شريط الأخبار

ذهبية الكذب لنتنياهو..عقلة عرسان

06:33 - 25 حزيران / سبتمبر 2009

ذهبية الكذب لنتنياهو    

علي عقلة عرسان

يوم الخميس 24/9/2009 كان يوم ذهبية الكذب الصهيوني أمام الأمم المتحدة في نيويورك، وقد استحقها نتنياهو بجدارة وسجل أرقاماً قياسية، وبلغ ذرى في الكذب المدروس غير مسبوقة، سجلها خطابه أمام الهيئة الدولية.. ومن ذرى الكذب التي بلغها أقواله: "إن إسرائيل تتعرض للعدوان من حماس منذ ثماني سنوات، وأنها تدافع عن نفسها ضد صواريخها" و "إن اليهود يتحركون في أرض أجدادهم في فلسطين" و "إنه وحكومته يريدون السلام، ولكن على الفلسطينيين أن يعترفوا بيهودية الدولة فقط." و "أن تقرير القاضي اليهودي غولدستون عن الجرائم التي ارتكبت في غزة منحاز ضد إسرائيل.".؟!

ليس جديداً على الصهيوني أن يكذب بصفاقة ووقاحة لا مثيل لهما، فهذا عرفناه عنهم منذ دهر الداهرين، وليس جديداً على نتنياهو أن يكون " مدرسة" في الكذب.. فهو من سادة قومه في هذا المجال، وقد وصفوه بذلك حين منحوا حكومته الثقة.. وإذا سجل لهم أرقاماً قياسية جديدة في هذا المضمار أمام الأمم المتحدة فإن الأمر لا يشرِّف أبداً.

وإذا كان الكذب الصهيوني ينطلي على كثيرين فإن كل عاقل منصف في العالم اليوم أصبح يدرك أن حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وغزة كلها قيد الاحتلال والحصار والعدوان والقصف الصهيوني بالطائرات والمدفعية والصواريخ منذ سنوات وسنوات، وأن المقاومة الفلسطينية كلها وعلى رأسها حماس مستهدَفة، من الكيان الصهيوني وحلفائه وحتى من أطراف داخل البيت الفلسطيني ذاته.. بوصفها مقاومة للاحتلال، وحركة فلسطينية تتعلق بحق العودة والحرية والاستقلال، وتسعى إلى تحرير وطنها ومقدسات العرب والمسلمين من عدو غاصب لا صلة له بهذه الأرض " فلسطين"، أرض كنعان العرب التي دخلها غازياً، وأقام في قسم منها دولة لم تدم أكثر من خمسة وسبعين سنة " 993 ق م 924 ق م تقريباً"، طرد بعدها من فلسطين ولم تبق له بها صلة تذكر.. بينما بقي فيها العرب الكنعانيون، أهلها الأصليون، الذين لم يغادروها أبداً حتى حين غُلبوا على أمرهم فيها.

العرب هم أهل البلاد الأصليين الذين لا يجوز أن ينازعهم فيها أحد، وهم المهددون بالقوة الوحشية العنصرية الصهيونية، وما نتنياهو وأمثاله إلا غزاة وسوف يلقون مصير الغزاة على هذه الأرض العربية فلسطين.

إن نتنياهو يريد دولة يهودية في فلسطين معتَرَفاً بها من العرب عامة والفلسطينيين خاصة، لكي يتيح له ذلك ترحيل ما بقى من الفلسطينيين عن وطنهم الأصلي، ولكي يمنع حق العودة عن الشعب الفلسطيني المشرد من أرضه منذ أكثر من ستين سنة.. وحين ينادي بعض العرب بدولة لقوميتين "يهودية وعربية"، لا يرون الواقع الذي ينطوي على مشاريع ترحيل صهيونية ضد فلسطين يتمسكون بأرضهم ويعانون من الاضطهاد، وأولئك المسؤولون العرب يحلمون أو يتوهمون أو يهربون إلى الأمام للتخلص من المسؤولية عن قضية فلسطين وشعبها.

يكذب الصهاينة حين يتكلمون عن السلام والكرامة، في الوقت الذي ينتهكون فيه الكرامة ويكرهون السلام ويؤسسون لاستمرار التوتر في المنطقة كلها.. إنهم يمضون في العدوان والاحتلال والاستيطان والتهويد وحصار الشعب الفلسطيني.. وينهبون ما تبقى له من أرض وطنه.. ويستمرون في احتلال الجولان وأجزاء من جنوب لبنان فعن أي سلام وعن أية كرامة يتكلم الكذاب الأشر نتنياهو؟ يقول المثل الشعبي عندنا: " مجنون يحكي وعاقل يسمع"، ولكن في هيئات الأمم المتحدة المجيَّرة لمصلحة غطرسة القوة والعدوان والنهب ينقلب الأمر رأساً على عقب.. فهناك مجنون يحكي ومعجب به يستمع له ويفق. وتكون النتيجة جنون مطبق وغطرسة مأخوذة إعجاباً بأنواع الجنون.. وهذا لا يقيم للحق قائمة، ولا يؤدي إلى أمن وسلام واستقرار وازدهار من أي نوع في عالمنا المنكوب بأقويائه وبمنطق القوة الذي يحكمه ويتحكَّم به، وبعصابات إرهاب تشكل دولة، وإرهاب دولي يستهدف عرباً ومسلمين ويتلطى خلف الحرب على الإرهاب .  

يتكلم نتيناهو عن السلام ودولة فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة؟! فكم هي مهلكة ومقلقة دولة فلسطينية لا تملك أي مقوم من مقومات الدولة والدفاع عن النفس والعيش في أدنى مستويات الأمان.. إنها " دولة" كما يقول صاحب ذهبية الكذب، مفزعة، تهدد ثالث مصدِّر للسلاح في العالم " إسرائيل"، ومن يمتلك أسلحة نووية، وترسانة أسلحة متطورة من كل نوع، ومن لديه جيش بلا أخلاق، يقتل ويدمر ويتجاوز الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية والإنسانية، ويحتل أرض دول عربية أخرى إضافة إلى فلسطين، ويعتبر الحليف الأول للولايات المتحدة الأميركية أكبر قوة عدوان في العالم؟! نتنياهو خائف على السلام، ويريد أمن " إسرائيل"، ولذلك يريد من للفلسطينيين أن يُسحقوا وأن يختفوا عن وجه الأرض، لكي يشعر الجبان التاريخي بالأمان، ويطمئن إلى ما سرقه من شعب أصيل محاصر وتنتهك حقوقه كلها؟ ولكن ما يطلبه الصهاينة لن يكون، ولن ينطلي الكذب الكبير على العالم كله إلى أبد الآبدين.. فهناك يقظة، وهناك بعض العاقلين يستمعون.. وهناك من بدأ يدرك إلى أي حد انحط الصهاينة أخلاقياً، وإلى أي مستوى بلغ كذبهم وتشويههم للوقائع والحقائق والتاريخ.. وربما أخذ يدرك كثيرون أن ذلك لن يوقفه عند حد، أو يردعه ولو نسبياً، إلا مجتمع دولي أخلاقي وقانون دولي محترم ومرعي التطبيق، وهيئات دولية مستقلة لا تخضع للأقوياء والغطرسة والكذب. ولكن ذلك الذي يؤسسس لعالم مختلف مفقود اليوم في ظل سيطرة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها على مقدرات العالم، وفي ظل مجلس أمن مجيَّر لمصلحة الأقوياء، يحكم الأمم المتحدة وهيئاتها ومؤسساتها، ويحكم سياسة العالم باسمها. ويحكمه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية.. ولا مخرج من ذلك الوضع البائس إلى بنمو حس العدالة والمساواة والديمقراطية الحقيقية والتضامن بين الدول، ووجود قوة تقيم الحق والعدل على أسس متينة ومتوازنة.

إن القوة المتغطرسة تحكم العالم والعلاقات والقضايا والمواقف، ولا يبدو أن هناك قواعد بديلة في المنظور القريب لهذه اللعبة المستمرة منذ آلاف السنين.. وعلى ذلك فإن الضعيف، والمحتلة أرضه، والمغلوب على أمره، ومن ينتهك الأقوياء حقوقه وكرامته ومصالحه ووجوده، عليه أن يمتلك قوة من أي نوع قادرة على تحقيق الحد الأدنى من الحماية والوجود الكريم.. إن على معسكر الضعفاء والفقراء أن يتماسك ويحمي بعضه بعضاً، لكي يكون شوكة في حلق من يريد أن يبتلعه على الأقل، إذا لم يصل إلى مرحلة الردع المنقذ من العدوان والابتلاع.

تكلم الكذاب الأشر نتنياهو عن صواريخ حماس التي طالت المدنيين الصهاينة، وأن " دولته" كانت في حال دفاع عن النفس عندما ردت على عدوان حماس بتدمير غزة؟! كم ذلك مضحك وبائس ويكشف عن انعدام الحس الإنساني والخلقي!! إن حماس حين توصلت إلى صنع وإطلاق صواريخ بدائية "صوتية" على المواقع الأمامية للاحتلال الصهيوني في تجمعاته البشرية المقاتلة المتقدمة، كانت هي التي تدافع عن نفسها، وتذكر بقضية شعب طالت معاناته ولم يلتفت إليه العالم.. ولم تستطع أن تصيب أكثر من عشرين شخصاً تقريباً طوال عقدين من الزمن.. أما الكيان الصهيوني فقتل أكثر من ألف وخمسمئة مدني معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ في عدوانه الهمجي الأخير فقط على غزة في 28/12/2008 هذا عدا عن آلاف الجرحى وتدمير البيوت فوق رؤوس ساكنيها بوحشية غير مسبوقة.. ذلك العدوان الذي ارتكب فيه جيش العدوان الصهيوني، كما ارتكب في غيره، أبشع المجازر وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تحت سمع العالم وبصره.. ولكنه لم يحاسب، بينما تحاسب ضحاياه؟!

حتى القاضي اليهودي غولدستون الذي كذبه نتنياهو في حديث عن انحيازه ضد إسرائيل، كان منحازاً جداً وبقوة للصهيونية وليهوديته العنصرية ولإسرائيل، وتجلى ذلك بقوة حينما ساوى في تقريره بين الضحية والجلاد فاتهم حماس كما اتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب.!؟ 

ولكن إلى متى يستمر التزييف ويستمر الكذب؟.. إن الدم الفلسطيني أيقظ الناس، على الرغم من أن اليقظين منهم يخرجهم من دائرة الفعل أو يلغيهم أناس نافذون طغاة يملكون القوة، ويكذبون بلا حدود، ويحولون الحقائق إلى أكاذيب والأكاذيب إلى حقائق. وربما كان الكذب والإجرام وامتلاك القوة واستخدامها بلا رادع أو ضمير هو الذي يجعل أناس العالم آمراً ومأموراً، ويجعل من كيان غاصب قائم على إرهاب الدولة، كياناً يتشدق بالكلام عن السلام والكرامة والديمقراطية، ويرتكب الجرائم ويوضع فوق القانون.. بينما هو عدو السلام، ومزيَّف الوجه والديمقراطية، وينتهك الكرامة والقانون؟

إن كلام ممثل "إسرائيل" أمام الأمم المتحدة عن الديمقراطية مهزلة كاملة الفصول.. فدولة عنصرية تجعل من خمس السكان مواطنين من الدرجة الثالثة أو الرابعة، وتحتل أرض شعب وتحكمه بقوة النار والحديد، وتقيم المعتقلات والسجون وتمارس التعذيب، وتعتدي على دول أخرى وتحل أراضيها، وتخرج على القانون الدولي والقانون الإنساني.. هي وصمة عار في جبين العدالة والديمقراطية والإنسانية.  ليس السر في الديمقراطية، ولا يحق حتى لدولة ديمقراطية مثالية أن تعتدي على آخرين وتسلبهم أرضهم وحق الحياة.. ولا يوجد ديمقراطية سليمة على وجه الأرض، بل يوجد ديمقراطية نسبية ولعبة قذرة باسم الديمقراطية، تتلطى في ظلالها قوى وشركات وديكتاتوريات فظيعة، وتتشدق بالكلام الكبير عن العدالة والديمقراطية بينما تستخدم القوة وتقوم بالقتل والإبادة والاحتلال وتصل إلى الحكم وتستقرر هناك، وتمارس كل القبائح باسم الديمقراطية وتحت مظلتها في كثير من الحالات. وهذا لا يعني أبداً موقفاً من الديمقراطية أو إدانة لها بل يعني رفضاً للتزييف والخداع والكذب تحت أي شعار وأية مظلة.. كما أنه لا يعني عدم إيمان بصلاح الديمقراطية كنظام حكم على الرغم مما فيها من عيوب.

لقد كان في العدوان الصهيوني على غزة تواطؤاً "ديمقراطياً؟" كبيراً، وصفت تسيبورا ليفني أهدافه قبل وقوعه بيومين، ومن القاهرة، بأنها "معالجة قضايا المنطقة"، وكان المطلوب هو رأس حركة المقاومة حماس، وقد قال أحد الرؤساء العرب "إنه لا يريد لحماس أن تخرج منتصرة في هذه المواجهة أو المعركة."، وكان مطلوب أيضاً رأس المقاومة العربية كلها ابتداء من حماس على الأقل لمعالجة القضايا التي أشارت ليفني إلى معالجتها بالقوة.. وأفاد كلامها أن شيئاً من التفهم لهذا الهدف قائم مصرياً على الأقل. وقال مسؤول معنيّ كبير آنذاك " إن من يراوغ في فهم تحذيرات مصر ونصائحها عليه أن يتحمل النتائج.".

لقد كان الموقف من المقاومة تواطؤاً مكشوفاً، ووقوفاً صريحاً إلى جانب المحتل وخططه ومشاريعه وعدوانه وأكاذيبه.. وهذا ما شجعه وما زال يشجعه حتى اليوم على ارتكاب المجازر والكذب والعدوان والتوسع في الاستيطان.. ولا نريد الدخول في حديث التواطؤ العربي ضد المقاومة.. كل المقاومة.. حتى لا نوسع الجراح التي نريد لها أن تندمل ليأتلف الصف ونستعيد بعض التفاهم التعاون والتضامن.   

وحين يقف المرء على مشارف الدم الفلسطيني ومعاناة ذلك الشعب العريق الذي يعاني منذ عقود من الزمن، ويقف على تجدد عزمه سط غضب الشعب العربي وانهيار العمران والإرادة.. حين يقف على مقربة من المقابر والمستشفيات والبيوت المدمرة على رؤوس ساكنيها، فإنه يقف على مشارف الموت وفي خضم إرادة الصمود والولادة من جديد لإرادة المقاومة، وتتملكه الرهبة والرغبة، وتتناهبه المشاعر والمواقف.. وحين يتحوِّل الكذب الصفيق الذي ينثال على ألسنة مثل لسان العنصري نتنياهو، إلى صور مقلوبة، ينشق في هذا العالم قلب العدل، ويصرخ المرء في الغافلين والمغفلين: إلى أين؟ وإلى متى؟ وما هي النتيجة؟

لقد أيقظ الدم الفلسطيني الناس، وأصبحت إسرائيل تتخبط في جرائمها وفي دماء الفلسطينيين من حولها أمام أعين الناس، والناس يقولون انظروا إلى " نازية القرن الواحد والعشرين"؟ وهذه بداية النهاية، فلكل شيء نهاية والدم الذي أريق في غزة بيد أفراد الجيش الصهيوني المجرد من الأخلاق، يصنع نهاية "إسرائيل" ويقرب نهايتها ونهاية العنصرية والخداع الكبير.. أما التواطؤ والتآمر فيصنعان بدورهما نهاية المتواطئين والمتآمرين.. وإن غداً لناظره لقريب.

دمشق في 25/9/2009

 

 

انشر عبر