شريط الأخبار

عريب الرنتاوي يكتب ..عباس وصورة الزاهد بالسلطة...أين الحقيقة؟

10:43 - 08 تموز / أكتوبر 2009

عباس وصورة الزاهد بالسلطة...أين الحقيقة؟

كتب :عريب الرنتاوي

إذا كانت "الصورة النمطية" للرئيس الفلسطيني محمود عباس، قد أظهرته كرجل زاهد في السلطة وأضوائها وامتيازاتها، فإن تجربة الأعوام الفائتة، وبالأخص السنة الجارية، تطرح أسئلة من نوع مختلف: هل الرئيس زاهد فعلا في السلطة؟...هل محاولاته المتكررة للاستقالة و"الحرد" و"الاستنكاف" حقيقة أم مناورة؟..هي يسعى الرجل للبقاء في موقعه وبأي ثمن؟...وكيف أدار صراعاته مع خصومه ومجادليه في فتح والمنظمة وحماس وغيرهم؟

 

لست أسوّق لـ"نظرية مؤامرة"، بيد أن الرئيس وفريقه حققا نجاحا بارزا في تعميم "صورة نمطية" عن الرئيس الزاهد، حتى باتت واحدة من مسلمات السياسة الفلسطينية وواحدة من حقائق النظام الفلسطيني المأخوذة من دون جدال، بيد أن تطورات الأعوام الأخيرة، أظهرت أن "القلة القليلة" من القيادات الفلسطينية التي "لم تشتر" حكاية الزهد هذه، كانت محقة، فيما الغالبية العظمى من هذه القيادات والمراقبين شربوا "المقلب" أو أكلوا "الطعم" كما يقال، ولم يستيقظوا إلا مؤخرا ومتأخرين.

 

لقد مرت قيادة الرئيس عباس منذ مختتم العام 2004 وحتى يومنا هذا، بالعديد من المنعطفات التي كانت كل واحدة منها، تدفع للتكهن بأن الرجل سيغادر موقعه اليوم أو غدا، ويعود إلى الساحات الخلفية من حيث أتى، بيد أن اجتيازه لكل محطة من تلك المحطات الصعبة، كان يغري على ما يبدو، بمحاولة اجتياز محطات واختراق مراحل جديدة.

 

لم يقنعه فشل عملية السلام بحل السلطة أو الاستقالة من رئاستها، برغم النداءات المتكررة والواسعة...لم تقنعه الحرب على غزة و"الرصاص المصبوب" على رؤوس أطفالها بالتلويح بالاستقالة، ضغطا او احتجاجا، وهو العارف بقوة هذه الورقة...عمد إلى فكفكة حركة فتح وإعادة تركيبها على "مقاساته" عموما...استعجل عقد المجلس الوطني في دورة طارئة بمن حضر وكيفما اتفق، بذريعة استكمال الشواغر في اللجنة التنفيذية ضاربا عرض الحائط بكل النداءات الداعية لاستمهال الاستحقاق ليكون وطنيا وجامعا، ومن دون أن يكون لهذه الخطوة أي أثر من أي نوع في تغيير آليات صنع السياسة واتخاذ القرار في مؤسسات السلطة والمنظمة وفتح، بدلالة "فوضى السياسة" الأخيرة المخجلة.

 

ذهب إلى قمة نيويورك الثلاثية، ضاربا عرض الحائط بشرط تجميد الاستيطان...لا القمة أنجزت شيئا غير "تعويم نتنياهو"، ولا الاستيطان توقف أو  حتى تباطئ، بل على العكس من ذلك، فالغزوات الإسرائيلية تلاحقت وتسارعت ضد المسجد الأقصى، ومشاريع الاستيطان الهادر في القدس سجلت أرقاما غير مسبوقة، فيما الاستيطان الصامت الزاحف على أراضي الضفة يتواصل من دون كلل أو حذر أو ملل.

 

إلى أن وصلنا إلى "تقرير غولدستون" و"الانتفاضة الواسعة" التي جوبه بها الرئيس وطاقمه، والمطالبات متعددة المصادر له بالاستقالة والتنحي وإعلان تحمل المسؤولية، حيث وجدنا الرجل يبحث عن شماعات عربية وأفريقية ويريق ماء وجهه في البحث عن تبريرات وحجج وذرائع، ووجدنا رجالاته ومستشاريه يعدون العدة للبحث عن "كبش فداء" إن اقتضت الضرورة أو لزم الأمر، تحت اسم "لجنة تحقيق".

 

لقد قاد الرئيس الراحل ياسر عرفات الشعب الفلسطيني لأزيد من أربعة عقود، قيل في قيادته ما قيل، وسجلت بحقه شتى الانتقادات والاعتراضات وحتى الانشقاقات والاتهامات، بيد أن أحدا من أشد خصومه لم يجرؤ على اتهامه بـ"الخيانة العظمى" أو التعاون مع "العدو الإسرائيلي" ضد "الشقيق الفلسطيني" أو حتى "ضد الشقيق العربي"، لم يجرؤ على فعل ذلك، حتى أشد خصومه الداخليين، جورج حبش من قبل وخالد مشعل من بعد، اللذين صرحا لكاتب هذه السطور بأنهما مهما اختلفا مع عرفات فقد ظلّا على اعتقادهما بأن الرجل لن يبرح الخندق الوطني، برغم الفارق الزمني بين التصريحين والمقدر بحوالي ربع قرن أو يزيد.

 

في المقابل، بالكاد أمضى الرئيس عباس أربعة سنين أو أزيد قليلا، في قيادة الشعب الفلسطيني، ومع ذلك وجهت إليه مرارا وتكرارا، عن حق أو في سياق المناكفات والنكايات، من قبل رفاقه ومحازبيه فضلا عن خصومه ومجادليه، تهما ترقى لمستوى "الخيانة الوطنية" و"التواطؤ مع العدو" سواء في جريمة اغتيال الرئيس عرفات أو في جرائم الحرب على غزة، أو في سياقات جنيف وغولدستون وغيرها.

 

ولا أدري كيف يمكن لهذا الوضع أن يستقيم أو أن يستمر، وكيف يمكن لمختلف قوى الشعب وفصائل وكيانته وشرائحه، أسراه وأسر شهدائه، أن تأمن وتطمئن إلى أن قضيتها في أيد أمينة، لا أدري كيف يمكن الاستمرار بالجلوس على هذا المقعد المحفوف بكل الاتهامات والإدانات، ما لم يكن "الجالس" مهجوسا بالسلطة ومفتتنا ببريقها وامتيازاتها، وسخيا في دفع كل الأثمان التي تمكنه من "الاستواء على عرشها

 

انشر عبر