شريط الأخبار

ما الجديد في جهاد القرضاوي ..راشد الغنوشي

12:27 - 23 حزيران / سبتمبر 2009

ما الجديد في جهاد القرضاوي

 

راشد الغنوشي  ـ الجزيرة نت 20/9/2009

"لم يتعرض مفهوم من مفاهيم الإسلام لسيل عارم متتابع من الإساءات إليه وإلى الإسلام والمسلمين من خلاله كما تعرض له مفهوم الجهاد، وقوعا بين "طرفي الإفراط والتفريط. فهناك فئة تريد أن تلغي الجهاد من حياة الأمة وأن تشيع فيها روح الاستكانة والاستسلام بدعاوى مختلفة كالدعوة إلى التسامح والسلام" يصفهم مؤلف فقه الجهاد "بأنهم "عملاء للاستعمار الذي بلغت عداوته للجهاد إلى حد اصطناع فرق اختلقت لها إسلاما بلا جهاد وجعلت همها الدعوة إليه مثل البهائيين القاديانيين.. وفي مقابل هؤلاء فئة تجعل من فكرة الجهاد حربا ضروسا تشنها على العالم كله، فالأصل عندها في علاقة المسلمين بغيرهم الحرب والأصل في الناس جميعا أنهم أعداء للمسلمين.. ما داموا غير مسلمين. (129)

وقد يلتقي هؤلاء الأخيرون مع بعض المستشرقين المتحاملين الذين عرفوا الجهاد كما هو في دائرة المعارف بأنه "نشر الإسلام بالسيف، فرض كفاية على المسلمين كافة وكاد الجهاد أن يكون ركنا سادسا" (ماكدونالد، دائرة المعارف الإسلامية. الترجمة العربية (ص2778)

1- تعريف الجهاد ومراتبه: ويتصدى المؤلف لهذا الغلو بطرفيه من خلال التحليل اللغوي لمادة الجهاد وتدور حول بذل الوسع، ومن خلال تتبع ورودها في القرآن والسنة ولدى فقهاء الإسلام، لينتهي إلى تفريق واضح بين الجهاد والقتال، فلقد ورد الأمر بالجهاد في القرآن المكي حيث لم يكن قتال بل مجرد جهاد دعوي بالقرآن "وجاهدهم به جهادا كبيرا" (الفرقان/52) كما ورد في القرآن والسنة وفقههما بمعان عدة تدور حول بذل الوسع في مجاهدة العدو ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النفس، وهو ما يجعل الجهاد أوسع من القتال، فالجهاد كما نقل المؤلف عن ابن تيمية يكون بالقلب والدعوة إلى الإسلام وإقامة الحجة على المبطل، والرأي والتدبير فيما فيه نفع للمسلمين، والجهاد بالبدن وهو القتال".

ويستعين المؤلف بالعلامة ابن القيم تلميذ ابن تيمية في الشهادة لتوجهه وتجلية مجالات الجهاد الواسعة التي تجعل من كل مسلم بالضرورة مجاهدا وليس مقاتلا ولا بد. ولقد توصل ابن القيم من خلال متابعته لمسار الدعوة الإسلامية إلى ضبط 13 مرتبة من مراتب الجهاد

1- جهاد النفس وفيه أربع مراتب: جهادها على تعلم الهدى، وجهادها على العمل به، وجهادها على الدعوة إليه، وجهادها على الصبر على ذلك.

2-جهاد الشيطان، وهو مرتبتان جهاد ما يلقيه من شبهات قادحة في الإيمان وجهاد ما يدفع إليه من شهوات ومفاسد.

3-جهاد الكفار والمنافقين وهو أربع مراتب بالقلب وباللسان والمال والنفس.

4- جهاد الظلمة والفساق وهو ثلاث مراتب باليد إذا قدر فإذا عجز فباللسان فإذا عجز فبالقلب.

ويعتبر المؤلف أن الجهاد ضد الظلم والفساد في الداخل مقدّم على جهاد الكفر والعدوان الخارجي، إلا أنه يؤكد أن المواجهة السلمية هي الأصل في الوقوف في وجه الظالمين "مستفيدين مما طور الآخرون من صيغ معقولة في مواجهة سلاطين الجور مثل البرلمانات المنتخبة والأحزاب والفصل بين السلطات". (198)

كما يؤكد أهمية الجهاد الفكري والثقافي بإنشاء مراكز علمية إسلامية متخصصة تضم نوابغ الشباب المتفوقين في عقولهم وإيمانهم وإعدادهم فكريا وعلميا إعدادا يجمع بين تراثنا وبين ثقافة العصر.. لا ندعو إلى عزلة عن العالم بل إلى تفاعل ثقافي وحضاري، نأخذ منهم وندع وفق فلسفتنا ومعاييرنا كما أخذوا هم عنا قديما واقتبسوا وطوروا وبنوا عليها حضارتهم، ولكن ما نأخذ نضفي عليه من روحنا ومن شخصيتنا ومواريثنا الأخلاقية ما يجعله جزءا من منظومتنا الفكرية والقيمية الحضارية وتفقده جنسيته الأولى. (190 وما بعدها)

وبالعموم: يتوصل المؤلف من خلال استقرائه لفقه الجهاد في الإسلام إلى أن الجهاد نوعان: جهاد مدني وجهاد عسكري بمعنى قتال الأعداء إذا اعتدوا على المسلمين بالقوة، ما يقتضي الاستعداد لذلك عندما تتوفر دواعيه وهو نوع تعنى به الدول. وهناك الجهاد الروحي المدني ويشمل المجال العلمي أو الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي التربوي والمجال الصحي والطبي والمجال البيئي والمجال الحضاري.

هدف هذا الجهاد المدني بذل الجهد في سبيل الله من أجل تعليم الجاهل وتشغيل العاطل وتدريب العامل وإشباع الجائع وكسو العاري وإيواء المشرد ومداواة المريض وتوفير الكفاية لكل محتاج وبناء المدرسة التي تسع كل تلميذ والجامعة التي تسع كل طالب والمسجد لكل متعبد والنادي الذي يمارس فيه هوايته كل محب للرياضة. (215)

2- أهداف الجهاد: الإسلام دعوة إلى السلم ويكره الحرب ولكنه لا يستطيع منعها ولهذا يستعد لها ولا يخوضها إلا إذا فرضت عليه، وذلك من واقعيته وإقراره بسنة التدافع لكنه عمل على الحد من كوارثها وإحاطتها بأسوار من شرائع وأخلاقيات. ولم يكن الإسلام استثناء في إقراره بحرب الضرورة، من الديانات الأخرى ومنها الديانة المسيحية التي كان أتباعها أكثر أصحاب الديانات صراعا وحروبا فيما بينهم وبين غيرهم.

ورد في إنجيل لوقا "جئت لألقي على الأرض نارا. أتظنون أني جئت لألقي السلام على الأرض؟" وفي أسفار العهد القديم دعوات متكررة للإبادة، فقد تعرضت سبعة شعوب كانت تسكن فلسطين لحروب إبادة لتطهير الأرض منها تطهيرا كاملا "إذا عبرتم الأردن وأنتم داخلون أرض كنعان فأبيدوا كل سكان تلك الأرض" (الباب الثالث من سفر العدد) ليس لتلك الشعوب التي أمر الرب شعبه المختار -بزعمهم- بإبادة كل نسمة فيها وتحريق مدنها من ذنب غير وجودها في الأرض الموعودة، وما اقترفته العصابات اليهودية الحديثة في فلسطين من مذابح و"ترانسفير" صورا مخففة منها.

للجهاد في الإسلام أهداف محددة لخصها القرضاوي في رد العدوان ومنع الفتنة أي تأمين حرية الدعوة وحرية التدين للمسلمين ولغيرهم وإنقاذ المستضعفين في الأرض وتأديب الناكثين للعهود وفرض السلام الداخلي في الأمة. قال تعالى: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصًلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله" (الحجرات/8) وإذن فليس التوسع والاستيلاء هدفا للجهاد المشروع ولا محو الكفر من العالم، فذلك مناف لسنة الله في التدافع والاختلاف، "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" (هود/117-118) وليس من هدف الجهاد فرض الإسلام على من لا يؤمن به فذلك مناف أيضا لسنة الله في الاختلاف والتعدد وما خوله الله سبحانه للإنسان من حرية ومسؤولية. "لا إكراه في الدين" (البقرة/256). (423 وما بعدها)

3- أخلاقيات الجهاد: الحرب في الإسلام أخلاقية مثل السياسة والاقتصاد والعلم والعمل فكلها لا تنفصل عن الأخلاق خلافا للحرب في حضارة الغرب ليس من اللازم أن تنضبط بالأخلاق. يحكم الحرب عند المسلمين دستور أخلاقي، لأن الأخلاق هنا ليست نافلة بل جزء من الدين. ومن ذلك:

أ- تحريم الإسلام استخدام الأساليب غير الأخلاقية لاختراق الأعداء والاطلاع على أسرارهم عبر المحرمات كالجنس والخمر لاستدراج القائمين على تلك الأسرار.

ب- منع العدوان "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (البقرة/190) وفسر الاعتداء بقتل غير المقاتل أو قتل النساء والأطفال والشيوخ والزمنى وأمثالهم ممن لا يباشر القتال كالفلاحين. (ص728). ومن أخلاقيات الجهاد تحريم المثلة بالعدو.

ج- الوفاء بالعهود وتحريم الغدر والخيانة "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا" (الإسراء/33).

د- لا مشروعية إسلامية لاستخدام ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل كالأسلحة الكيمياوية والجرثومية والنووية التي تقتل الألوف والملايين دفعة واحدة وتأخذ المسيء بالبريء وتدمر الحياة والأحياء، هذه الأسلحة يحرم الإسلام استخدامها لأن الأصل في القانون الإسلامي أنه لا يجوز قتل من لا يقاتل, وقد أنكر النبي عليه السلام قتل امرأة في إحدى المعارك، لكن ذلك لا يمنع الأمة بل يوجب عليها السعي لامتلاك هذه الأسلحة الرادعة ما دام غيرها يمتلكها ويمكن أن يهددها بها، ولا سيما أن العدو الصهيوني الذي اغتصب أرضها أمسى يمتلكها وأنه يجد في سفر التثنية ما يجيز له في البلاد القريبة أن لا يبقي فيها نسمة.

وأعجب ما في الأمر أن تمتلك أميركا والدول الكبرى هذه الأسلحة ثم تحظر على الآخرين امتلاكها. تمنعها عن البلاد العربية والإسلامية بينما إسرائيل تمتلك أكثر من مائتي قنبلة نووية. ولقد أسهم الردع المتبادل بين المعسكرين الغربي والشرقي في تحقيق السلام العالمي وكذا حصل بين الهند وباكستان. لا يجوز استخدام هذه الأسلحة إلا في حالة الضرورة القصوى، حيث تتعرض الأمة لخطر وجودي. (ص 592)

هـ- ومن أخلاقيات الإسلام دعوته المجاهدين إلى إحسان معاملة الأسرى. "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا" (الإنسان/8-9). وبعد مناقشة مستفيضة للنصوص الواردة ولمختلف الاجتهادات حول الحكم في الأسير وخصوصا هل يحل قتله؟ انتهى إلى اعتبار أن الحكم النهائي هو الذي ورد في سورة القتال "فإما منّا بعد وإما فداء" (القتال/3) وقد يستثنى من ذلك مجرمو الحرب.

وعموما يقر القرضاوي ما ورد في مواثيق جنيف في شأن التعامل مع الأسرى. وبذلك يعبر القرضاوي عن سعادته بتطور البشرية في هذا الجانب -ولو على الصعيد النظري- في الاتجاه الذي دعا إليه الإسلام واجتهد في تطبيقه منذ 14 قرنا.

لقد أكد القرضاوي أن للحرب في الإسلام دستورا تنضبط به، استخلص من نصوص الكتاب والسنة وديوان تجربة الجهاد مواده فكانت كالتالي:

المادة الأولى: لا يجوز قتل النساء والأطفال والشيوخ.

المادة الثانية: لا يقتل العميان والزمنى ولا الرهبان ولا الفلاحون ولا الصناع ولا التجار.

المادة الثالثة: يحرم قتل المدنيين الذين ليسوا من أهل المقاتلة والممانعة.

المادة الرابعة: لا يجوز التمثيل بجثث القتلى من الأعداء.

المادة الخامسة: لا تهدم منازل المحاربين ولا تحرق محاصيلهم وزروعهم ولا تقتل دوابهم لغير مصلحة.

المادة السادسة: الرحمة بالأطفال والصبيان فلا يجندون للحرب إلا بعد بلوغهم وقدرتهم على القتال. (ص1167)

وكل ذلك يشهد على أن الجهاد هو من طبيعة سياسية تفرضها ضرورات الدفاع عن دار الإسلام بصد المعتدين عليها والدفاع عن المسلمين أن يفتنوا عن دينهم وعن المستضعفين عامة، فليس فرضا على المسلمين أن يقاتلوا الكافرين حتى يدخلوهم في الإسلام أو يخضعوهم لسلطانه طوعا أو كرها، فهو من قسم المعاملات وفقه السياسة الشرعية وليس هو من جنس فقه العبادات كالصلاة والصيام.. ومطلوب من المسلمين إذا اضطروا إليه أن يقدموا عليه متوكلين على الله بنيّات خالصة في ابتغاء وجهه سبحانه، ملتزمين بأخلاقيات ثابتة لا يحيدون عنها "فالجهاد إذا كان مشروعا وصحت فيه النية والتزمت فيه حدود الله وأخلاقيات الإسلام يعد من أعظم ما يتعبد الله به ويتقرب إليه (ص62) وذلك على غرار كل نشاط يقوم به المسلم سياسيا كان أم اقتصاديا سلميا كان أم حربيا.

قال تعالى"قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" (الأنعام/161-162).

مقدمة

تأتي أهمية ندوة "تجديد التفكير في الجهاد" التي عقدها "مركز الدراسات المتقدمة للعالم العربي بجامعة أدنبرا بين 7-9 سبتمبر/أيلول:

أ- من انصبابها على أخطر مسألة في الفكر الإسلامي الحديث، مسألة "الجهاد" لما تحتله من مكانة في بنية الإسلام باعتباره "ذروة الإسلام وسنامه"، حيث تصطرع فيها داخل الإسلام وخارجه رؤى ومواقف شديدة التباين، ذات الأثر الأعظم على جملة العلاقات الدولية، بسبب الدور المتنامي للإسلام في العلاقات الدولية فضلا عن أثر هذه الرؤى على اتجاهات المسلمين في مستوى علاقاتهم فيما بينهم وفيما بينهم وبين حكوماتهم وفي علائقهم مع غير المسلمين وذلك بالنظر لما يشهده الإسلام من صحوة على امتداد الوجود الإسلامي سواء في المستوى العقدي أم في مستوى القيام بالشعائر، في اتجاه الارتباط المتزايد بين الإسلام كدين(عقائد وشعائر وأخلاقيات) وبين كونه أيديولوجيا ذات تأثير كبير على جملة أفكار ومسالك المسلم الاجتماعية والسياسية مما يسمى الإسلام السياسي حيث يحتل الجهاد القلب من هذا المفهوم.

ب- كما تأتي من انعقادها في قلعة تاريخية من قلاع الاستشراق بجامعة أدنبرا حيث شارك أكثر من خمسين باحثا، قدموا من بلاد وديانات واهتمامات مختلفة أكاديمية وعسكرية وأمنية وإعلامية وسياسية، ما يؤكد الاهتمام الغربي المتزايد بالحضارة الإسلامية وبلغتها العربية، وبالإسلام عامة وبالجهاد خاصة، ما مكانته في بنية الإسلام حسب مختلف مدارس الإسلام قديمها وحديثها؟ هل الأصل فيه جهاد النفس؟ هل المقاطعة الاقتصادية منه؟ ما مدى استخدام جماعات الجهاد للوسائل الحديثة كالإنترنت؟ الأمر الوحيد الذي لم يحظ بما يستحق من الاهتمام هو دور السياسات الغربية في تفجير شتى ضروب الجهاد المشروع وغير المشروع من مثل احتلال بلاد إسلامية ودعم الاحتلال الصهيوني ودعم الأنظمة الدكتاتورية، والتهميش المسلط على الشباب الإسلامي في الغرب، حتى ظل السياسيون البريطانيون يصرون على استبعاد أي ربط بين غزوهم الظالم للعراق وما ارتكبه بعض الشبان من عمل إرهابي، وحده الدكتور طارق رمضان نبه إلى ذلك، كما كان إسهام د. الهلباوي متميزا، بينما اقترح باحث خليجي إحياء عقائد الإرجاء بسبب فصلها بين الاعتقاد والعمل بما يمكن للمؤمن أن يكون صالحا بصرف النظر عن عمله!.

غير أن الجهاد ليس وحده هو الذي يحظى اليوم بالاهتمام الأكبر من طرف الجامعات ومراكز البحث بتمويل حكومي، بل كل ما يتعلق بالإسلام، ولكن هل باعتباره خطرا داهما يجب البحث عن أسباب توقيه وتحييده؟ أم باعتباره أملا واعدا يمكن أن يعيد المعنى والأخلاق لسياسات ولنفوس خلت منهما؟ وارد كل ذلك.

ج- كما تأتي أهمية الندوة المذكورة من المكانة التي كانت للشيخ يوسف القرضاوي فيها بما يمثله في الإسلام المعاصر وفي عموم الحركات الإسلامية، من سلطة علمية وروحية، بإنتاجه الغزير والمتميز في مختلف حقول المعرفة الإسلامية، لا سيما وهو رأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وأبرز وجه إعلامي إسلامي (يتابع أكثر من ستين مليونا برنامجه الأسبوعي في الجزيرة الشريعة والحياة) فكان مفهوما أن تخصص هذه الندوة لعمله الأخير الضخم "فقه الجهاد"، بحثين قدم أحدهما الباحث الأميركي شارمان جاكسون، دار حول آية السيف وانتهى إلى إقرار نفس النتائج التي انتهى إليها الشيخ، كما سنعرضها. والبحث الثاني كان بعنوان "الجديد في جهاد القرضاوي" قدمه صاحب هذه المقالة. والملاحظ أنه مع حضور يهودي في الندوة، فقد مرّ دون ضجة إيراد الباحث موقف القرضاوي المدافع عن العمليات الاستشهادية والمؤكد على رفض الصلح مع إسرائيل واعتبار إسرائيل العقبة الكبرى في علاقة الإسلام بالغرب، بل عبرّ باحثون عن تعاطفهم مع المقاومة الفلسطينية.

سيتجه عرضنا لهذا العمل الضخم "فقه الجهاد: دراسة مقارنة لأحكامه وفلسفته في ضوء القرآن والسنة" إلى إبراز الصورة العامة للجهاد في الإسلام كما تجلت للشيخ القرضاوي من خلال نصوص الكتاب والسنة متفاعلة مع المنظومة التفسيرية والفقهية كما تجلت للشيخ في سياقاتها التاريخية التي ولدت فيها، ومن خلال أحوال الأمة الإسلامية الراهنة وهي تخوض صراعات كبرى داخلها مع قوى الاستبداد ومع القوى الخارجية، في ظل:

أ- موازين للقوة مختلة لصالح الأعداء، ما يستدعي إلى نفوس فئات في الأمة تعيش صحوة واسعة أصلب صور الجهاد وخصوصا فئة الشباب، مما أهدر طاقات كبيرة وخوّل المتربصين بالإسلام أسلحة ماضية للحرب على الإسلام وأمته وأقلياته.

ب- ثقافة معاصرة تمجّد قيم الحرية، مما لا يملك الإسلام إلا أن يرحب بها.

ج- قانون دولي يعترف بحدود للدول ويقصر مشروعية الحرب على ممارسة حق الدفاع.

في هذه السياقات كلها تشكلت صورة الجهاد لدى القرضاوي، وما يهمنا ليس تفاصيلها وإنما المشهد العام، وما هو جديد في هذه الصورة؟ وخصوصا ما له علاقة بالقضايا الكبرى مثل علاقة الجهاد بقضايا الحرية، وبعلاقات المسلمين مع غيرهم داخل المجتمع الإسلامي وخارجه، وأسس المنهج المتبع في هذه الدراسة، وما الجهاد؟ أنواعه ومراتبه، وما أهدافه؟ الجهاد بين الدفع والطلب، دار الإسلام ودار الكفر، ما هي أخلاقيات الجهاد في الإسلام من مثل حكم الأسير؟ واستخدام أسلحة الدمار الشامل، الجهاد داخل الأمة.

مسائل تتعلق بالمنهج: لقد طور القرضاوي في الإسلام المعاصر نظرية محورية يصدر عنها في كل رؤاه ومواقفه وجدّ في الدعوة إليها والشهادة لها وتوسيع مجراها وتهميش ما يخالفها، قد دعاها الوسطية الإسلامية، استلهمها من الآية 143 من سورة البقرة "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" فهو يعرض الإسلام باعتباره موقفا وسطا بين أطراف متصالبة متناقضة فهو الوسط الجامع والمجرى الكبير، وسط بين المادية والروحية وسط بين الفردية والجماعية وسط بين المثالية والواقعية، وسط بين الحرفية وبين التفلت من النصوص باسم الفهم المقاصدي...إلخ. ومن هذا المنظور الوسطي يعرض جملة اجتهاداته في كل جوانب الفكر الإسلامي ومنها جملة اجتهاداته في موضوع الجهاد، كما كشف عنها في مؤلفه هذا، أضخم وأهم أعماله حتى الآن -بارك الله له في عمره- دراسة وصفها صاحبها "بأنه تعب فيها مباشرة لعدة سنوات وشغلته لعقود "فعرض في مجلدين (1429 صفحة) -من منظوره للوسطية- ما توصل إليه من مواقف ونتائج في هذه القضية المحورية، شاقا وسط الأشواك والصخور لنظريته في الجهاد مجرى واسعا يأمل أن يسهم به في تشكيل الإجماع حول هذه المسالة الخطرة، كما فعل في مسائل أخرى فـ"من الخطر والخطل أن يفهم الجهاد على غير وجهه وتستباح باسمه دماء معصومة وتستحل به حرمات وأموال بغير حق ويتهم بسبب ذلك المسلمون والإسلام بالعنف والإرهاب والإسلام بريء كل البراءة من هذا الاتهام.. ولكن مشكلتنا في مثل هذه القضية الكبرى أن الحقيقة تضيع فيها بين طرفي الإفراط والتفريط".

حدد المؤلف في المقدمة الأسس التي أسس عليها بناءه الضخم، فهي:

أ- "الاعتماد أساسا على القرآن الكريم باعتباره النص القطعي في ثبوته بالتواتر اليقيني فهو الحجة على كل المصادر الأخرى بما فيها السنة النبوية ويفهم بحسب منطق لغته الأصلية العربية دون تعسف وعلى اعتبار أن كل نصوصه نزلت ليهتدى ويعمل بها، فكل ما في المصحف معمول به غير منسوخ.. ولهذا توقفنا طويلا عند قول من قال إن هناك آية في القرآن سموها آية السيف نسخت مائة وأربعين آية أو أكثر.. اختلفوا في تعيينها "ويكاد المؤلف يتفق مع علماء سابقين ومعاصرين في إبطال مسألة النسخ في القرآن، أو تضييقها إلى أبعد حد، بما يحفظ لكل آي الكتاب وقارها وقداستها والحاجة إلى إعمالها في سياقها اللائق بها، فتتكامل وتتساند، بدل أن تتعارض وتتساقط، بما يسحب من أيدي المتشددين سلاحا بتارا قطعوا به رؤوس مئات الآيات الداعية للرفق والعفو ولاعتماد الحكمة والموعظة الحسنة، مما هو الأصل في تعامل دين جاء لهداية الناس، مسلمين وغيرهم، تمييزا في صفوف هؤلاء بين قلة معتدية حاقدة ظالمة، حقها الدفع بالجهاد وبين كثرة مسالمة حقها البر والقسط.

ب- اعتماد السنة الصحيحة التي لا تعارض ما هو أقوى منها كالقرآن. فقد ضعّف القرضاوي مثلا حديث "بعثت بالسيف" وأحاديث أخرى، معتمدا نهج المحدثين في الجرح والتعديل. أما الحديث الصحيح الذي وصفه بالمظلوم، حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" فقد حمله –على غرار سلف له من العلماء- على أنه لفظ عام أريد به خصوص مشركي العرب المعتدين، وهو معتاد في منطق اللغة التي تكلم بها النبي عليه السلام ونزل بها القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم" (آل عمران/173) الناس هنا لفظ عام مراد به قوم مخصوصون من مشركي العرب المتربصين.

ج- الاغتراف من بحر الفقه كله دون تحيز لفقه مذهب دون مذهب، ودون اقتصار على المذاهب المشهورة، معتمدا منهج المقارنة والتحليل والنقد والترجيح، مميزا بين الفقه والشريعة. الشريعة وضع إلهي والفقه عمل العقل في استنباط أحكام الشريعة. والفقه الحق ليس النقل من الكتب بل اجتهاد الفقيه لزمانه ومكانه، فإن ما يصلح لعصر قد لا يصلح لغيره، لا سيما وأن التغير في زمننا صار كبيرا. (فقه الجهاد)

د- اعتماد منهج المقارنة بين الإسلام وغيره من الديانات والقوانين.

هـ- الربط بالواقع المعاصر: فعلى الفقيه المسلم إذا تحدث عن الجهاد أن يدرك الثوابت في هذه القضية من مثل سنة التدافع وفرضية إعداد القوة المستطاعة لإرهاب أعداء الله ووجوب قتال من بقاتل المسلمين وتحريم الاعتداء... ولكن هناك متغيرات مثل استنكار الحروب والرغبة في السلام وظهور قوانين دولية ومواثيق حقوقية إنسانية ونظام الأمم المتحدة واحترام سيادة الدول. وفي هذا الصدد يقول صاحب فقه الجهاد "إننا نستطيع أن نعيش في ظل إسلامنا في عالم ينادي بالسلام لا الحرب وبالأمان لا الخوف، وبالتسامح لا التعصب وبالحب لا بالكراهية... نستطيع أن نعيش مع الأمم المتحدة والقوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان وجماعات حماية البيئة. والحق أن مشكلتنا الكبرى مع إخواننا المتشددين الذين أغلقوا على أنفسهم النوافذ وأصروا على وجهة نظر واحدة. آفتهم أنهم يحيون في الماضي لا في الحاضر في الكتب لا في الواقع".

و- تبني منهج الوسطية "وهو منهاجنا في الدعوة والتعليم والإفتاء والبحث والإصلاح والتجديد. ومن معالم هذا المنهج في الفقه تجديد الدين من داخله فنجتهد لعصرنا كما اجتهد علماؤنا السابقون لعصرهم وأن نفهم النصوص الجزئية في إطار المقاصد الكلية وأن نشدد في الأصول ونيسر في الفروع وأن نتلمس الحكمة من أي وعاء خرجت ونلائم بين متغيرات العصر وثوابت الشرع".

ويمكن من خلال دراسة "فقه الجهاد" الاستنتاج بيسر حرص صاحبه على ألا يبرز في الساحة لوحده ، منفردا بموقف دون بقية الفقهاء بل هو شديد الحرص أن يوقف إلى جانبه باستمرار علماء فطاحل قدامى ومعاصرين، حتى وإن كانت آراؤهم لم تلق رواجا في زمنهم، فتركت، أو ظلت مجهولة، فينفض عنها الغبار ويلقي عليها الضوء ويعيد عرضها في ثوب قشيب، باعثا فيها حياة جديدة.

كما هو حريص على تعزيز مواقفه بما يتساوق معها من قيم وخبرات الثقافة المعاصرة مستفيدا من تبحره وغوصه في أعماق وأرجاء مصادر الثقافة الإسلامية واطلاعه على الثقافة المعاصرة، صانعا من كل ذلك صورة جديدة متماسكة، أصيلة ومعاصرة للجهاد الإسلامي تتمتع بمساحة اشتراك واسعة مع السائد من ثقافة معاصرة حول الحرب والسلم.

الجديد فيها ليس الأجزاء، فمعظمها موجود في كنوز التراث إلا أنه متناثر ومجهول، وإنما الجديد الصورة، بحد ذاتها، وهو ما يجعل هذا العمل ساحة لقاء ووفاق، تجد فيه كل الأطراف أو قل معظمها بعض ما هو مألوف لديها بما يسهّل عليها قبول ما هو غير مألوف، وتلك تقاليد عريقة لدى فطاحل علماء السنة أنهم صناع الإجماع في الأمة.

ولذلك لم يكن المؤلف مبالغا في تقدير كتابه هذا أنه يمثل حاجة شديدة لفئات واسعة: الشرعيين والحقوقيين والإسلاميين والمؤرخين والمستشرقين والحواريين والسياسيين والعسكريين وجمهور المثقفين.

قديما وحديثا انقسم الفقهاء إلى فريق الهجوميين كما سماهم القرضاوي وإلى فريق الدفاعيين، أعلن القرضاوي اعتزازه بانتمائه إليهم: هجوميون يرون فرضا على جماعة المسلمين أن تغزو ولو مرة واحدة في السنة ديار الكافرين للدعوة للإسلام وتوسيع دياره، ويرون في الكفر بحد ذاته سببا كافيا لإعلان الحرب وشرعية القتل، حتى وإن لم يجترح أهله عدوانا على المسلمين. وأن جماعة المسلمين تكون آثمة إذا لم تفعل ذلك. ويسند أهل هذا الرأي -وهم جمهور من الفقهاء أبرزهم من القدامى الإمام الشافعي ومن المحدثين سيد قطب والمودودي والنبهاني- يسندون موقفهم بأدلة من الكتاب والسنة ومن وقائع التاريخ.

تتلخص في الآيات الداعية إلى مقاتلة المشركين كافة "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" (التوبة/36) و"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة/29) و"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" (التوبة 5)، واختلفوا في أي منها الآية التي دعوها بآية السيف التي نسخت في رأيهم كل ما يخالفها من آيات ناهزت المائتين تدعو إلى الرحمة والعفو وحرية المعتقد والنهي عن الإكراه والقسوة، وتكل المحاسبة على العقائد إلى الله سبحانه. كما يستندون إلى نصوص حديثية مثل حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله" (رواه البخاري). ويجدون في غزوات النبي عليه السلام وفي الفتوحات الإسلامية في صدر الإسلام ما يعززون به تصورا ينطلق من أن الحرب وليس السلم الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم.

ولا يمنع القرضاوي مخالفته لهم أن يلتمس العذر لهم وبالخصوص القدامى منهم بسبب ما كان سائدا من علاقات بين الأمم والدول تقوم على أساس القوة والحرب، والتهديد الوجودي الذي ظل الإسلام معرضا له منذ لحظة ظهوره داخل البيئة العربية أو من محيطها.

ورغم تأكيد القرضاوي مع آخرين قدامى ومحدثين مما هو إجماع بين المسلمين أن الجهاد يكون واجبا على كل مسلم إذا تعرضت دار الإسلام للعدوان أو تعرض المسلمون للفتنة في دينهم، وأن لكل مسلم حظه من الجهاد مجاهدة لنفسه وللشيطان وللمنكرات وبسطا للمعروف ونصرة للدين بحسب وسعه فإن القرضاوي قد أفضت دراساته وتمحيصاته لمختلف النصوص المتعلقة بالجهاد ومقاربات العلماء والقدامى والمحدثين لها إلى النتائج التالية:

1- أن ما ورد من آي في القرآن الكريم وبخاصة في سورة التوبة من نصوص تأمر بقتال المشركين كافة، كانت من قبيل المعاملة بالمثل "كما يقاتلونكم كافة" ولم تكن توجيها عاما وقاعدة للتعامل مع غير المسلمين كافة، بل كانت حديثا عن فئة مخصوصة من مشركي العرب بدأت بحرب الإسلام منذ ظهوره وطاردته حتى في مهجره ونكثت العهود وألبت عليه الجميع لاستئصال شأفته "ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة" (التوبة 13) وفي السورة نفسها وفي غيرها ما يخصصها من مثل "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" (الأنفال/61) ولا مجال لضرب القرآن بعضه ببعض بل الأصل إعمال كل الآيات والأحاديث وهي تجتمع على إقرار قاعدة: الإسلام يسالم من يسالمه ويحارب من يحاربه.

2- أن الجهاد القتالي ليس فريضة على الجماعة المسلمة وعلى كل مسلم في كل حال مثل فريضة الشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج لأنه على أهميته في بنية الإسلام لم يرد في الأوصاف الثابتة للمتقين التي وردت في سورة البقرة وفي أوصاف المؤمنين كما وردت في سورة الأنفال وسورة (المؤمنون) وصفات أولي الألباب في الرعد وصفات عباد الرحمن في الفرقان وصفات المحسنين في الذاريات وصفات الأبرار في سورة الإنسان، بما يجعل ممارسة الجهاد القتالي فريضة تجب على المسلمين فقط عندما تتوفر موجباتها من مثل العدوان على المسلمين وعلى بلادهم وعلى دينهم ... أما الإعداد له فواجب عليهم في كل حال بحسب الوسع سبيلا للردع وتحقيقا للسلم.

3- ليس على المسلمين غزو ديار الكافرين إذا كانوا آمنين على أنفسهم منهم، حسبهم أن يكون لهم جيش مرهوب الجانب مسلحا بأحدث الأسلحة وعلى أعلى مستوى من التدريب ينشر قواته في كل الثغور حتى يرتدع الأعداء ولا يفكروا في الهجوم على المسلمين فيكون فرض الكفاية قد أدي، (ص91). مع ملاحظة أن القرضاوي يؤثر استخدام مصطلح غير المسلمين بديلا عن مصطلح الكافرين فذلك عرف القرآن في الاستعمال "يا أهل الكتاب" "يا أيها الناس" "يا أيها الإنسان" "يا بني إسرائيل" "يا قوم" "يا بني آدم". ولم يخاطب غير المسلمين بالكافرين إلا في حالات خاصة كانت فيها مساومات على العقيدة.

4- لقد اعترف الإسلام بحرية المعتقد ومسؤولية الإنسان على معتقده أمام الله، وعلى أساس ذلك لم تعرف مجتمعاته الحروب الدينية، فقد تعايشت في ظله ولا تزال كل الديانات السماوية والوضعية، وفق نظام الذمة الذي خوّل المواطنة حتى لغير المسلمين مهما اختلفت دياناتهم، حسبهم ليتمتعوا بحقوق حماية الدولة المسلمة على غرار المسلمين أن يؤدي القادرون منهم ضريبة "الجزية"، وهي تقابل في العصر ضريبة الخدمة العسكرية، فيمكن على أساس توحيد الوعاء الضريبي وتعميم الخدمة العسكرية الاستغناء عن نظام الذمة بسبب ما تعرض للتشويه وليس هو قاعدة من قواعد الدين، وإنما إجراء تنظيمي.

5- أن الظروف التاريخية وليست نصوص الإسلام ما دعا كثيرا من الفقهاء إلى القول بفرضية جهاد الطلب لغزو ديار الكافرين، إذ كانت الأمة مهددة باستمرار من جيرانها الأقوياء، الفرس والروم (ص82)، حيث لم تكن قوانين دولية تقوم على تبادل الاعتراف بين الدول ومنع العدوان كما هو اليوم رغم تجاوز الأقوياء لها.

6- الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم والتعاون على الخير. فالإسلام يبغض الحرب ولا يقدم عليها إلا كارها مضطرا "كتب عليكم القتال وهو كره لكم" (البقرة/216) والسلم هو عنوان الإسلام وهو تحية المسلمين وتحية أهل الجنة وهو اسم من أسماء الله. وأبغض الأسماء عند الله "حرب". وكانت العرب محاربة وتتسمى بهذا الاسم، لكن النبي عليه السلام عندما أخبره علي رضي الله عنه بأن فاطمة رزقت ولدا وأنه سماه "حرب" أمره أن يسميه "حسن".

7- الإسلام يرحب بالمواثيق الدولية التي تحظر العدوان وتنادي إلى السلم في علاقات الدول كما يرحب بالهيئات الدولية التي تقوم على رعايتها مثل الأمم المتحدة واليونسكو، إلا أن الغرب لا يزال يؤمن بمبدأ القوة في علاقاته بالدول والأمم الأخرى. ومن ذلك احتكار دوله الكبرى لحق الاعتراض في تحد صارخ لمبدأ المساواة وضمانا لحماية مصالحها وضروب عدوانها من كل إدانة كما فعلت الولايات المتحدة وبريطانيا في غزوهما للعراق دون تفويض، آمنتين من كل إدانة وكما تفعلان في حمايتهما لكل ما يقوم به الصهاينة من ضروب عدوان على فلسطين وأهلها.

8- في ظل الاعتراف الدولي بحقوق الإنسان ومنها حقه في حرية الاعتقاد والدعوة إليه وإقامة مؤسساته وحماية الأقليات ينتفي مسوغ أساسي من مسوغات جهاد الطلب أي الغزو من أجل الدعوة إلى الإسلام وما كان يهدف إليه من إزاحة عقبة الأنظمة الطاغوتية التي كانت تمنع الشعوب من أن تفكر أو تؤمن بخلاف الفرعون الذي لم يتردد في الاستنكار على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالله قبل أن يأذن لهم "ءامنتم له قبل أن آذن لكم" (طه/71) بينما اليوم قد انداحت في الأرض كما لم يحصل في أي فترة ماضية من تاريخ الإسلام مساجده وأقلياته، بما يجعل حاجتنا أكثر إلى "جيوش جرارة من الدعاة والمعلمين والإعلاميين المدربين المقتدرين على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة وبأساليب عصر للأسف الشديد لا نملك ولو واحد من الألف من المطلوب" (16) ويتحسر القرضاوي على أنك قد تجد الكثير ممن هو مستعد لأن يموت في سبيل الله ولكن القليل القليل من يملك الاستعداد ليعيش في سبيل الله.

9- تكشف مصادر الإسلام أن العالم ينقسم من وجهة نظر الإسلام إلى عوالم ثلاثة: دار إسلام حيث تسود شريعته وفي الأقل تظهر شعائره ويأمن القائمون بها والداعون لها، ودار عهد أي دول بينها وبين دولة المسلمين أو دولتهم تبادل اعتراف ومنع اعتداء، ودار حرب. ويعتبر القرضاوي أن المسلمين بمقتضى كونهم جزءا من نظام الأمم المتحدة هم في حالة تعاهد مع كل دول العالم باستثناء دولة الكيان الصهيوني، بسبب اغتصاب الصهاينة لأرض فلسطين وتشريدهم لشعبها، والمؤسف أن ذلك قد تم بمساعدة الدول الكبرى ولذلك يعتبر القرضاوي أن المشكلة الأكبر في علاقتنا بالغرب هذه المشكلة: دعمه الثابت غير المحدود لإسرائيل وعدوانها المستمر على فلسطين وأهلها.

10- يميز القرضاوي بين الجهاد والإرهاب أو قل بين الإرهاب المشروع أي إرهاب العدو لمنعه من العدوان، وبين الإرهاب غير المشروع، وهو ترويع الآمنين بمثل ما تفعل بعض الجماعات المنتسبة للإسلام من إعلانها الحرب على العالم في استخدام غير مشروع للجهاد في غير موضعه، إذ تروع الآمنين مسلمين وغير مسلمين من أجل تحقيق أهداف سياسية تزعمها سواء داخل دار الإسلام أو خارجها، في مخالفات صريحة لمبادئ وأخلاقيات الجهاد في الإسلام وإساءة له أيما إساءة وتأليب الأمم عليه وعلى أهله ومحاصرة أقلياته. ولذلك استنكر القرضاوي أحداث العنف المعروفة التي اقترفتها هذه الجماعات المتشددة في بلاد إسلامية وغير إسلامية في حق نفوس آمنة، سواء أكانوا سواحا مستأمنين أم غيرهم. وفند مشروعية ما تقترفه هذه الجماعات من قتل عشوائي واستباحة لأرواح ودماء معصومة.

11- القرضاوي حريص أيما حرص على التمييز بين جماعات التشدد المعلنة حربها على العالم في قتل عشوائي أساء للإسلام ومكن لأعدائه أسلحة ماضية في حربه، وبين جماعات المقاومة للاحتلال، فبقدر ما شجب الأولى وفند أسانيدها بقدر دفاعه عن الثانية وتحريضه الأمة للوقوف معها وبخاصة في فلسطين، على أن تستهدف أعمالها العسكريين. ولم يتردد في تسويغ العمليات الاستشهادية معتبرا إياها سلاح المضطر الذي حرم من سلاح مكافئ لما في يد عدوه لدفعه عن داره وأرضه إلا أن عدالة الله سبحانه تأبى أن يحرم الضعيف من أي سلاح ، فكان استخدامه لجسمه ذاته سلاحا رادعا. وفي كل الأحوال يجب الالتزام بأخلاقيات الجهاد في الإسلام فلا يستهدف إلا مقاتل.

12- ولا يفوت القرضاوي وهو يؤكد أن أول أنواع الجهاد الواجب على الأمة في العصر تحريرها من بقايا الاستعمار وخصوصا في فلسطين، أن ينبه ويؤكد خطأ البعض ممن يتوهم أن الحرب القائمة بيننا وبين اليهود حرب من أجل أنهم ساميون مع أننا ساميون مثلهم ننحدر جميعا من سلالة إبراهيم، أو أنها حرب من أجل العقيدة، كلا فاليهود يعتبرهم الإسلام أهل كتاب يبيح مؤاكلتهم ومصاهرتهم وعاشوا بين ظهراني المسلمين آمنين وآويناهم لما نبذتهم أوروبا من إسبانيا وغيرها ولم يجدوا صدرا حنونا إلا في دار الإسلام. الواقع أن المعركة بيننا وبين اليهود بدأت بسبب واحد لا شريك له أنهم اغتصبوا أرض فلسطين وشردوا أهلنا وفرضوا وجودهم الدخيل بالحديد والنار وستظل المعركة قائمة ما دامت الأسباب قائمة. لا يملك أحد أن يتنازل عن أرض إسلامية، إنما يمكن إقامة هدنة بيننا وبين إسرائيل لفترة من الزمن. أما مبدأ الأرض مقابل السلام فهو مبدأ غريب حقا فرضه منطق القوة الغاشمة للعدو لا غير، لأن الأرض أرضنا لا أرضه حتى يتفضل بتنازله عنها مقابل سلامه هو. (ص1090)

13- وكما كان له ولشيخه محمد الغزالي دور ريادي في التصدي لتلك الجماعات ومنعها من اختطاف الإسلام ودفعها عن المجرى الرئيس للإسلام نحو الهامش بتعرية أعمالها عن كل مشروعية جهادية إسلامية داخل دار الإسلام وخارجها، فقد نوه بالمراجعات المهمة التي قامت بها أهم تلك الجماعات واجدة في أعماله بعد أن كانت تطعن فيها سندا قويا للإقدام على تلك المراجعات التي وصفها بالشجاعة والمستنيرة .(ص1168)

وفي الخلاصة: إنه مهما بلغ هذا العمل في هذه القضية الكبرى من العمق والإحاطة تبقى جوانب منه تحتاج للمزيد من التعمق والبيان من مثل وضعية العلاقة بين الدولة/الدول الإسلامية، وبين دول تضطهد أقليات إسلامية اضطهادا قد يبلغ حد فتنتها عن دينها واستهدافها بالاستئصال، كما حصل للأقليات الإسلامية في ظل الاتحاد السوفياتي سابقا وفي الصين حاليا وبورما والفلبين ..إلخ. كانت قبل ضم أراضيها أغلبية وسيدة في أرضها. هل يسري عليها اعتبار المؤلف أن العالم كله دار عهد وسلم حسب قانون الأمم المتحدة وانحصرت علاقات الحرب في إسرائيل، بينما آيتا الممتحنة "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم..." (الممتحنة/8-9) اعتبرهما المؤلف تمثلان الدستور الذي يحكم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها، يستثني مثل تلك الدول التي تفتن مسلميها، من علاقات السلم معها.

أما إذا أردنا أن يشملها السلم على أساس أنها مستثناة بآية الأنفال "إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق" فهل يجوز عقد ذلك الميثاق أصلا مع دولة تضطهد المسلمين، والشبه كبير بين ما تعرضت وتتعرض له أقليات إسلامية من تقتيل وترحيل وتطهير وبين ما حصل ويحصل في إسرائيل بل أشد منه؟ وبالنسبة للكيان الصهيوني الذي حرّم الشيخ مع جمهور الفقهاء إقامة علاقة سلم معه، ما أثر مواثيق السلم التي عقدتها "دول إسلامية" معه، على واجب المسلمين في دعم حركات المقاومة، هل يجب أن ينضبط بمواثيق تلك الدول؟

وعلى ذلك تأسس التزام النظام المصري بالحصار المفروض على غزة و إدانته لخلية حزب الله في مصر وحوكم إسلاميون مثل د. عبد المنعم أبو الفتوح؟ أم يجب اعتبار تلك المواثيق باطلة أصلا وما بني عليها مثلها؟ وفي هذه الحالة كيف تكون العلاقة مع مثل تلك الدول التي تعقد متحدية إرادة شعوبها، علاقات سلم مع أعداء الأمة؟ هل يجوز الخروج عليها بنوع من أنواع الخروج إذا توفرت أسبابه باعتبارها متحدية لمصالح الأمة العليا وما هو معلوم من الدين من واجب موالاة المسلمين، على غرار الدول العلمانية المتطرفة التي تجاهر بمحاربة التدين وتتبنى خطط تجفيف منابع التدين حتى جرّمت المسلمة التي تأتمر بأوامر ربها وحرمتها من التعلم والتوظف والعلاج ولم يعد الإسلام مرجعيتها الحاكمة ولم تعد قيم الإسلام وموازينه ومفاهيمه هي الحاكمة، تلك الدول التي تحدث عنها المؤلف وأجاز الخروج عليها إذا توفرت أسبابه لولا أن المؤلف يعتبر أن الجماهير لم تعد تملك من القوة لمواجهة مثل تلك الحكومات، فالواجب اتخاذ الوسائل السلمية في التغيير؟. (ص1187 وما بعدها)

ويبقى عمل القرضاوي في فقه الجهاد انجازا علميا وسياسيا عظيما واجتهادا إسلاميا أصيلا ينتصر لمبدأ الجهاد باعتباره آلية إسلامية دائمة للدفاع بمعناه الشامل، تعرضت من داخل الإسلام وخارجه لضروب شتى من التشويه والإساءة للإسلام من خلاله.

القرضاوي يستع

انشر عبر