شريط الأخبار

نعم... كونوا ملكيين اكثر من الملك ..عبد الباري عطوان

08:15 - 07 تموز / أكتوبر 2009

نعم... كونوا ملكيين اكثر من الملك ..عبد الباري عطوان

تتحمل السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس شخصياً المسؤولية الاكبر في خطيئة سحب مشروع قرار التصويت على تقرير القاضي ريتشارد غولدستون، حول جرائم الحرب الاسرائيلية في قطاع غزة، المقدم الى مجلس حقوق الانسان الدولي، ولكن هذا لا يبرئ في الوقت نفسه مجموعة الدول العربية والاسلامية، ولا يعفيها من المسؤولية الاخلاقية والسياسية الملقاة على عاتقها، بالرضوخ لطلب سفير السلطة بالطريقة المخجلة التي رأيناها.

قضية فلسطين ليست، ولا يجب ان تكون قضية تهم ابناءها فقط، فهي قضية عربية واسلامية، الى جانب انها قضية انسانية ايضاً، ولهذا لا يجب ان تترك لمجموعة باعت ضميرها الوطني، وتخلت عن واجباتها، وتاجرت بدماء شهدائها، وتحولت الى أداة في يد الاعداء والمتربصين لتحقيق مصالح شخصية.

الدول العربية والاسلامية يجب ان تدعم من يتمسك بالثوابت الوطنية، ويقاتل من اجل قضيته، وان تتصدى لكل منحـــرف عنها، اللهم الا اذا كانت هذه الدول او حكوماتها تبحث عن اعذار يوفــرها لها بعض من نصّبوا انفسهم وكلاء عن الشعب الفلسطيني وتجاوزوا كل الخطوط الحمراء.

ان يكذّب الدكتور احسان اوغلو رئيس منظمة المؤتمر الاسلامي، المندوب الفلسطيني في جنيف، ويؤكد انه هو الذي اتصل بالمجموعة العربية والاسلامية طالباً سحب مشروع قرار التصويت، فهذا امر جميل، وموقف شجاع يحسب له، ولكن ان يرضخ وزملاؤه لهذا الطلب رغم مخاطره على الأمتين العربية والاسلامية، وبالسهولة التي رأيناها، فهذا ما نأخذه عليه وعلى زملائه جميعاً.

الشيء نفسه نقوله ايضاً الى الحكومة المصرية، والسيد احمد ابو الغيط وزير خارجيتها، الذي اكد على الملأ، وفي مؤتمر صحافي، انه لم يتم اي تشاور من قبل السلطة ورئيسها مع حكومة بلاده حول قرار التأجيل المذكور، وانه سمع به في الاذاعات وقرأه في الصحف. فهل يعقل، وهل من المقبول ان تتجاهل السلطة بهذه الطريقة المهينة اقرب حلفائها في القاهرة؟ والسؤال الآخر، ماذا ستفعل الحكومة المصرية، وقد تكاثرت عليها الاهانات اخيراً، للرد على هذه الاهانة؟

' ' '

قد يخرج علينا احدهم صارخاً في وجوهنا، مكرراً العبارة المشهورة 'هل تريدوننا ان نكون ملكيين اكثر من الملك' لتبرير هذا التخاذل العربي؟ نقول له نعم نريدكم ان تكونوا كذلك، لانه عندما ينحرف الملك يجب ان يكون هناك من يمنعه من الانحــراف لمصلحة الامة والعقيدة والقضايا المصيرية.

الامة العربية تصدت للرئيس المصري الراحل محمد انور السادات عندما خرج عن الثوابت الوطنية، ووحدة الصف العربي، وفرضت مقاطعة صارمة على نظامه، وشكلت جبهة الرفض، ونقلت مقر الجامعة العربية الى تونس، ولم يقل الزعماء العرب في حينها انهم لن يكونوا ساداتيين اكثر من السادات نفسه.

ينتابنا شك كبير في ان قرار السلطة وجد هوى لدى السفراء العرب وحكوماتهم في جنيف، فتجاوبوا معه فوراً، واستخدموه كذريعة للهروب من مسؤولياتهم الاخلاقية والوطينة. واذا صح ذلك، وهو صحيح فيما يبدو، فهذه هي ذروة المأساة.

هذا التقاعس العربي يجب ان يجري تصحيحه، تكفيراً عن ذنب اولاً، وانتصاراً لدماء الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن كرامة الامة والعقيدة، اثناء العدوان الاسرائيلي المجرم على قطاع غزة، والذين خذلتهم سلطتهم بشكل مخجل في جنيف ثانياً.

التحرك العربي يجب ان يكون في اتجاهين: الاول يتلخص في حمل تقرير غولدستون الى مجلس الامن الدولي لاستصدار قرار باحالته الى محكمة جرائم الحرب في لاهاي، اسوة بما حدث مع تقارير مماثلة صدرت بحق مجرمي الحرب في البوسنة، والــــثاني معاقبة السلطة ورئيسها سياسياً ودبلوماسياً، حتى لا تتكرر هذه المأساة، ولوضع حد لهذا التفرد المعيب بالقرار الفلسطيني، بمعزل عن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية.

' ' '

لا نعرف كيف سينظر هؤلاء الذين اخرجوا اسرائيل ومجرمي الحرب فيها من قفص العدالة، الذي وضعهم فيه تقرير غولدستون، مقابل عدم إغضاب هيلاري كلينتون او افيغدور ليبرمان ورئيسه نتنياهو. لا نعرف كيف سينظرون في عيون اهالي اكثر من 400 طفل مزقت اشلاءهم القذائف والصواريخ وقنابل الفوسفور الاسرائيلية.

لا نعرف كيف سيواصل هؤلاء ادعاءاتهم بأنهم يمثلون الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، ويستمرون في التفاوض باسمه، بعد تنكرهم المعيب لدماء الشهداء والجرحى، بالطريقة المؤلمة والمخجلة التي شاهدناها في جنيف.

نشعر بالخجل، ونحن نرى بعض قيادات حركة 'فتح' تخرج على شاشات التلفزة، تدافع عن هذه الخطيئة، انطلاقاً من العصبية الفتحاوية، وهم يعرفون جيداً انهم في موقف ضعيف، وان دفاعهم غير مقبول، ناهيك عن كونه غير مقنع، لان القنابل التي مزقت اجساد الاطفال في قطاع غزة، وقبلها في جنين لم تفرق بين 'فتحاوي' او حمساوي'.

كنا نتمنى لو ان المظاهرة التي انطلقت في رام الله احتجاجاً على كارثة جنيف، كانت من تنظيم حركة 'فتح'، والشرفاء فيها، وهم الاغلبية الساحقة، هذه الحركة التي قادت المسيرة الوطنية لأكثر من اربعين عاماً، وما زالت، وقدمت عشرات الآلاف من الشهداء والأسرى.

فمثل هذه الخطوة لو تمت، والوقت لم يفت بعد، ستعيد الاعتبار للحركة في اذهان الملايين من الفلسطينيين والعرب، وستشكل رادعاً لكل الذين يحاولون ارتكاب الخطــايا في حق الشعب الفلسطيني وشهدائه باسمها.

في الختام نتوجه بالشكر كله لكل الذين شاركوا في 'جريمة جنيف' واساؤوا الى شهداء العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة. شكراً لهم لانهم مزقوا الاقنعة التي تستروا خلفها طوال هذه السنوات، وكشفوا عن حقيقة وجوههم البشعة المتآمرة، واستخفافهم بالشعب الفلسطيني، بل وبحلفائهم العرب أنفسهم. يبدو اننا كنا بحاجة الى مثل هذه الصدمة لنرى ان هذه السلطة مجرد وكيل معتمد، ليس لاجهزة الامن الاسرائيلية في الضفة الغربية فقط، وانما لوزارة الخارجية الاسرائيلية ورئيسها ليبرمان في المحافل الدولية ايضاً.

 

 

 

 

انشر عبر