شريط الأخبار

تقرير حقوقي في أراضي 1948 يرصد قمع الاحتجاج على العدوان على غزة

04:22 - 22 تموز / سبتمبر 2009

فلسطين اليوم-القدس المحتلة

نشر مركز 'عدالة' الحقوقي في أراضي 1948، اليوم، تقريرا شاملاً هو الأول من نوعه، كشف من خلاله عن الطرق التي استخدمتها سلطات 'تطبيق القانون' في إسرائيل للرد على احتجاجات المواطنين العرب وبعض المواطنين اليهود المناهضين للعدوان العسكري الأخير (كانون أول 2008 – كانون ثاني 2009) على قطاع غزة.

 

وقال المركز في بيان له، إن التقرير يكشف كيف قامت الشرطة الإسرائيلية والنيابة العامة وجهاز الأمن العام 'الشاباك' والمحاكم وحتى مؤسسات أكاديمية معينة بتحويل الاعتقال والسجن وقمع المظاهرات إلى أداة سهلة وسريعة لقمع احتجاجات المعارضين للعدوان العسكريّ، ولردع المتظاهرين والدوس على حق المواطنين العرب ومناهضي العدوان من اليهود بالتعبير عن الرأي.

 

ويظهر من المعلومات أن 832 شخصًا اعتقلتهم الشرطة أثناء العدوان العسكري؛ 34% من المعتقلين كانوا قاصرين، تحت سن 18 عامًا، 80% من مجمل المتهمين اعتقلوا حتى الانتهاء من الإجراءات، من ضمنهم 54% من القاصرين. جميع المتهمين من لواء الشمال اعتقلوا حتى نهاية الإجراءات؛ 94% من المتهمين في لواء القدس اعتقلوا حتى نهاية الإجراءات فيما لم يُعتقل أيّ متهم من لواء تل أبيب حتى نهاية الإجراءات.

 

وتدل استخلاصات التقرير على أنّ السلطات تبنّت تعاملا خاليًا من أيّ تسامح تجاه مُناهضي العدوان، في كل موقع شهد أحداثًا احتجاجية تقريبًا، وحتى في الأماكن التي لم تشهد أي أحداث عنف. وقد تجلى هذا التوجه في تفريق المظاهرات، عنف الشرطة، احتجاز المتظاهرين وحملة اعتقالات منهجية.

 

وجاء أن الشرطة الإسرائيلية منعت بشكل غير قانوني الاعتصامات والمظاهرات رغم كونها قانونية وشنت حملة اعتقالات جماعية التي طالت الكثيرين حتى من لم يقم بأي شيء سوى التواجد في مكان الاحتجاج. وبكثير من العبثية والمفارقة، رأت الشرطة في النشاطات الاحتجاجية ضد العدوان العسكريّ خرقًا للسّلام والهدوء بادعاء أن هنالك بعض المتظاهرين الداعمين للعدوان بالقرب من المكان ويكفي ذلك لشرعنة تفريغ المظاهرات والاحتجاجات.

 

وأضاف البيان أن النيابة العامة والشرطة حولتا كل مظاهرة أو نشاط احتجاجي إلى تهديد على أمن الدولة، وبناء عليه تم تقديم  استئنافًا على كلّ قرار صدر بإطلاق سراح مشتبه به من الاعتقال، وكسبتا جميع الاستئنافات التي قدّمتاها. وفي بعض الحالات قامت الشرطة بتضخيم الشبهات التي وردت في طلبات الاعتقال، وذلك بغية تبرير اعتقال وإبعاد المتظاهر عن بيئته، ليس إلا. وقد قُدمت غالبية لوائح الاتهام بصدد المشاركة في تجمهرات محظورة والمشاغبة والاعتداء على شرطيّ حسب ما  ورد من الناطق العام باسم الشرطة. قُدم عدد ضئيل جدًا من لوائح الاتهام بصدد تشكيل خطر على حياة الناس في درب مواصلات.

 

وتابع البيان أن المحاكم شاركت بشكل غير مباشر في قمع الاحتجاجات. فقد ظهر جليا من قرارات المحاكم التي أوردها التقرير كيف وضعت المحاكم جانبًا مبادئ الفحص المفصّل، التي تميّز القوانين الجنائية برمّتها، وفضلت اعتقال المشتبه بهم بشكل جارف وبالجملة، بادعاء كون المخالفة 'مخالفة نابعة من الزمن العينيّ' و'لم تتغيّر الأزمان بعد' (أي أنّ المخالفة المذكورة خاصة بفترة الحرب وهي ليست عادية).

 

ففي محكمة الصلح في الناصرة على سبيل المثال، عثرت معدتا التقرير على قراريْن متطابقيْن منسوخيْن عن بعضهما البعض، رغم أنهما يعودان إلى أربعة مشتبهين مختلفين الذين تولى المرافعة عنهم أربع محامين مختلفين. وخلافًا لجميع المعايير الخاصّة بالقوانين الداخلية والدولية وبدعم من المحكمة العليا، كان التعامل مع القاصرين مماثلاً للتعامل مع البالغين، من دون أيّ تمييز بين الفئتين.

 

ومن التحقيقات والبحث، تبين أنه تم إصدار تعليمات عينية للتعامل مع الاحتجاجات والمعتقلين، لكن الشرطة رفضت كشف هذه التعليمات. ونحن نذكر مثل هذه التعليمات من فترة أحداث 'أكتوبر 2000' التي خصصت فيها النيابة موارد وجهودًا لفحص طرق يمكن من خلالها التشديد مع المعتقلين، إلى جانب إهمالها كليًا التعامل مع السّؤال حول مقتل 13 متظاهرًا وعلى من تقع مسؤولية قتلهم. ويشدد مركز عدالة على أن طريقة قمع موجة الاحتجاج خلال العدوان العسكري على غزة، كما تجلت في تصرف الشرطة، النيابة العامة، الشاباك والمحاكم لا تختلف كثيرا عن قمع موجة الاحتجاج خلال شهر أكتوبر من العام 2000 غير أنه في أكتوبر 2000 سقط 13 شهيدا وفي المظاهرات الأخيرة لم يحدث ذلك.

 

'الشاباك' كان أيضًا شريكًا في إخراس الأصوات الاحتجاجية. وقد دعا 'الشاباك' العشرات من الناشطين السياسيين الذين نظموا الاعتصامات الاحتجاجية والمظاهرات إلى التحقيق. وشهد هؤلاء الناشطون أمام عدالة بأنّ 'الشاباك' وجّه إليهم أسئلة سياسية وهدّد بملاحقتهم قضائيًا ونسب المسؤولية عن أية جناية تُرتكب في المظاهرات إليهم، حتى لو لم يقوموا هم شخصيًا بارتكابها. ودعم المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية ضلوع 'الشاباك' ونهج الاستجوابات والتهديدات التي مارسها، بادعاء أنّ الأمر جرى بغية تهدئة الخواطر.

 

المؤسسات الأكاديمية في إسرائيل التي لم تكترث بتاتا بحملة الاعتقالات كما يظهر من التقرير، بل وشاركت هي أيضا بمضايقة الناهضين للعدوان العسكري. وأبرزت مؤسّسات أكاديمية مثل جامعة حيفا على بناياتها ومن خلال إعلانات تجارية مدفوعة في الصحف، 'العِزة' القومية التي أثارها فيها العدوان العسكريّ. وفي نفس الآن، لم تتردّد الجامعة في ترتيب دخول عشرات الشرطيين من المشاة والخيّالة إلى الحرم الجامعيّ، من أجل تفريق تجمعات الطلاب العرب الذين طالبوا بوقف التعليم لعدة ساعات احتجاجًا على العدوان العسكريّ، تفريقًا عنيفًا. كما أنّ العنف المفرط الذي واجهه الطلاب والاعتقالات العبثية وقمع احتجاجاتهم لم تحظَ كلها بأيّ استنكار من طرف الجامعة.

 

في المجمل يظهر، هذا التقرير أن سلطات 'القانون' تكاتفت جميعا وطبقت مفهوم 'التعامل الخالي من التسامح والتساهل' والذي برز في قمع النشاطات الاحتجاجية السلمية التي قام بها المعارضون للعدوان العسكري بالاعتقالات الجماعية، وبالتعليمات السرية، وبتقديم لوائح الاتهام، وبعنف الشرطة، وبمصادرة الحافلات وفي تحقيقات الشاباك. أشخاص الذين ليست لهم أي سوابق جنائية، وجدوا أنفسهم داخل غياهب وذلك فقط لأنهم أرادوا إسماع صوت احتجاجهم ضد العدوان العسكري الهمجي الظالم.

 

يذكر أن هذا التقرير شكل أحد المصادر الرئيسية التي اعتمدت عليها لجنة الأمم المتحدة التي حققت في مخالفات القانون الدولي وقانون حقوق الإنساني قطاع غزة خلال العدوان العسكري (لجنة غولدستون). اللجنة خصصت في تقريرها فصلا كاملا لقمع احتجاج مناهضي الحملة العسكرية وارتكزت في ذلك على هذا التقرير وعلى معلومات أخرى وفرها لها مركز عدالة.

انشر عبر