شريط الأخبار

انتخابات في زمن الحصار ..عزمي بشارة

11:22 - 18 تموز / أكتوبر 2009

انتخابات في زمن الحصار ..عزمي بشارة

 

ـ الخليج 18/10/2009

 لكي توافق فصائل المقاومة الفلسطينية على اتفاق المصالحة المقترح مصرياً، يجب أن تتعهد الرباعية المتمثلة بالولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن تحترم نتائج الانتخابات أياً كان الفائز، وأن تلتزم بعدم فرض حصار على الشعب الفلسطيني إذا كان الفائز هو “حماس”. وليس هذا شرطاً موجهاً إلى مصر. وهو لا يعني فتح بنود الاتفاق للنقاش من جديد، بل هو شرط دولي، ظرف دولي من دونه لا يعني الاتفاق شيئاً، سوى محاولة التخلص من المقاومة بموافقتها، ومسايرتها إذا لزم حتى تصل الى نقطة اللاعودة.

وحتى إذا تجاوز الشعب الفلسطيني مسألة الانتخابات تحت الاحتلال برمتها، كمسألة تثير معركة داخلية وتهمش الصراع ضد الاحتلال وتجري تحت سقف اتفاقيات أوسلو، فإن من حقه أن يطالب بتوفر هذا الظرف الدولي المتمثل بالتعهد أعلاه كي يطمئن وذلك لسببين: 1- إنه جرت انتخابات في الماضي لم يعترف بنتائجها وعوقب عليها الشعب الفلسطيني. 2- إن الانتخابات الحالية سوف تجري تحت الحصار، وفي ظل رفض إعادة بناء ما دمرته الحرب في غزة، أي تحت التهديد.

عدم صدور مثل هذا الالتزام، أو مثل هذا التعهد عن الرباعية المسؤولة عن الحصار، يوجه الرسالة التالية: عليك أيها الشعب الفلسطيني أن تنتخب طرف التسوية المتمثل بفريق أوسلو، وأن تمنحه الثقة، وذلك ليس لأنه جدير بالثقة سياسياً أو مبدئياً أو وطنياً، ولا لأنك تؤيد التنسيق الأمني مع “إسرائيل”، ولا لأنك مقتنع بهذا الفريق بالمجمل، بل لأنك إذا لم تفعل ذلك سوف تتعرض لحصار لا يكل ولا يلين، ولا يعترض عليه النظام الرسمي العربي، بل يساهم فيه. وليكن في حصار غزة المستمر منذ أعوام خلت والحرب التي شنت على القطاع عبرة لمن يعتبر.

طبعاً، لا نتوقع ممن يذهب للانتخابات بسيف الحصار والحرب المسلط من قبل أعداء الشعب الفلسطيني أن يخجل أو يشعر بالحرج، فهذا كثير في مثل هذه المرحلة، ولكننا نطلب منه ألا يكثر من الخطابة والوعظ علينا في شؤون الديمقراطية.

هذه ليست انتخابات، بل مبايعة تحت التهديد بالقتل، وليس قتل الناخب وحده بل قتل أبنائه وبناته أيضاً الذين لا ذنب لهم.

ومن هنا، لا تخضع حركات المقاومة للانتخاب قبل الاستقلال، أو قبل اتضاح هزيمة الاحتلال على الأقل في استفتاء عليه. فأيّ شعب كان سوف ينتخب حركة مقاومة وهو تحت الاحتلال وقبل اتضاح زوال الأخير، أيّ شعب كان سوف ينتخب حركة مقاومة تحت التهديد بالنتائج الوخيمة؟ تطلب المقاومة من المناضل أن يضحي، ولكنها لا تطلب من المواطنين العاديين عموماً أن يختاروا في عملية انتخاب بين طعام عائلاتهم والمقاومة.

يتضمن الاتفاق أمراً رئيسياً آخر يتكرر في كل فصل من فصوله وهو اعتبار رئيس السلطة مرجعية عليا فوق النقاش والخلاف. فهو بموجب اقتراح اتفاق المصالحة مرجعية لجنة الانتخابات، وهو مرجعية لجنة المصالحة والوفاق الوطني، وهو مرجعية الهيئة الأمنية العليا. ينص الاتفاق على رئيس السلطة كمرجعية وهو أحد أهم رموز الخلاف والاختلاف عند الشعب الفلسطيني. فهو يحتل مكانة مرموقة حتى بين مجموعة قليلة من الشخصيات الأقل شعبية والأكثر إثارة للغضب على الساحة الفلسطينية منذ فترة طويلة. ورمزياً على الأقل، ما كانت هذه الفقرات لتكتب بهذا النص في هذه المرحلة بعد سفور السلوك في جنيف.

لا شك في أن قيادات السلطة الفلسطينية سوف توافق على اتفاق المصالحة المصري ولو كان مجلداً من ألف صفحة، وليس ثماني وعشرين، ولو اشتمل على شرح مسهب لوسائل تحرير فلسطين. فهذه القيادات تنظر الى الاتفاق كمجرد ديباجة لأمر واحد فقط هو الانتخابات. لقد ذُوبت الانتخابات في محلول من سكر الألفاظ المعسولة والتي تشمل ليس فقط الوحدة الوطنية، بل حتى “الحفاظ على سلاح المقاومة”. ولكنه ليس اتفاق مصالحة. ولا توجد أصلاً أجواء مصالحة مع “الإمارة الظلامية” على حد تعبير رئيس السلطة المتنور، بل هو أداة لحصد نتائج الحصار والحرب على غزة. رئيس السطلة يرفض علناً المصالحة مع حركة “حماس”، ولكنه يوافق على اتفاق المصالحة لأنه يتضمن أدوات للتخلص منها بإرادتها.

لم تناقش السلطة مواد الاتفاق بجدية، ولن تناقشها. سوف تمررها رغم أنها غير موافقة على قسم كبير منها، لأن الاتفاق يشمل أمرين وسواهما كلام: إعادة بناء الأجهزة في غزة قبل الانتخابات، ثم التوجه الى انتخابات، وذلك من دون رفع الحصار عن القطاع ومن دون إعادة بناء ما دمرته الحرب. وهدف الانتخابات العلني ليس المصالحة بل “التخلص من الإمارة الظلامية”، و”التخلص من آثار الانقلاب الظلامي”.

وطبعاً، لو جرت الانتخابات كما جرت عام 2006 لما تحمس لها فريق أوسلو. وقد رفض نفس الفريق انتخاب الرئيس بعد انتهاء مدته، وأصر على التأجيل وقد فرض الأخير بقرار من الجامعة العربية. ولكنه يتحمس الآن للانتخابات معتمداً على متغيرات أخرى، وليس لأنه يؤيد الانتخابات مبدئياً. ففواعل مثل الحصار على حكومة “حماس”، وعلى حكومة الوحدة الوطنية، والحرب على غزة لاحقاً، واستمرار الحصار حالياً من جهة، وإقامة حكومة غير محاصرة ومدعومة مالياً من قبل الولايات المتحدة وأوروبا، ولو كانت غير منتخبة وغير شرعية في رام الله، من جهة أخرى مأخوذة سوية كفيلة بإفهام المواطن الفلسطيني من عليه أن ينتخب، وماذا عليه ان يصوت. هذه انتخابات تجري تحت التهديد بالحصار ومنع التنقل، والعقوبات الجماعية، والتجويع، وحتى الحرب.

وما الانتخابات المقترحة حالياً إلا عملية تزوير واسعة النطاق لإرادة الشعب الفلسطيني تجري تحت التهديد. وليس بوسع فصائل المقاومة مواجهتها إلا بطلب توفر الشرط الدولي أعلاه، والتمسك بالثوابت الوطنية، وبحق المقاومة من دون تردد ولكن بحسن إداء، وطرح نموذج ديمقراطي في السلوك. وهذا يتطلب بعض التعديلات الأساسية على نمط السلوك الذي ساد عند السلطة في قطاع غزة. أما الانتخابات من طرف واحد التي يلوح بها فريق اوسلو حاليا، إذا لم توقع “حماس” الاتفاق، فما هي إلا تكريس للانقسام بين الضفة الغربية وغزة، فهو غير قادر على فرضها في الأخيرة، وما هي الا تأكيد على أن هدفه ليس المصالحة.

وطبعاً، تعرف الولايات المتحدة وأوروبا معنى الانتخابات “الطبيعية”. ولذلك فهي تخشى أن يُفَسر صمتُها عن الاتفاق المصري كموافقة عليه. ومن هنا يعلن ميتشل بصريح العبارة عدم الموافقة على هذه الورقة المصرية للاتفاق مؤكداً شروط الرباعية الثلاثة: وقف العنف، والالتزام بالاتفاقيات الموقعة، والاعتراف ب”إسرائيل”. وهذا يعني أن شروط الحصار باقية، وأن الولايات المتحدة عبر تصريح مسؤولها الأخير تنذر الناخب. وقد أعذر من أنذر.

ولو تركنا مساحة لحسن النية، نقول ربما لا تفهم الولايات المتحدة الأحابيل السياسية الكلامية العربية. فهي ربما لا تعرف، وغالباً تعرف، أن الكلام المرسل بين السياسيين العرب لا يعني الكثير، أو للدقة قد يعني الكثير كوسيلة للتأثير وكأداة للمسايرة، ولكنه يعني القليل كنصوص يلتزم بها. فبالإمكان كتابة أي اتفاق يصل حد الوحدة ثم الاستيقاظ في اليوم التالي كما لو أنه لم يكن، تماماً كما ذكرنا مؤخراً نوري المالكي حين احترم اتفاقية للتعاون الاستراتيجي مع سوريا، وأشبعها احتراماً. وطبعاً يختلف الأمر حين يلتزم السياسيون العرب لقوة أجنبية أو حتى معادية، فهنا يصبحون الأكثر تزمتاً في التزامهم، ويشتهر عنهم هذا الالتزام على الساحة الدولية كما يشتهر عنهم عدم الالتزام فيما بينهم. مثل أمور كثيرة أخرى متعلقة باحترام الحقوق والاحترام الثقافي الذاتي وعقد النقص أمام الآخر والتعامل الداخلي كأنه بين قبائل. ويختلف التعامل الداخلي بين الطوائف والعشائر والقبائل والمماليك. فهذا عالم يقع خلف الدول والمعاهدات والحقوق وغيرها، وتسوده قوانين أخرى.

ويمكننا تخيل مسؤول امريكي يسأل “زميله” الفلسطيني أو العربي: “كيف توقعون اتفاقاً كهذا يتضمن عبارات مثل “الحفاظ على سلاح المقاومة” و”واجب الأجهزة الأمنية في المقاومة” (غير واضح مقاومة من؟)، ولا تتضمن التزاماً بالاتفاقيات مع “إسرائيل”، ولا نبذ العنف، ناهيك بالاعتراف...؟”. فيجيبه “زميله” العربي أو الفلسطيني مستغرباً جهله: هذا كلام وتخريجات بعد مناقشات على النقطة والفاصلة فقط لكي يخرج نص نوقعه، ولكن الأهم هو إعادة بناء الأجهزة وعبور يوم الانتخابات. وبعدها لكل حادث حديث. أنظر ماذا يجري ل”حماس” في الضفة الغربية، وما يجري لكل من تسول له نفسه التهجم على السلطة أو التشكيك في اتفاقياتها مع “إسرائيل””.

لقد أقامت السلطة الفلسطينية في رام الله نظاماً من المنافع في ظل استمرار الاحتلال تخطيطاً وممارسة، وفي ظل تهويد القدس، وتهميش الشتات، والتنسيق الأمني مع “إسرائيل”، يرافقه نظام من التخويف حتى من التعبير عن الرأي والتهديد بالوظيفة ولقمة العيش، لم تشهد له الساحة الفلسطينية مثيلاً حتى في ظل الاحتلال.

ومن ناحية أخرى، فهي تكرر ادعاء ديمقراطياً ليبرالياً كان يستخدم في الغرب ضد الشيوعيين والنازيين عن استخدام الانتخابات للوصول الى السلطة ثم إلغائها. وقد تكرر استخدامه في نهاية القرن العشرين عدة مرات ضد الحركات الإسلامية. وفيما عدا حالة السودان (الخطيرة فعلاً في سلوك التيار الإسلامي وانتهازيته في الوصول للحكم وسلوكه في الحكم)، ما حصل حتى الآن هو العكس في كافة الدول، إذ لم تعترف القوى المعارضة للحركات الإسلامية بنتائج الانتخابات، أو مَنَعت الانتخابات حين تبين أن الأخيرة سوف تفوز. وحالة فلسطين هي حالة كلاسيكية عن فوز انتخابي للحركة الإسلامية لم يعترف به الطرف الخاسر، وجرى تدخل دولي لغرض إفشاله والانقلاب عليه ومنع تكراره. فحكومة رام الله الحالية والمعترف بها عربياً ودولياً غير منتخبة بل معينة. وهي معيّنة برضى أمريكي - “إسرائيلي” يسهل عليها شؤونها. فكيف تسوّل نفوسٌ لأصحابها الادعاء بأن حركات المقاومة الإسلامية تستخدم الانتخابات لمرة واحدة للوصول الى السلطة ثم إلغائها، في حين أن الانتخابات في تلك المرة لم توصل أحداً الى السلطة، وتم الانقلاب عليها بتدخل دولي، ورغم الاعتراف بنزاهتها فلم يُعتَرَف بنتائجها.


انشر عبر