شريط الأخبار

عمر الفتى اصبح ستين عاما..يديعوت

01:25 - 23 تشرين أول / أكتوبر 2009

بقلم: ناحوم برنيع

قبل 11 عاما في الـ 21 من تشرين الاول 1998 نزل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الفتي النشيط في جناح في منتجع واي في الخلفية القروية لولاية ميريلاند على مسافة ساعة سفر من واشنطن العاصمة. واجرى مفاوضات حثيثة حافلة بالتقلبات والازمات حول ما اطلق عليه بعد حين "اتفاق الخليل".

في ذلك اليوم بلغ نتنياهو من العمر 49 عاما.

"هذا سيكون عيد ميلاد استثنائي" كتبت في النص الذي ارسلته من هناك. "في الحفل سيشارك عدد من الاصدقاء المثيرين الذين لم يعتبروا حتى الاونة الاخيرة اصدقاء بالمرة: ياسر عرفات، الملك حسين، بيل كلينتون، اريئيل شارون. لن تكون هناك بالونات على ما يبدو لانه يحذر تفجيرها الان ولكن الهدايا ستغدق عليه بصورة كبيرة".

أحد انصار عرفات في البلاد فتح "يديعوت احرونوت" في الصباح الباكر وأعلم الفلسطينيين في منتجع واي بالمناسبة السعيدة فورا. الساعة كانت الاثنتين فجرا وفقا لتوقيت الساحل الشرقي. عرفات أمر الناطق بلسان الوفد (اصبح عضو كنيست اليوم)، احمد الطيبي، لجلب الازهار بأي ثمن. لم يكن من الممكن ايجاد محل أزهار يعمل في تلك الساعة بالمرة لا في واشنطن ولا في ميرلاند. الطيبي خرج للبحث عن الازهار وحتى اليوم يرفض الاعتراف من أين جلب تلك الازهار، هل جلبها مثلا من صالون منزل مليونير شرق اوسطي ام من الفندق ام من صاحب محل فلسطيني تم اخراجه في جنح الليل من سريره.

على اية حال تم استكمال المهمة بنجاح. في الساعة السابعة صباحا قرع بيبي بوابة جناح نتنياهو. سكرتيرة رئيس الوزراء (عضو الكنيست اليوم) روحاما افراهم فتحت الباب ومن خلفها وقفت سارة نتنياهو. الطيبي اودع الازهار بين ايديهم مع التمنيات الحارة المنقولة عن رئيس السلطة ياسر عرفات.

يوم الاربعاء سيصبح عمر نتنياهو 60 عاما قلت للطيبي في هذا الاسبوع. فهل كنت ستجلب له الازهار؟ "لا" رد الطيبي بأسى. "ليست هناك ازهار ولا مفاوضات وفكرة الدولتين دفنت تحت جرافات المستوطنات".

أمريكي مشارك في الاتصالات وصف على مسامعي الفجوة بين الجانبين بالعبارة التالية: "نتنياهو اراد مفاوضات من دون حل وابو مازن يريد حلا من دون مفاوضات" بعبارة جيدة. ولشدة الاسف صحيحة ايضا.

ولكن عيد الميلاد قادم. نتنياهو القى في هذا الاسبوع في مؤتمر الرئيس في القدس خطابا وخطابه تضمن عبارة نحن كثيرا: نحن بنينا ونحن استوعبنا ونحن تغلبنا ونحن صنعنا السلام. "نحن" هذه لمن قد نسي كانت نهج حزب المباي واسلوبه في تسجيل كل تغيرات ايجابية وكل انجاز عن حق او غير حق في رصيده.

انا شعرت بالفضول من التغيير الحاصل، هذا ان حصل عند نتنياهو. "انا" من ولايته السابقة تحولت الان "نحن". ان كان نتنياهو يعبر عن القيادة فهي قيادة جماعية. بدلا من التخاصم مع وزرائه اصبح يعانقهم وبدل من التقرير من دونهم اصبح يقضي الان عددا لا ينتهي من ساعات التشاور السرية معهم.

القطار الاخير

هذا ليس الوضع: وانما هو العمر. نتنياهو في عيد ميلاده الستين على قناعة بانه قد تحسن مع السنين. هو انتقل من الانا الى النحن وتعلم العبرة من اخطاء الماضي ونضج وتحسن.

لذلك كل محاولة لوضع اشارات على نتنياهو ابن الستين يجب ان تبدأ بالاعاجيب السبعة الجالسة حول طاولة المجلس الوزاري المصغر. ما الذي حدث لبني بيغن ودان مريدور وايهود باراك وبوغي يعلون وايلي يشاي وافيغدور ليبرمان، وكيف تحولوا من خصوم لدودين يقضون على الحكومات الى جنود مخلصين لبنيامين نتنياهو. التغير يكمن في عمرهم هم ايضا بدرجة لا تقل عن التغير في عمر نتنياهو.

بالنسبة لبعضهم كان هذا القطار الاخير نحو قيادة الحكم. باراك في السابعة والستين هو جنرال من دون جنود. كل ما تبقى له هو التشبث بقرون المذبح. بيغن 66 عاما سعيد بالفرصة التي اعطيت له لقراءة معلومات سرية واسداء النصائح والتأثير. في الماضي آمن بدولة واحدة من البحر الى النهر مع حق التصويت المتكافىء لليهود والعرب. الوزراء الذين يصغون له يفهمون انه قد بدأ يستوعب المشكلة الديموغرافية ويفهمها اما المشاركة في الاعمال السرية فهي مناسبة وملائمة لدان مريدور ايضا. يبدو ان مريدور 62 عاما قد فقد رغبته بالاحتكاك وخوض الصراعات والاحباطات التي تنطوي على السياسة العلنية. هو لا يريد الخلافة وانما يريد الخدمة.

الواقع الذي نشأ في حكومة نتنياهو يشير الى مدى عدم صحة اطلاق نبوءات في المعترك السياسي. كان لاولمرت ديوان منصاع ومنظم وهادىء نسبيا ومطبخ يعاني من التسرب ومليء بالصراعات. اما نتنياهو فلديه ديوان اشكالي الى ان طاقمه الوزاري منصاع وسري وبلا صراعات. هذا انجاز غير بسيط.

مع ذلك يتوجب ان نذكر ان سباعية نتنياهو السرية لم تواجه بعد قرارا حقيقيا واحدا. كل شيء الان في مستوى النقاشات والجدالات وهي مثيرة للاهتمام في جديتها الا انها ليست قرارات.

الكوارث التي لم تحدث

نتنياهو اختار عدم اخفاء شيء عن وزرائه: كل شيء شفاف ومعروف. المبدأ الذي تبناه هو ان الحقيقة هي احسن تأويل للامور. ليس هناك تسجيل للمداولات ولا كتابة للبروتوكولات وانما استخلاصات فقط. خلال أشهر وجود الحكومة السبعة جرت عشرات كثيرة من المداولات ولم يتسرب الا القليل منها.

نتنياهو اكتشف ان وزراءه هم اشخاص جديون. حتى ليبرمان. هذه احدى الحكومات الاقوى في العالم حسب رأيه من حيث جودة قيادتها. هو راض جدا عن وزرائه وبامكانه ان يسمح لنفسه للدفاع عنهم ايضا عندما يخطئون. باراك مثلا. هناك افراط في الانتقادات الموجهة اليه. هو وزير دفاع ممتاز. صحيح انه اخطأ. فنحن كلنا ارتكبنا هذه الاخطاء وسيصلح اخطاءه. هذا هو الفرق بين رئاسة الوزراء في سن الـ 46 وبين رئاسة الوزراء في سن الـ 60 انت لا تهتم بالتفاهات ولا تهتز من العواصف العابرة. بامكانك ان تكون قصيرا ومواظبا في الامور الهامشية وأن تكرس وقتا اطول للامور الهامة. وانت تدرك انك لا تستطيع القيام بالامر لوحدك.

نتنياهو تعلم كيف يدير الامور رويدا رويدا فالبطء قوة. رده المفرط في ولايته الاولى اتسم بالفزع والهستيريا. ولا يريد العودة الى هناك.

عندما شكل نتنياهو حكومته تحدث كمن اخذ على عاتقه مهمة واحدة تاريخية: ايقاف المشروع النووي الايراني. يبدو ان هذا كان احد الاسباب لتكرار ذكر تشرشل في خطاباته. هو شبه نفسه بتشرشل الذي حمل على اكتافه معركة مناهضة هتلر وركز عليها وانتصر. احمدي نجاد يشبه هتلر وتشرشل يشبه نتنياهو.

ولكن تشرشل حتى لم يكن تشرشلا طوال الوقت هذا ناهيك عن نتنياهو. انا اخمن بعد ان دخل الى المنصب ادرك ان الحكاية الايرانية اكثر تعقيدا واكثر تركيبا وان المجد لا ينتظر خلف البوابة.

بقيت المسألة الفلسطينية مع تشعب  واحد صعب باتجاه غولدستون وآخر باتجاه اوباما وميتشل والمستوطنين. نتنياهو يعتقد انه سيصل الى المفاوضات وربما الى الاتفاق ايضا: هو لم يصل الى رئاسة الوزراء في الستين من عمره حتى يدفء الكرسي.

ولكن الواقع اقوى منه في الوقت الحاضر. هو علق في حصار خلافا لرغبته. هو يريد احراز الاهداف لكنه مضطر للعب لعبة الاستغماية. في سن الستين بامكانه ان يفتخر بالاساس من الكوارث التي لم تحصل: الاقتصاد لم ينهار والحرب لم تندلع وكل شيء على ما يرام في الوقت الحاضر.

اصدقاء زائفون

وضعنا في الرأي العام في الغرب مقلق جدا، قلت للفيلسوف الفرنسي برنار انريه - ليفي الذي كان هنا في هذا الاسبوع بمناسبة عقد مؤتمر الرئيس "لديكم سبب للشعور بالقلق" قال. "لديكم سبب للغضب. قبل سنوات اعتقدت ان الوضع سيتحسن ولكن هذا لم يحدث. اسرائيل تتعرض للهجوم من دون جرم ارتكبته وهي تتعرض للتشويه. من الممكن ان تكون لاية دولة حكومة سيئة، ولكن احدا لا يستنتج من ذلك ان هذه الدولة غير شرعية. كان بامكانك ان لا تحب الرئيس بوش او بيونوشيه او حتى النظام في المانيا، ولكن احدا لم يشكك بحق تلك الدول في الوجود. هذا الامر يفعلونه فقط مع اسرائيل. انا لا اعرف دولة اخرى في العالم تخوض الحرب طوال ستين عاما من دون ان تتخلى عن مبادئها الديمقراطية وان تفقد ضرورتها. عمليات الحادي عشر من ايلول تسببت بفرض قوانين استبدادية في أمريكا. حرب الجزائر تسببت بانهيار القيم الديمقراطية في فرنسا. اسرائيل هي حالة استثنائية وانا معجب بها لهذا السبب".

هل يشكل اوباما خطرا على علاقاتنا الخاصة مع امريكا، سألته؟

"انا لا اعتقد ذلك"، قال. "بوش وكلينتون تعاملا مع الصراع الشرق اوسطي فقط في السنة الاخيرة من ولايتهما. اوباما قام بمعالجة الامر فورا. ربما سينجح اكثر منهما. انا اعتقد انه صديق لاسرائيل. لدى اسرائيل اصدقاء زائفون غير قلائل. الانجليكان مثلا. هم يعتقدون ان المسيح سيعود: يتوجب فقط ايجاد مسار هبوطه الملائم ومسار الهبوط هو اسرائيل. انا لست على ثقة ان هذا التأييد جيد لكم. تحدثت مع اوباما قبل خوضه معركة الرئاسة بأربعة سنوات وقد أدرك اسهام الصهيونية للبشرية. هو فهم الانجازات التي حققتها اسرائيل".

عندما قمت انت وايلي فيزيل بخوض الصراع ضد اختيار فاروق حسني المصري لرئاسة اليونسكو باعتباره الشخص الذي دعا لحرق الكتب العبرية، لم يؤيدكما نتنياهو.

"نتنياهو وساركوزي عقدا صفقة مع مبارك. كنا وحدنا تقريبا. ولكن كان لنا تأييد هائل من أماكن اخرى على اساس اخلاقي. هذه كانت حكاية لا تصدق. دعوته لحرق الكتب لم تكن خطأ وانما جريمة وجنون. وكذلك سلوك الصحافة المصرية. في اخر المطاف بعد ان خسر في التصويت جاءت عودته الى العبارات اللاسامية. لذلك اعترف حسني في الواقع بأن ما قلناه كان صحيحا".

انشر عبر