شريط الأخبار

الحروب من الجيل الخامس: نتنياهو وتحديات الصراع المقبل ..هادي قبيسي

12:12 - 29 كانون أول / سبتمبر 2009


الحروب من الجيل الخامس: نتنياهو وتحديات الصراع المقبل

هادي قبيسي

 ـ السفير 28/9/2009

عقود طويلة من الجهد الاستعماري بلورت منهجية خاصة لمواجهة المقاومة الشعبية، تميزت بالوقت الطويل الذي تتطلبه، وبمواجهتها لمقاومة الشعب بعد احتلال أرضه، من خلال عمليات التطهير الممنهج لمناطق انتشار وتكثف المقاومة، المعتمدة على الاختفاء والتهرب من مواجهة تكتلات الجيش المحتل جبهوياً.

أطلق على هذا النوع من الصراعات عنوان «الحرب من الجيل الرابع»، لتمييزها عن الحرب بين الجيوش الكلاسيكية. ومؤخراً بدأ الحديث عن «الحرب من الجيل الخامس»، التي شكلت حرب تموز 2006 منطلقاً في نشوئها كنوع جديد من الحروب. نشأ هذا التحول في الصراع بين الجيش الكلاسيكي وقوات المقاومة الشعبية من عدة أسباب، بعضها مباشر والآخر مساعد.

الأسباب المباشرة يمكن تلخيصها في تطور منظومة وطريقة عمل المقاومة الشعبية. ففي المنظومة لم يعد ممكناً إطلاق تسمية «الحرب غير النظامية» على نشاط المقاومة، ومن جهة أخرى حازت المقاومة على أسلحة تقليدية مثل الصواريخ الباليستية المتوسطة المدى، صواريخ بر ـ بحر متطورة، وصواريخ مضادة للدبابات العالية التقنية، أما في طريقة العمل فلم يعد التهرب من مواجهة التشكيلات النظامية المعادية سمة ثابتة، حيث استطاعت المقاومة الدفاع عن الأرض والثبات فيها، ويقول الباحث العسكري رالف بيترز، الذي زار لبنان خلال حرب تموز، في مقالة لمجلة «قوات الجيش الأميركي»: لم يبنِ حزب الله خطاً دفاعياً على شاكلة خط ماجينو، بل أقام شبكة من الدفاعات التي يمكنها امتصاص الاختراقات والاستمرار في القتال، لتقوم بمهام إنهاك القوات المتقدمة.

تتميز الحرب من الجيل الخامس بأنها «حرب هجينة» تدمج فيها المقاومة بين النمط التقليدي ونمط المقاومة الشعبية. ويعتبر الخبير في قضايا حرب العصابات فرانك هوفمان، في مقالة لمجلة «فصلية الأركان المشتركة» الصادرة عن كلية الدفاع الوطني في الولايات المتحدة، أنه في العديد من الجوانب، يمثل تنظيم حزب الله، نمواً متصاعداً للتهديدات الهجينة. وفي ورقة بحثية قدمها لمركز دراسة التهديدات المستقبلية، التابع لقوات المارينز الأميركية، تحت عنوان (تعريف الحرب الهجينة) يقول هوفمان إن «الحرب الهجينة تدمج مجموعة من أنماط القتال المختلفة، بما في ذلك: القدرات التقليدية، التكتيكات والتشكيلات غير المنظمة والأعمال الإرهابية. ويستفيد العدو (المقاومة) من كل أشكال القتال، وبتزامن أحياناً، ليحصل على التفوق. ويعبر حزب الله بوضوح عن قدرة القوى غير الحكومية على استهداف نقاط الضعف في الجيوش ذات النمط الغربي، وتطبيق معايير الحرب الهجينة.

الأسباب المساعدة على نشوء الحروب من الجيل الخامس تتلخص في قيام إسرائيل بالهجوم نحو أراضٍ تنتشر فيها قوات المقاومة في استعداد قتالي، هجوماً خاطفاً يهدف لردع العصابات وإضعافها ثم الخروج من تلك الأراضي، معتمدة التكتيكات التالية: ضرب أهداف وأهداف محتملة، الصدم والترويع لكسر إرادة القتال، فض الالتفاف الشعبي تحت الضغط الدموي، اعتماد سلاح الجو عبر الاستفادة من الاستخبارات.

حرب لبنان تشكل منطلقاً للنقاش الدائر حول طبيعة الحرب في المستقبل، غير أنها لا تشكل النموذج الكامل للحروب من الجيل الخامس لأسباب عدة. انطلقت الحرب في تموز 2006 إثر عملية الأسر كرد فعل طبيعي، ثم دفعت الولايات المتحدة الكيان الصهيوني لخوض الحرب التي لم تكن لدى القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية أية رؤية واضحة لكيفية إدارتها، ولم تتمكن من بلورة رؤيتها طوال مدة الحرب. الطرف الآخر لم يكن مستعداً لخوض حرب طويلة بهذا الشكل، بل كان أقصى ما يتوقعه أسبوعين من القتال، وقد صدقت توقعاته، حيث تدخلت كوندليسا رايس بعد أسبوعين واتصلت بأولمرت خلال جلسة المجلس الوزاري المصغر لتفرض عليه تحت الضغط الاستمرار في الحرب. انعكس ذلك على مسار الصراع تدرجاً في الرد الذي مارسته المقاومة وأسمته الرد المتدحرج، وانعكس كذلك على توصيف الحرب في تموز وتقييمها، لأنها لم تكن تسير بحسب خطة واضحة من الطرفين.

الحرب المقبلة ستكون حرباً من الجيل الخامس بشكل مخطط له، بعد أن أدرك الطرفان ميكانيكيتها الداخلية وطبيعتها الاستراتيجية وشروطها التكتيكية الخاصة، وأصبح لها هوية خاصة، ويستعد لها الطرفان أحسن استعداد ممكن سيستمر حتى ضغط الزناد الأولى. ستتميز الحرب المقبلة بقصر وقتها لأن اعتماد إسرائيل على نقاط التفوق في الجيش الكلاسيكي وإغراق الجبهة بالقوات البرية للفرق الخمس لحل إشكالية «التهديدات الهجينة» التي يمثلها حزب الله، سيزيد من عدد الإصابات في القوات الغازية ومن سرعة سقوط الجنود نظراً للاستعداد والجهوزية في الجانب اللبناني.

ترسانة السلاح، التي أشار إليها قائد المقاومة، ليست بالتأكيد في مجال الأسلحة الفردية المتوافرة أينما كان، بل هي في مجال الصواريخ بطبيعة الحال، هذه الترسانة والأضرار التي ستلحقها بالمدن الإسرائيلية الرئيسية ستمنع العدو من إطالة أمد الحرب اعتماداً على استهداف المدنيين بعد فراغ بنك الأهداف.

تكتيكياً ستكون الحرب الإسرائيلية المحتملة على لبنان غير فعالة في استهداف مراكز المقاومة ومقراتها بعد تفكيك الشبكات العميلة الرئيسية، وسيتمحور الجهد الاستخباراتي الإسرائيلي خلال الحرب على كشف مقر غرفة العمليات السرية للمقاومة حيث يجتمع السيد بأركان حربه، رغم الأمل الضعيف بإمكانية النجاح، ذلك أن هذا هو المخرج الوحيد لنتنياهو إذا قرر التورط مجدداً في مستنقع الجنوب حيث ولد الجيل الخامس من الحروب، والذي سيطبع حروب القرن المقبل بطابعه بحسب الخبراء العسكريين الأميركيين.

انتقل الصراع بين إسرائيل وحزب الله، بعد التحرير عام 2000، من حرب الأدمغة، إلى حرب المفاهيم العسكرية، وهو أعلى مستوى للصراع والأكثر تعقيداً ومفاجآت. 

 


انشر عبر