10 - 26 تشرين أول / أكتوبر 2009

بقلم: عاموس  جلبوع

حتى الان لم تحسم حكومة اسرائيل كيف ستتصدى لتقرير غولدستون. امام جهاز الامن والجيش الاسرائيلي، اللذين يعارضان بشدة كل لجنة تحقيق/فحص بالحجة الاساس في ان معنى الامر هو عدم ثقة بالفحوصات التي اجراها الجيش الاسرائيلي، يقف المستشار القانوني للحكومة، رجال قانون كبار، نائب رئيس وزراء اسرائيل، دان مريدور واخرون، ممن يوصون بتشكيل لجنة تحقيق/فحص. حجتهم المركزية: في عالم القانون الدولي، الوسيلة الافضل للدفاع عنا في الساحة العالمية وتنظيف انفسنا من اجل انفسنا هي التحقيق الذاتي.

أرى المعضلة التي تقف امامها دولة اسرائيل وحكومتها بالشكل التالي: من جهة، يقف المفهوم الاساس والشرط الاساس اللذان وجها خطى دولة اسرائيل منذ تأسيسها بل وقبل ذلك: من اجل ان تعيش في المنطقة التي نوجد فيها والدفاع عن انفسنا، علينا ان نعرف كيف نتصرف بين الحين والاخر حسب قانون الغابة السائد في المنطقة. بالتوازي، فان التعليمات الرسمية للجيش الاسرائيلي ومدونة سلوكه كانت دوما الحفاظ على مستوى اخلاقي عال والامتناع عن اعمال يوجد فيها مثابة قوانين غابة او كما وصفت ذلك وزيرة الخارجية لفني: سلوك "منفلت العقال". واقع حياتنا في منطقتنا فرض علينا العيش احيانا بمعايير مزدوجة.

ما حصل في العالم وفي داخلنا ايضا، ولا سيما منذ التسعينيات، هو تعاظم نهج "القضاء" الذي قال عمليا لدولة اسرائيل: محظور عليك الدفاع عن نفسك في ظل الاستخدام حتى لقانون غابة واحد؛ واجب عليك التصرف حسب القوانين الدولية الانسانية وما شابه. وفي نفس الوقت، وهذه هي النقطة الاساس، مثل هذا الطلب لم يوجه، عمليا، لاعدائنا. نشأ وضع سخيف تكون فيه اسرائيل مطالبة بالدفاع عن نفسها بوسائل "الصيدلية" في ظل واقع وحشي. هذا هو الجانب المبدئي. من الجانب الاخر للمعضلة يوجد التكتيك، المسألة الملموسة: كيف نزيل عن انفسنا هذه الوصمة لتقرير يرفض ان ينزل بنفسه؛ كيف نعطي حماية حقيقية لضباط وجنود الجيش الاسرائيلي من دعاوى مستقبلية من تقديمهم الى المحاكمة خارج البلاد؛ كيف نتصرف بحكمة في عالم ساخر بحيث لا تكون ايادي الجيش الاسرائيلي مكبلة في المستقبل في محيط الغابة؟ برأيي يجب رفض كل فكرة لجنة تحقيق/فحص من نوع "فينوغراد" غايتها التحقيق في حملة "رصاص مصبوب" وسلوك الجيش الاسرائيلي. هذه حفرة لا قاع لها، ستتسلل الى مواقع سياسية وستكبل أيادي الجيش الاسرائيلي. بالمقابل، يوجد مجال لتشكيل لجنة مهنية متعددة الجوانب، تتضمن ممثلين من كل اذرع الحكم الاسرائيلي، وكذا من رجال قانون يهود من الخارج، تكون غايتها الفحص الموضوعي لكل اتهامات التقرير والرد عليها.

ماذا يعني هذا؟ التقرير يتضمن عشرات الحالات المحددة التي تتهم فيها اسرائيل حسب تصنيفات مختلفة – مس مقصود من مدنيين، مس بمنشآت مدنية، استخدام لسلاح خاص وما شابه – وكذا حالات يخرج فيها الفلسطينيون ابرياء من استخدام المساجد، سيارات الاسعاف، منشآت الامم المتحدة وما شابه لاغراض عسكرية، او نشاط من داخل السكان المدنيين. تقرير غولدستون أحادي الجانب جدا لدرجة لا توجد اي مشكلة جوهرية لدحض موضوعي لكل نقطة ونقطة فيه. لهذا الغرض بالضبط يمكن للجيش الاسرائيلي ان يستخدم تحقيقاته. واذا ما تبين بأن هناك حالات كان التقرير فيها محقا – فان اللجنة ستشير الى ذلك.

نتيجة عمل اللجنة يجب ان يكون "كتاب اسود" موضوعي ومهني لدحض تقرير غولدستون ومنع وضع يكون فيه "القضاء" الدولي احادي الجانب، المستند الى "قوانين الحرب" غير الملائمة لمحيط الغابة الارهابية، يفرض امرته ورعبه على الجيش الاسرائيلي والقيادة السياسية ويكبل ايديهما.

انشر عبر