شريط الأخبار

مادام الله قد اختار شعبه..علي عقلة عرسان

01:05 - 23 تشرين أول / أكتوبر 2009

 فلسطين اليوم-دمشق

بعد موافقة مجلس حقوق الإنسان في جنيف على تقرير غولدستون، واتخاذه التوصيات المعروفة بهذا الشأن، ووقوف خمسة وعشرين دولة مع القرار، وست دول فقط ضده.. وبعد موقف تركيا التي ألغت مشاركة الطيران الإسرائيلي في تدريبات " نسر الأناضول" احتجاجاً على مشاركة ذلك الطيران في قتل أطفال غزة.. وبعد توجه الولايات المتحدة الأميركية وإيران إلى الحوار، وتوصل الغرب وطهرن إلى اتفاق محتمَل حول موضوع الملف النووي الإيراني، وتخصيب اليورانيوم عن طريق روسيا.. بعد ذلك كله توجه الكيان الصهيوني المرتبك بخطاب متشدد إلى الخارج وآخر مطمئن واعد إلى الداخل.

في الخطاب الموجه إلى الخارج استمر في اتهام كل من لا يؤيده في عدوانه واحتلاله وممارساته الإجرامية، بأنه منحاز ومعادٍ للسامية، وأعلن التخندق في مواقع الرفض والمكابرة والغطرسة المعتادة، مستقوياً بالولايات المتحدة الأميركية والدول الأوربية المناصرة له.. وهاجم تركيا والعثمانيين الجدد، وركز على إثارة ملفات الأرمن والأكراد والعلمانية، محاولاً خلق فتنة، واستعداء الجيش التركي على الحكومة، والعلمانيين على الإسلاميين.. وطالب بمعاقبة إيران وملاحقتها بسبب ملفها النووي، واستمر في تهديدها وتوعدها بتدمير مفاعلاتها النووية، معتبراً أنها خطر على العالم.

وفي الخطاب الموجه إلى الداخل ركز العدو الصهيوني على الدفاع عن النفس ضد المقاومة التي يسميها "إرهاباً"، وعدم السماح بمحاكمة ضباط وجنود إسرائيليين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، ورفض تشكيل محكمة داخلية للنظر في المخالفات التي ارتكبها جيشه في أثناء الحرب التي شنها على غزة، حسب طلب تقرير غولدستون.. وتابع الاستعداد والتدريب لمهاجمة إيران.. وفي كل ذلك طمأنة للجبهة الداخلية، وشدها نحو مواجهة الخطر الإيراني والمقاومة، والعالم " المعادي لإسرائيل والسامية"، حسب زعم صفيق مفلس يكرره ويخيف به من يبتزهم؟!.

وتم تعزيز كل هذه التوجهات بالمناورات الكبرى الطويلة، " خمسة عشر يوماً"، مع الولايات المتحدة الأميركية التي تضرب عدة عصافير بحجر واحد، وتوجه رسائل إلى إيران وسورية وتركيا والمقاومة في فلسطين ولبنان، ولكل من قد يفكر من العرب بالوقوف إلى جانب المقاومة ويدعمها ضد الاحتلال الأميركي والصهيوني، وتعلن.. بأسلوب يتلاءم مع نهج الرئيس أوباما وتكتيكه الجدي، وبكلام معسول يقدم "وعوداً طيبة في الفضاء، وقبضة شديدة وحضوراً للقوة المنحازة لإسرائيل على الأرض."، وعدم خروج على ثوابت السياسة الأميركية المستمرة في تأييدها المطلق للكيان الصهيوني وسياساته وممارساته.. مع توجه سياسي يوحي بالثبات على أفكار الرئيس أوباما ووعوده، ويشير إلى أن إدارته ترغب رغبة صادقة في الوصول إلى سلام شامل في المنطقة، يقوم على: [[ دولة يهودية آمنة، وأخرى فلسطينية بالمواصفات الإسرائيلية.]].. وأن الولايات المتحدة الأميركية ستكون هنا على الأرض، بقوتها الملموسة، لكي تحمي مصالحها وحلفاءها، وعلى رأسهم "إسرائيل"، ولكي تشجعها على السلام الذي يوفر لها الأمن والازدهار، وتكون شريكاً مباشراً، كامل الشراكة لها، في مواجهة كل من يحاول أن يعتدي عليها أو يهددها أو يقلقها. وعربوناً على ذلك ستقدم لها، بعد المناورات والتدريبات، أسلحة جديدة متطورة، وتخزن لديها أسلحة وذخائر لتكون من أهم موقعها الاستراتيجية في المنطقة بوصفها أهم حليف لها فيها.. ولتقول للداخل الإسرائيلي بوضوح وقوة: " نحن هنا، اعتمدوا علينا وثقوا بنا.. فنحن كنا معكم ومازلنا وسوف نبقى.".

الكيان الصهيوني الذي له حساباته وأساليبه ينظر إلى المستجدات من حوله نظرة جادة، ويفكر بما يبقيه فوق الآخرين والقوانين والمخاطر، ويحد من تآكل ما يسميه " أخلاقيته"، ويبقى طليعة ما يسمى "جبهة محاربة الإرهاب"، ويستثمر ها طاء في عدوانه وتنفيذ استراتيجياته الراسخة ومنها الإبادة البطيئة للشعب الفلسطيني وإرادته ومقاومته وحقوقه.. وليستمر مهيمناً بصورة تامة على الجوار، وشريكاً في الهيمنة الأوسع على المنطقة وفي مواقع حساسة من العالم إن أمكن.. وفي تفاصيل حساباته الكثير مما يتداخل مع الرؤى والمصالح الأميركية ويتكامل معها، ويساهم في تكوينها أو بلورتها أحياناً، أو في جرها إلى مواقعه ومنافعه وحماية استراتيجياته العسكرية والاستيطانية والتهويدية في أسوأ الأحوال. 

في حرب الإبادة التي شنها على غزة هذا العام، بمباركة أميركية وتواطؤ مختلط من أطراف بينها عرب، اعتمَد الكيان لصهيوني ما سماه "استراتيجية الضاحية" التي أعلنها الجنرال غادي آيزنكوت، وهي استراتيجية عسكرية ـ سياسية وضِعت بعد الحرب العدوانية الأخيرة على لبنان عام 2006 وقال آيزنكوت: إن " إسرائيل ستعتمد استراتيجية الضاحية رسمياً في الحروب القادمة".. وهي استراتيجية تستهدف المدنيين والبنى التحتية والقوات المقاتلة من دون أي تمييز بينها، وتهدف إلى تحقيق قتل وتهجير وأكبر تدمير شامل، بكل الأسلحة والوسائل والأدوات والأساليب الممكنة. ذلك أن الكيان الصهيوني اختار وقرر، خلافاً لكل القوانين والأعراف والمواثيق الدولية المعمول بها، أن المدنيين ودولتهم وحكوماتهم يتحملون مسؤولية قرار المقاومة والحرب في بلدانهم، وأنهم شركاء في المقاومة والقرارات التي تتخذها حكوماتهم، وأن الناس والعمران والقوات، كل ذلك تستهدفه السياسات والعمليات العسكرية بالتدمير. وقد توصلت حكومة أولمرت التي شنت تلك الحربين الأخيرتين، بعد الفحص والبحث في حرب الثلاثة والثلاثين يوماً على حزب الله ولبنان 2006، وبعد حرب الاثنين والعشرين يوماً على حماس وغزة 2009.. توصلت إلى أن إطالة زمن الحرب يركز نظر العالم على الجرائم والممارسات البشعة التي اعتاد الجيش الصهيوني على ارتكابها في حروبه كلها، وعلى كثير من تفاصيل الممارسات الوحشية التي تخالف القوانين والاتفاقيات الدولية، وهي تفضح الكيان الصهيوني ولا تشرف من يحميه ويدافع عنه في المحافل الدولية، وتكشف ممارساته الوحشية وجرائمه و،تضعف موقفه وموقف من يدافع عنه أمام الرأي العام العالمي. وجاءت حكومة نتنياهو لتأخذ بذلك وتضيف إليه نتائج واستنتاجات استخلصتها بعد الموافقة على تقرير غولدستون في جنيف، وبعد تدارس الوضع داخل حكومته وجيش العدوان والاحتلال الصهيوني.. ونتيجة لذلك قال نتنياهو، متوجهاً بخطابه إلى الداخل بالدرجة الأولى، ومعبراً عن توجهات كانت في صلب مخططات الكيان الصهيوني وخياراته دائماً منذ اغتصاب فلسطين، قال: "إن حروب إسرائيل القادمة يجب أن تكون خاطفة وشديدة التدمير.". وهذا هو خيار "الحرب الخاطفة" الذي يلائم الكيان الصهيوني بكل المقاييس، حيث يحشد قواته ويستدعي الاحتياط لوقت قصير لا تتعطل معه الحركة الاقتصادية ولا تتأثر كثيراً، ويقتل ويدمر بسرعة ووحشية تامة، قبل أن يتنبه العالم إلى شدة وقع جرائمه على الضمير الجمعي ويخرج إلى الشوارع مطالباً بوضع حد للعدوان وبعدم جواز إفلات المجرمين من العقاب..

ولكن الكيان الصهيوني، في الحربين العدوانيتين الأخيرتين على لبنان غزة، لم يستطع التحكم بسير المعركة وفرض توقيته خياراته وقراراته وسياساته على الآخرين.. وقد أحرج الولايات المتحدة الأميركية التي أعطته الوقت الكافي، في عهد بوش، للإبادة ولكنه لم ينجح في تدمير خصومه تدميراً شاملاً.. فمن سيعطيه ورقة بيضاء يستخدمها كيف ما يشاء ضد من يشاء؟.. كما أنه لم يعد يضمن تماسك جبهته الداخلية التي تؤثر بقوة في مجريات الأمور من الداخل.. ولم يعد يطمئن إلى أنه يملك القوة الكافية القادرة على المواجهة إذا ما شن عدواناً يُعد له ضد المقاومة وإيران، ولا يملك طمأنة الداخل في حال وقوع معارك كبيرة مع إيران وحلفائها.. وهو يحتاج إلى موقف أميركي مختلف، أكثر قوة في الحضور وأشد تأثيراً على الآخرين، خدمة لسياساته العدوانية ومصالحه.. وأنه لا يمكن أن يحصل على ذلك من دون أن يقدم لإدارة أوباما شيئاً أو يتوافق معها على شيء في مصلحتها ولو جزئياً وفي مصلحته كلياً.. وأنه بحاجة إلى مرونة نسبية مع تلك الإدارة، بعد أن تخلَّت، تحت رفضه وضغطه، عن مطالب ومواقف كانت قد أعلنتها، منها تجميد الاستيطان.. وأنه لا بد من عمل شيء، ولو لمرحلة انتقالية، يجعل تلك الإدارة شريكاً في الهجوم على إيران وفي الدفاع عنه ضدها، إذا ما شن ذلك الهجوم واقتضى الأمر تدخلها على نحو ما.. وأن "هناك حاجة ماسة للعمل في مجالين :تحصين الجبهة الداخلية وتكييف نظرية القتال."، وهذا الذي يعمل عليه بقوة يحتاج إلى تأييد وحضور أميركي ملموسين ومكثفين وقويين.

من هنا يمكن أن نرى مطيات جديدة في المناورات الأميركية ـ الإسرائيلية المديدة، ونقرأ ملامح مشهد سياسي وعسكري جديد لتوجهات الكيان الصهيوني والإدارة الأميركية التي غيرت بعض تكتيكاتها وخياراتها من دون أن تغير استراتيجياتها وأهدافها العالمية. وهي تستعد لكل الاحتمالات الآتية من كل مكان، سواء من روسيا الاتحادية والصين، أو من المتغيرات الدولية المحتملة بصورة عامة في أي من المواقع الحساسة التي تتحرك فيها الرمال.. لقد أعادت النظر بالدرع الصاروخية الذي كانت إدارة بوش قد قررت إقامته في بولندا بذريعة إنه موجه ضد إيران، ولكنها توجهت نحو مواقع أخرى وخيارات أخرى لمواجهات منها مواجهة إيران ، وبعضها يظهر في ما يسمى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وبعضها ما زال خفياً. فهل ترانا نقرأ في هذا التحرك توجهاً نحو السلام أم نحو الحرب؟ وهل تشدّ سلسلة نوبل الذهبية آخر رموزها أوباما نحو خيارات السلم فيترك العراق وأفغانستان وباكستان والوطن العربي من دون احتلال وحرب، أم تشده نحو خيارات الحرب ومزيد من هيمنة  القوة وخدمة المصالح بالقوة؟ يبدو أحياناً أنه لا فرق.. فحامل جائزة نوبل للسلام لا يشترط فيه أن يخدم السلام الحق والعدل الصراح، وحرية الشعوب وتحررها.. وهاهم بيغن ورابين و بيريس نماذج حية لإرهابيين قتلة ومحتلين ومجرمين عتاة، منحتهم الإرادة الصهيونية جائزة نوبل، ورفعتهم رموز سلام..؟! فاعجب أو اغضب.. لا فرق فعالمنا اليوم يموت فيه الفرق بين الصالح والطالح، وتزيف قيمه ، ويأنف فيه العنصريون من رؤية غيرهم يعيش، مثلهم ذلك اليهودي الذي سأل نفسه ذات يوم، وهو يتابع الأخبار " مادام الله قد اختار شعبه فلماذا لا يهلك الآخرين؟".

 

انشر عبر