شريط الأخبار

"يوسف غزة" الصغير.. من غيابات السجن إلى الحرية

09:14 - 03 حزيران / أكتوبر 2009

"يوسف غزة" الصغير.. من غيابات السجن إلى الحرية

كتبت : علا عطا الله

نفسٌ مُتقطع يتبعه آخر أكثر بطئا ووجعا... تضع يدها على قلبها فتظن لوهلة أنه توقف... ترتفع أناملها بخوف إلى عيونها تتحسس هالات التعب والإعياء الشديد... تدور بها الدنيا وتكاد تقع... وفجأة: "فاتيما (فاطمة)... أنتي هامل" (أنتِ حامل)؟!!

وقبل أن تلتفت إلى وجه صاحب الصوت الكريه، تربت فاطمة الزق (39 عاما) على بطنها وتنحدر على خدها دمعة مذاقها مزيج بين أمل وألم...

وتواصل الأم الخائفة على جنين عرفت لتوها هويته احتضان بطنها فيما ينشغل لسان قلبها بترديد دعاء سري: "يا رب...ياااارب ارزقني بـ"يوسف" يؤنس وحدتي وأخرج وإياه من ظلمات السجن..".

وتمر الأيام والليالي العجاف ويطل يوسف الصغير بوجه يشع نورا لتتلقفه الأم الأسيرة بفرحة تنسيها رحلة عذاب سجون الموت.

كما أكرمت يعقوب

فاطمة التي تحمل الآن لقب "أسيرة مُحررة" تحملق في السماء ومن لسانها ينهمر الحمد والثناء القوي: "شكرا يا الله... لقد أكرمت طفلي يوسف... وأكرمتني كما أكرمت يعقوب".

"إسلام أون لاين "وبعد أن شاركت الأسيرة فرحة الحرية أخذت تنصت لرواية بدأت بسؤالنا عن سر اسم يوسف الذي استيقظ في غيابة السجن.

وقبل أن تروي حكايتها تُغمض الأم عيونها وتفتحها دونما عجل تستنشق خلالها نسمات تشرينية تبتسم لبرودتها: "هذا الهواء يُخبرني أنني أعيش واقعا وحقيقة.. ليس حُلما ولا خيالاً.. الحمد لله في كل سجدة وركعة على هذا الكرم..".

وكانت إسرائيل قد أفرجت الجمعة 2-10-2009 عن 19 أسيرة بينها الأسيرة الزق وابنها "يوسف" فيما أرجأ الإفراج عن ابنة شقيقها الأسيرة الـ20 "روضة حبيب" إلى الأحد 4-10-2009.

ويأتي هذا الإفراج في إطار الاتفاق الذي أبرمته حركة "حماس" وإسرائيل بوساطة مصرية وألمانية مقابل تسلم الاحتلال شريط فيديو لمدة دقيقتين يظهر فيه الجندي الأسير جلعاد شاليت.

 

فاطمة ترجع بذاكرتها للوراء قليلا لتقف عند تاريخ اعتقالها (20/5/2007) أثناء مرافقتها لابنة أخيها في رحلة للعلاج في مستشفيات الضفة الغربية.

 

تقول بصوت يخاف من ماض بشع: "بعد تعذيب نفسي شرس وتحقيق دام لأكثر من ثلاث ساعات اقتادني الاحتلال من غرفة صغيرة في معبر بيت حانون"إيرز" (شمال غزة) إلى إحدى الزنازين في سجن عسقلان وبعد إخضاعي هناك لتحقيق جديد تتخلله فحص طبي أخبروني بأني حامل".

أصغر أسير

فاطمة التي تمنت في وقت سابق أن يرزقها بـ"ابنة ثالثة" تكون أختا لـ"سمية وسارة" أخذت تتمنى أمام مشهد الخوف من القادم بأن يهديها الله طفلا ذكرا تُسميه يوسف وبصوت دافئ تواصل روايتها: "شعرت بضيق شديد.. وأنني وحيدة.. ولما أخبروني أنني حامل.. تذكرت على الفور قصة سيدنا يوسف وكيف أنجاه الله من ظلمات السجن فبدأت أدعو وأدعو.. صحيح أنني شعرت بحزن وأسى على طفل سيلعق معي وجع وعذابات السجن إلا أنني شعرت بأن طفلاً سيحمل اسم "يوسف" سيمحو كل الهموم".

وفي 18/1/2008...جاء يوسف الذي تقلب وجعا مع دموع أمه واكتوى بأنات تعبها تُخبرنا أنها حملته طويلا وبكت فرحا لرضيع بهر الأعداء بجماله وحلاوة عيونه المُلونة البراقة.

يخرج يوسف من مستشفى مئير بكفار سابا هو وأمه بعد ساعات من ميلاده لتتلقفه أرضية سجن تلموند ويبكي جسده الساكن زنزانة لا سرير فيها يضمه ولا هواء نقيًّا يداعب طفولته الغضّة.

ويعلو صوت مؤسسات حقوق الإنسان لإنقاذ أصغر أسير في العالم ولكن دونما جدوى تقول فاطمة: "عذابي وما أتعرض له من تعذيب نفسي يمتد أحيانا إلى ضرب وشبح وعنف جسدي كان يهون أمام حزني على صغيري الذي يكبر وينمو دون رعاية صحية ولا بيئة سليمة تمنحه ما يستحق.. لقد ناضلت طويلا من أجل أن تقبل إدارة السجن بـ"منحي سريرًا صغيرًا له..".

إنّ الله معنا

وبعد أيام سوداء قضاها وهو جنين استقبل يوسف أياما أشد حلكة وهو يتنفس هواء ملوثا ويزحف على أرضية رطبة عفنة وتدخل أمه والأسيرات في معارك شرسة من أجل الإتيان له بطعام يناسبه فيرمون له حبات الخيار والطماطم المعطوبة فيصنعون بماء دموعهم حساء له.

وتتذكر الأم كيف بكت بمرارة وحرقة حين غادرت غادة ابن العامين هي وأمها الأسيرة خولة الزيتاوي السجن تاركة يوسف ستة أشهر: "لقد كانت تلاعبه وتحبه.. كانا يشعران بالألفة معا.. لأنها صغيرة وتشبهه.. وبعد أن أطلق سراحها شعرت بغصة.. صار وحيدا بين الكبار.. وازداد بكاؤه..".

ويومها رسمت الأم قفصا تخرج منه عصفورة حملت اسم غادة وإلى جانبها العصفور يوسف ظلّ ينتظر ساعة حريته.

وبالرغم من اتهام الاحتلال الدائم للأسيرة فاطمة وتوقيفها دون محاكمة فإنها أكدت أن ارتياحا غريبا كان يسكن أعماقها وتعترف: "كنت واثقة بأنني ويوسف سنخرج من ظلمات السجن.. كانت الأسيرات يخشين لحظة الفراق بيني وبينه بعد إكماله لعامين غير أني كنت أبتسم وأردد على مسامعهم: "إن الله معنا والليل لا بد أن ينجلي..".

 

اليوم والأسيرة فاطمة تصافح فرحة حريتها تُحاول أن ترتب الأشياء من جديد لطفلها الرضيع فتمنحه حديقة ألعاب تليق بحضوره وتسعى بفرح الدنيا لاستكمال كل ما نقص عليه في أيام الظلام.

وبسعادة ترتسم على وجوه إخوته الثمانية (ما بين 21 عاما.. إلى خمس سنوات) يتنافس كل واحدٍ على حمله مؤكدين لـ"إسلام أون لاين" أن كل الأيام القادمة له.

الأسيرات

يوسف الذي لم يتقبل أن نقترب منه لكي نحمله ونداعبه بدا أنه يحتاج لوقت طويل ولذاكرة جديدة كي يدرك أن ثمة حياة أخرى في انتظاره وستضطر الأيادي المتلهفة لاحتضانه لاحتساء الصبر لكي ينسى مدللهم رائحة الحديد وصوت السجانين ولكي يقذف من شفتيه أسماء عبرية حفظها داخل الجدران الضيقة ويردد بلغة الحرية: "هذه شمس.. هذا هواء.. إنه عصفور.. إنها شجرة".

 

الأم المنهمكة في مصافحة مستقبليها والإجابة على أسئلة الإعلاميين لم تنس بعد كل جملة تُرددها بأن تشكر المقاومة على هذه الصفقة وتُذكر آسري الجندي الإسرائيلي بأن فرحة اليوم ستبقى منقوصة ولن تكتمل إلا بالإفراج عن كل الأسيرات اللواتي يعانين من ظروف تزداد قسوتها يوما بعد يوم وبصوت حزين تختم حديثها: "الأسيرات أحياء ولكن في قبور.. الإهمال يحيط بهم من كل جانب وعذابهم يكبر ويشتد.. فأين الأحرار وأصحاب الضمائر الحية من أوجاعهن وذل ما يكابدن..".

 

وبخروج الـ20 أسيرة من السجون الإسرائيلية ستبقى نحو 70 أسيرة في السجون ينتظرن بفارغ الشوق أن تصافح أرواحهن شمس الحياة ويستنشقن هواء الحرية.

 

انشر عبر