شريط الأخبار

هذا الذي يصعد وذاك الذي يهبط.. هآرتس

07:40 - 10 حزيران / أكتوبر 2009

بقلم: الوف بن

منذ عودته الى الحكم، غير بنيامين نتنياهو الموقف الاسرائيلي من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. رئيسا الوزراء السابقان، ارئيل شارون وايهود اولمرت عرضا عباس كـ "الفلسطيني الطيب"، وكزعيم المعتدلين المعارضين للارهاب بالمقارنة مع "الفلسطينيين الاشرار" ، ياسر عرفات وزعماء حماس. عباس كان شريك السلام، المحاور في الحوار وضيف  دائم في منزل رئيس الوزراء في القدس. بل ان اولمرت زاره مرة في اريحا، كتعبير عن التقدير لزعامته.

نتنياهو ينظر الى عباس بطريقة اخرى. وهو يتعامل معه كخصم سياسي يدير حربا دبلوماسية ضد اسرائيل، وينبغي الرد عليه بما يتناسب مع ذلك. في نظر نتنياهو عباس يمثل عالم الامس، الصراع في سبيل "حقوق الفلسطينيين" وعودة اللاجئين على رأسها، الملفات مع قوائم جرائم اسرائيل والدعاوى الفلسطينية التي لا تنتهي بـ "العدل". موظف اسرائيلي كبير يدعو عباس "ناكر الكارثة"، في اعقاب  رسالة الدكتوراة التي كتبها في 1982، وشكك فيها في عدد اليهود الذين قتلهم النازيون. ماذا نريد من أحمدي نجاد، يسأل الموظف الكبير، حين يقف على رأس السلطة الفلسطينية ناكر دبلوماسي للكارثة؟

موقف نتنياهو يتمتع بتأييد الجمهور الاسرائيلي الذي لا يستطيب على نحو خاص عباس ويرى فيه زعيما وهميا ضعيفا. رفض عباس اقتراح السلام من اولمرت يساعد نتنياهو على عرض رئيس السلطة كرافض للسلام في الرأي العام الاسرائيلي، رغم ان نتنياهو هو ايضا يعارض اقتراح اولمرت ويرى فيه مبالغا فيه وخطيرا.

ويتعامل عباس بعداء مشابه مع نتنياهو الذي يظهر له كمصدر قلق مزعج يعرقل تجسيد الاهداف الفلسطينية. في مقابلة مع "واشنطن بوست" في ايار قال عباس ورجاله ان في نيتهم القعود والانتظار الى أن يدفع الرئيس الامريكي براك اوباما بنتنياهو الى الخارج. العداء وانعدام الثقة بين عباس ونتنياهو ظهرا في اللقاء الاجباري الذي فرضه عليهما اوباما قبل نحو اسبوعين في نيويورك. فالقمة الثلاثية لم تحل القطيعة بين القدس ورام الله، بل انها ربما شددتها.

لنتنياهو وعباس مفاهيم متعارضة حول السبيل لتسوية النزاع. عباس يريد ان يعمل من فوق الى اسفل: في البداية على اسرائيل أن تعترف بالحقوق وبالمطالب الفلسطينية، وعندها تبحث التفاصيل والتطبيق. اما نتنياهو فلا يؤمن بانه يمكن حل مشكلتي القدس واللاجئين، والدولة المجردة التي يقترحها على الفلسطينيين بعيدة عن ان تشبع مواقف الحد الادنى لديهم. وبدلا من التسوية الدائمة على نمط يوسي بيلين وبيل كلينتون، يريد نتنياهو ان يعمل من الاسفل الى الاعلى: ان يبدأ بالسلام الاقتصادي وبناء مؤسسات الحكم الفلسطينية في الضفة الغربية ويؤجل الباقي الى مستقبل غير محدد – وفي هذه الاثناء تبقي اسرائيل سيطرتها على الارض وعلى المستوطنات.

فياض الاشكالي

يؤمن نتنياهو بان رئيس وزراء السلطة، سلام فياض، يمثل نهجا مغايرا عن نهج عباس وانه بدلا من الانشغال بمظالم الماضي يحاول تحسين المستقبل. فياض بالفعل يركز على تخطيط فلسطين المستقبلية، وليس المحاسبة على حربي 1948 و 1967. وأمل نتنياهو بأنه سيكون ممكنا معه تقدم السلام الاقتصادي والتقدم من الاسفل الى الاعلى دون الغرق في المناكفات عديمة المنفعة على تقسيم القدس وحق العودة. تحسين الوضع الاقتصادي في الضفة وتعزيز التنسيق الامني بين اسرائيل والسلطة، عرضا في اسرائيل كتعابير عن نجاح الطريق الجديد، غير العباسي.

ولكن عندها عرض فياض، في نهاية آب، خطته لاقامة دولة فلسطينية في غضون سنتين، وكررها في اجتماع الدول المانحة للسلطة وفي الاستعراضات لوسائل الاعلام الاجنبية. في مكتب رئيس الوزراء في القدس لم يستطيبوا الفكرة التي بدت كغطاء لتسوية مفروضة: الفلسطينيون يعلنون في 2011 عن دولة في حدود 1967، العالم يؤيدهم والاحتلال الاسرائيلي يعرض كعائق في وجه تجسيد "حل الدولتين". منذئذ ضم فياض الى جانب عباس، الى قائمة الفلسطينيين الاشكاليين في مكتب نتنياهو.

"المركز المقدسي للشؤون العامة والسياسية" برئاسة السفير السابق دوري غولد، مقرب نتنياهو، نشر هذا الاسبوع وثيقة انتقادية على خطة فياض. كاتبها، دان ديكر وبنحاس عنبري، عرضا فكرة "فلسطين في غضون سنتين" كخرق احادي الجانب لاتفاق اوسلو، الذي يحظر تغيير مكانة المناطق، وكخطر أمني على اسرائيل. فياض يتوقع من الفلسطينيين أن يتلقوا المناطق المفتوحة في الضفة، في غور الاردن، في سفوح الجبال وفي صحراء يهودا. هذه المناطق معرفة كمناطق "ج" وتوجد اليوم تحت السيطرة الاسرائيلية الكاملة. حسب وثيقة ديكر وعنبري، فهي حيوية لاسرائيل كقاطع أمني ودفاعي. هذا ايضا موقف نتنياهو الذي يرى في مناطق "ج" مناطق موضع خلاف ينبغي لاسرائيل أن تحتفظ فيها في ايديها.

المواجهة السياسية بين اسرائيل وعباس وفياض اندلعت في الاسبوعين الاخيرين حول احداث لم يكن ظاهرا علاقة بينها. نتنياهو ووزير الخارجية، افيغدور ليبرمان ادارا حملة دبلوماسية ناجحة لتأجيل البحث في مجلس حقوق الانسان للامم المتحدة في تقرير غولدستون على حملة "رصاص مصبوب" في غزة. واقنع نتنياهو الادارة الامريكية بان البحث في التقرير سيبعد فرص استئناف المفاوضات على التسوية الدائمة، والامريكيون ضغطوا على عباس الذي سحب الطلب الى الامم المتحدة. ليس واضحا ماذا وعد نتنياهو الامريكيين في المقابل. وترافقت الخطوة الدبلوماسية بضغوط وتهديدات مباشرة على عباس.

نتنياهو وليبرمان نجحا بأفضل مما توقعا: ليس فقط تأجل البحث في تقرير غولدستون بستة اشهر بل ان عباس تكبد انتقادا داخليا شديدا بسبب تنازلاته ومكانته العامة تضررت. حماس في غزة عرضت السلطة في رام الله كعميلة بائسة لاسرائيل وأمريكا. السلطة بحثت كيف ترد، ومثل نتنياهو، الذي زاد اسكان اليهود في شرقي القدس كي يجند مؤيديه في امريكا ضد اوباما، رد الفلسطينيون ايضا على الضغط الامريكي – الاسرائيلي برفع القدس الى رأس جدول الاعمال. التوتر حول الحرم ازداد، وهذه المرة قاد فياض الاتصالات الدبلوماسية والتوجهات الى الحكومات الاجنبية لكبح جماح اسرائيل. وادعت "محافل امن" اسرائيلية ردا على ذلك بان السلطة تسيطر بالتدريج على شرقي القدس.

هجوم مضاد

في الاتصالات لبلورة الصيغة لاستئناف المفاوضات السياسية، طلب نتنياهو من الفلسطينيين ان يتعهدوا بعدم العمل ضد اسرائيل في المحافل الدولية والمحاكم. واذا كانت لديهم شكاوى، فليعرضوها في المحادثات المباشرة. للفلسطينيين هذا صعب: تفوقهم الواضح في المنظمات الدولية وفي الرأي العام العالمي يستخدم من جانبهم للتوازن مع التفوق العسكري لاسرائيل وسيطرتها على الارض. في غرفة المحادثات، اسرائيل تتمع بافضلية بنيوية.

في مكتب رئيس الوزراء يعتزمون شن هجوم مضاد سياسي، ويحذرون عباس من أن اسرائيل ايضا تعرف كيف تدير صراعات دبلوماسية واعلامية. ويستعين الفلسطينيون بمنظومة كاملة من منظمات حقوق الانسان ومنظمات التضامن التي تدفع القضية الفلسطينية الى الامام وتعمل على مناكفة اسرائيل وفرض المقاطعة عليها. ولاسرائيل يوجد رد مزدوج: احراج المنظمات المؤيدة للفلسطينيين والمس بمصادر تمويلها، وكذا اقامة منظومة منظمات مضادة، تجند رواد الرأي العام في صالح اسرائيل.

في اوروبا لا يوجد لوبي سياسي مؤيد لاسرائيل مثلما في امريكا، بل ولا يمكن ان يكون، بسبب المبنى السياسي المغاير وضعف الطوائف اليهودية. ولكن يمكن تحقيق نتائج في اعمال ضغط هادىء، بجلب اعضاء برلمان، صحافيين وغيرهم من المؤثرين في الدول المستهدفة الى زيارات في اسرائيل. وليس المقصود تغيير اتجاه الرأي العام الاوروبي في صالح الاحتلال والمستوطنات – فهذا متعذر – بل الحصول على "زمن مساوٍ" وانفتاح اكبر لسماع الحجج الاسرائيلية.

علاقات اسرائيل مع السلطة الفلسطينية تصبح تشبه علاقاتها مع مصر والاردن، دولتي السلام. في كل الاحوال يجري تعاون امني، الى جانب حرب دبلوماسية يقظة في الساحة الدولية وقطيعة مطلقة بين الشعوب. المسيرة السلمية، إذن، ليست مجرد اطار لادارة اكثر أدبا للنزاع، ولا لخلق اخوة وتعاون او انفتاح مثلما يوجد بين الولايات المتحدة وكندا. ولكن المناكفة السياسية لنتنياهو مع عباس، بقدر ما هي غير لطيفة، افضل بكثير من مواجهة عنيفة اخرى.

انشر عبر