شريط الأخبار

الضفة لم تنتصر لغزة، فهل تنتصر للأقصى ؟!. كتب : عريب الرنتاوي

08:37 - 30 كانون أول / سبتمبر 2009


الضفة لم تنتصر لغزة، فهل تنتصر للأقصى ؟!.

كتب : عريب الرنتاوي

قفزت بعض القراءات لأحداث المسجد الأقصى أمس الأول، إلى التكهن بقرب اندلاع الانتفاضة الثالثة، مسترجعة وقائع الثامن والعشرين من أيلول / سبتمبر 2000، عندما هب الفلسطينييون دفاعا عن مسجدهم، وتطهيرا له من دنس القدم الهمجية لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون، وكانت شرارة الانتفاضة الثانية التي حملت اسم "انتفاضة الأقصى".

 

لكن هذه القراءات لم تأخذ في الحسبان أن مياها كثيرة جرت في ينابيع الضفة الغربية منذ تلك الواقعة / الشرارة حتى يومنا هذا، فالضفة جرت استباحتها وإعادة احتلالها من قبل سلطات الاحتلال في "حرب السور الواقي" و"حصار المقاطعة" و"اغتيال ياسر عرفات"، والضفة تعرضت خلال العامين أو الثلاثة أعوام الأخيرة لأوسع وأشمل عملية "غسيل دماغ" تارة تحت عنوان التنسيق الأمني والوفاء بالتزامات المرحلة الأولى من خريطة الطريق، وأخرى بدعوى مواجهة "الانقلابيين والظلاميين" وثالثة بذريعة "بناء المؤسسات توطئة لبناء دولة رغم أنف الاحتلال" ورابعة تحت شعار "ضبط فوضى السلاح والفلتان الأمني" إلى غير ما هنالك من ذرائع وحجج أفضت جميعها إلى تجريد الضفة من غضبها وأنيابها ومخالبها.

 

والحركة الوطنية الفلسطينية منذ ذلك التاريخ، فقدت قائدها ورمزها ومؤسسها ياسر عرفات، والذي من دونه ما كان للانتفاضة الثانية أن تنطلق وأن تتحول شراراتها إلى لهيب ممتد، ومنذ غيابه، ظلت الساحة الفلسطينية حتى يومنا هذا تشكو فراغا في القيادة الكارزمية، وأسقطت عليها بالمظلات، رموز وقيادات مفصلة على مقاس "الدول المانحة" وذراعها السياسية المجسد في "الرباعية الدولية" وموفدها المقيم إلى المنطقة.

أما عن الفصائل فحديث ولا حرج، فكثير منها لم يعد له من اسمه نصيب، ولم يبق من مظاهر وجوده سوى رموز غزا الشيب والصلع رؤوسها، وأكل الدهر عليها حتى التخمة، قادتها وكوادرها وعناصرها باتوا موظفين رسميين على كشوف حكومة تصريف الأعمال، ومرجعياتها لا تتخطى سقف "الجهات الفلسطينية المانحة لموازناتها" وهي جهات معروفة ولا حاجة لتسميتها.

 

والمشروع الوطني الفلسطيني، اختزل بعد ذلك التاريخ، على يد الورثة والخلفاء والمصرفيين ومصرفي الأعمال، من مشروع "عودة وتقرير مصير وبناء دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشريف" إلى مشروع "المفاوضات حياة" ولا بديل عن المفاوضات العاثرة سوى المزيد منها، مشروع "تعلم بناء الدولة الفلسطينية في سنتين من دون معلم"، دولة البقايا والزوائد، دولة الجدار والاستيطان المقيم، دولة الكانتونات التي بالكاد ترقى إلى مستوى "فيدرالية" من "الفيدراليات المعاصرة".

 

الضفة الغربية لم تنتصر كما ينبغي لغزة الرصاص المصهور والفوسفور الأبيض والحصار المحكم والجوع المقيم، مع أن الحرب على غزة لا تقل خطورة وهمجية وبربرية عن محاولة اقتحام الأقصى، فكيف ينتظر منها وهي الرازحة تحت نير قبضتين أمنيتين حديديتين، أن تنتصر للأقصى والقدس والمقدسات، وأن تشعل فتيل انتفاضة ثالثة، كيف يمكن لبيت لحم أن تنتصر لجارتها القدس، وهي التي استقبلت بالأمس وبمواكبة أمنية فلسطينية، القائد العسكري الإسرائيلي الجديد للضفة، هذه حقائق مؤسفة ومخجلة، يتردد البعض عن البوح بها ترفعا واحتراما لتاريخ طويل من الكفاح التحرري للشعب الفلسطيني في الضفة الفلسطينية المحتلة،  لكن ذلك لا ينبغي أن يمنعنا عن قول الحقيقة وتفادي الوقوع في فخ الرهان المبكر على حركة الشارع الضفاوي المنهك بقيود التنسيق الأمني، كما أن "صمت الضفة" لا ينبغي أن يدفعنا لليأس من إمكانية تبدل الأحوال، فالضفة التي تمردت على الاحتلال في بواكير سنواته الأولى وظلت عصية على التدجين والاحتواء، ستنتفض لكرامتها واستقلالها وحرياتها، وستنكس الاحتلال ومختلف العوائق التي تحول دون كنسه.

 

 

انشر عبر