شريط الأخبار

يوم الغفران 1973، الذكريات ما تزال جديدة.. إسرائيل اليوم

01:51 - 24 تشرين أول / سبتمبر 2009

بقلم: عاموس ريغف

مساء رأس السنة نشر في الحوانيت مجموعة أغان، "الرابعة بعد الظهر". جمع 65 أغنية عبرية فيه؛ لكنه رحلة في الزمن اكثر من كونه مجموعة أغان. توجد فيه أغاني نهاية الستينيات وبدء السبعينيات. أغاني أيام أخر، مجموعة تحت عنوان "أغاني الوطن".

كان ذلك النشيد الذي صحبنا في يوم الغفران قبل 36 سنة. كانت تلك اسرائيل ذلك الوقت: فرقا عسكرية وأغاني وطن وثقة بالنفس مطلقة.

آنذاك أتى ذلك الصفير في يوم الغفران في الساعة الثانية ظهرا.

سألني في المدة الأخيرة شاب: "لماذا توجد أهمية لحرب يوم الغفران خاصة؟".

ذاك لانها مهمة. لان حرب يوم الغفران كانت الحدث التأسيسي لجيل كامل، من أبناء الجيل الثاني لاقامة دولة اسرائيل. اقام الاباء الدولة. وكان يفترض ان نحافظ عليها. وكادت تزول من بين ايدينا وكادت تتحطم شظايا. كان هذا الخط الفاصل الكبير بسبب الاخفاق. بسبب القيادة، بسبب الالهة التي خيبت الآمال.

في نهاية الامر كانت حرب يوم الغفران نصر كبير. فبرغم نقطة البدء السوأى التي يمكن ان تخطر في البال – مفاجأة تامة، وفشل "التصور العام" وانهيار الخطوط الدفاعية، والدبابات السورية عند منحدرات الجولان، وقوات الصاعقة السورية في مواقع جبل الشيخ وجنود الجيش الاسرائيلي في حصون قناة السويس يرفعون ايديهم الى اعلى مستسلمين – انتهت الحرب ومدافع الجيش الاسرائيلي تطلق النار على دمشق وقوات الجيش الاسرائيلي موجودة على مبعدة 101 كيلومتر عن القاهرة.

دفع اكثر من 2600 شخص حياتهم لقلب عجل الهزيمة الى النصر. كاد كل واحد من الاسرائيليين آنذاك يفقد صديقا أو اخا او قريبا او معرفة. ضرب الموت كل شارع، وكل حي وكل مدينة. هدمت سلطة مباي التاريخية، وأفضى الغضب بعد ذلك بأقل من 4 سنين الى انقلاب تاريخي.

حرب يوم الغفران مهمة لانها غيرت تصور الاسرائيليين عن أنفسهم ودولتهم ومستقبلهم. لانها بينت ان الطرف الثاني يستطيع ان يسمح لنفسه بأن يخسر مرة بعد اخرى وان يحاول مرة اخرى. اما نحن فلا نستطيع ان نسمح لانفسنا ولو بهزيمة واحدة. لان اول هزيمة لنا ستكون الاخيرة ايضا.

كانت حرب يوم الغفران بالنسبة الي انضماما متعجلا الى كتيبة الرواجم الثقيلة المنقولة 160 ميلمتر، التي صعدت في الجولان في محور يهوديا. بعد ذلك بـ 36 سنة، ما تزال توجد صور حية في الذاكرة وكأنها حدثت قبل وقت غير بعيد: الطريق الى حوشانيا، والافق مملوء بغيوم الدخان السوداء لدبابات ومدرعات مشتعلة؛ ومحور النفط، مع دبابات اسرائيلية وسورية مهجورة وجثث مطروحة على جانبي الطريق؛ ومعسكر نفح، وجدرانه محطمة بجنازير الدبابات السورية؛ والهجوم المضاد، ونحن على تل البسطار قرب القنيطرة، ولواء مدرعات الى اسفل، عن يسارنا في الطريق الى محور "امريكا" الذي يفضي الى دمشق. نحن نساعد، وهم ينقضون على الحدود، الى خان أرنبة.

وطائرات الميغ السورية، بألوان تنكر خضراء قاتمة، التي طلعت مع الفجر وانقضت على شاحنات الذخيرة؛ ودخول سورية، فيما اصبح "جيبا" وكتيبتنا تترجح مثل بطة، وتتعثر على الطريق المستقيم نحو تل شمس – وفجأة وجدنا انفسنا امام الجميع، مثل رأس حربة، وعن يميننا دبابات سورية وعن يسارنا دبابات اسرائيلية، والجميع يطلقون النار على الجميع، والقذائف الخارقة للمدرعات تطير من جانب الى جانب بين مراكبنا، ونحن ندرك انه لا يوحد أحد أمامنا، بيننا وبين دمشق.

وأذكر الكثير من النار المضادة للغواصات التي اطلقت علينا، ولا سيما في احد الايام حينما وجه ضابط مراقبة امامية سوري مؤهل على نحو خاص كما يبدو منظاره الى كتيبتنا وصحبنا من موقع الى موقع ومن مكان الى مكان. أذكر قصة الساعة وكأن ذلك كان أمس.

تزوجت قبل الحرب بسنة. وكما هي العادة عندنا، اشترى لي صهري ساعة. كانت العادة آنذاك أن يمنح العريس ساعة مذهبة "تيسو". لكنني، مع الضعف أمام العلم الخيالي ورحلات الفضاء، كنت ما أزال واقعا تحت تأثير حدث تاريخي كبير هو بلوغ القمر. وهكذا طلبت ساعة غير عادية: "أوميغا سبيدماستر"، مع لوح عقارب أسود. ساعة رجال الفضاء.

خرجت الى الحرب وهذه الساعة في يدي.

في ذلك اليوم، في موقع اطلاق نار قرب القنيطرة، انقضت علينا الكتيبة السورية، وسقطت قذائف النيران المضادة للبطاريات على الهدف بدقة، علينا، في وسط موقع البطارية.

انبطحت مع ضابط آخر على الارض، وبين انفجار قذيفة والخدش المعدني للشظايا أخذ الضابط يدي اليسرى وفحص بحرص عن الساعة الجديدة البراقة. قال لي بلغة جدية "تذكر، أنا آخذ الساعة".

عرفت آنذاك انني سأخرج بسلام من تلك الحرب.

منذ ذلك الحين وهذه الساعة في يدي منذ 36 سنة.

واحيانا عندما أنظر في الساعة لأرى الوقت أتذكر تلك اللحظة منذ 36 سنة. افترض انه يوجد لكثير من أبناء جيلي، اجتازوا تلك الحرب تميمة ما شيء ما زالوا يحملونه. شيء يذكرهم بأنهم اجتازوا تجربة شعورية من أصعب ما عرفوا في حياتهم وخرجوا منها. واذا لم تكن تميمة فسيكون جرحا ظاهرا او خفيا.

لهذا حرب يوم الغفران مهمة جدا. لاننا جميعا بدأناها في بئر سوداء عميقة، وخرجنا منها على نحو ما، الى ضوء النهار؛ كأفراد وكدولة ايضا. لاننا جميعا نعلم انه لا يحل لنا أن نجد أنفسنا مرة اخرى في نقطة البدء غير الممكنة تلك.

لاننا جميعا دخلنا تلك الحرب مع أغاني الفرق العسكرية، وخرجنا منها مع بصلاة استغاثة.

انشر عبر