شريط الأخبار

الحلقات المفقودة في الورقة المصرية .. صالح النعامي

04:21 - 18 تموز / سبتمبر 2009

بقلم: صالح النعامي

الشهادات المروعة حول عمليات التعذيب الممنهج الذي يتعرض له قادة ونشطاء حركة حماس في سجن "جنيد" في مدينة نابلس التابع للسلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس تثير الإشمئزاز. أساتذة جامعات وعلماء وأشخاص سبق أن اعتُقلوا سنين طويلة في سجون الاحتلال يعذبون بكل وحشية. بعض الشهادات تتحدث عن قيام جلادي عباس بنتف لحى بعض العلماء وإجبارهم على الإتيان بحركات مهينة تحت الإكراه، فضلاً عن تهديدهم بهتك الأعراض. وفي حالات أخرى لم يتردد السجَّانون في اعتقال زوجات المجاهدين وتعذيب أزواجهن أمامهم من أجل كسر شكيمتهم وإجبارهم على الإقرار بما لم يفعلوا. في ظل هذا الواقع قدمت القاهرة بما اصطُلح على تسميته بـ "الورقة المصرية".

وإن كان مصطلح "الفرصة الأخيرة" قد أُطلق على العديد من المقترحات التي بُلورت في الآونة الأخيرة كصيغ لحل القضايا الخلافية العالقة بين حركتي فتح وحماس، حتى إن هذا المصطلح فقد قيمته بعد أن تبين أن التعاطي مع هذه المقترحات دلل بشكل واضح على عمق الخلاف المستشري بين الطرفين، فإن كل المؤشرات تدلل على أن مصير الورقة المصرية التي سارع المسئولون المصريون لوصفها بـ "الفرصة الأخيرة" لن يشذ عن مصير المقترحات السابقة.

وقد اشتملت الورقة على محورين أساسين؛ محور يتضمن النقاط التي سبق لكل من فتح وحماس أن اتفقتا عليها في الحوارات السابقة، ومحور يتضمن صيغًا توفيقية لحل القضايا الخلافية العالقة بين الجانبين. ونحن سنسجل بعض الملاحظات الهامة على الورقة المصرية:

أولاً: تجاهل معالجة الخلافات السياسية القائمة بين حركتي فتح وحماس، فقد خلت الورقة تماماً من أي بحث معمَّق لجوهر الخلافات السياسية القائمة بين فتح وحماس، مع العلم أن جوهر الخلاف هو سياسي قبل أن يكون وظيفياً. فعلى سبيل المثال تقبل حركة حماس فقط صيغة برنامج سياسي يقوم على "احترام" الاتفاقيات والتعهدات التي أبرمتها منظمة التحرير، في حين أن حركة "فتح" تصرُّ على أن يقوم البرنامج السياسي لأي حكومة على نص يضمن الالتزام بتلك الاتفاقيات والتعهدات. وبدلاً من وضع صيغة لحل الخلاف حول هذه القضية، فإن الورقة المصرية تجاهلت هذا الخلاف الجوهري والمفصلي، فهل يُعقل أن يتم لمُّ شمل الفلسطينيين بدون الاتفاق على الرؤية السياسية، خصوصاً في ظل جدية المسعى الأمريكي والدولي نحو إحياء عملية تسوية تهدف إلى تصفية القضية الوطنية الفلسطينية؟.

وإذا كانت مصر تسلِّم ببقاء الخلاف حول موضوع التسوية قائماً على شكله الحالي، فهل هذا يمثل مصدر قوة للجانب الفلسطيني في ظل الحديث عن تحرك أمريكي لحل الصراع؟.. لأن بقاء الخلاف على هذا الحال يدلل على ضعف الموقف الفلسطيني بشكل يجعله عرضة لمزيد من الضغوط من قبل أمريكا وإسرائيل. ومن ناحية ثانية فإن الولايات المتحدة، لن تقبل مواصلة العمل لإحياء عملية التسوية في ظل معارضة حمساوية قوية، يمكن أن تؤثر على العملية السياسية ومستقبلها، من هنا فإن السلطة ستكون مطالبة بمواصلة حربها القمعية ضد حركة حماس في الضفة الغربية، في حين يستدعي الأمر مواصلة الحصار الخانق على قطاع غزة؛ على أمل أن تنكسر إرادة حركة حماس ، وتقبل بأصول اللعبة التي تحددها واشنطن وتل أبيب.

ثانياً: تجاهلت الورقة الموقف من المقاومة ضد الاحتلال، على الرغم من أن هذه القضية تعدُّ جوهرية في الجدل والخلاف الفلسطيني الداخلي، وبدون التوصل لتفاهم حولها، فإنها ستبقى مصدراً من مصادر التوتر بين الجانبين، مع العلم أنه لو كانت الفصائل الفلسطينية مستعدة لتجاوز تحديد الموقف من المقاومة، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تقبلا تجاوز المسألة وستصران على تحديد موقف فلسطيني واضح وجلي منها.

ثالثاً: لا يمكن القبول بتأجيل حسم ملف المعتقلين السياسيين إلى ما بعد التوقيع على اتفاق مصالحة، على اعتبار أن هذا يعني مواصلة مئات الأُسر الفلسطينية المعاناة في ظل تواتر المعلومات حول تعرض أربابها وأبنائها للتعذيب الممنهج. إن دعوة الورقة المصرية لتأجيل البحث في ملف المعتقلين إدراك من المسئولين المصريين حقيقة أن عباس وفياض لا يمكنهما البت في هذا الملف، حيث يحتاجان لإذن مسبق من الإدارة الأمريكية، حيث يُحكِم المنسق الأمريكي كيث دايتون قبضته على كل شاردة وواردة في الملف الأمني في الضفة الغربية.

رابعاً: اتَّسم الكثير من البنود الواردة في الورقة بالضبابية وعدم الوضوح، سيما في موضوع اللجنة الفصائلية التي تقترحها لإدارة قطاع غزة، فهل تشكيل هذه اللجنة يعني وضع حدٍّ لوجود حكومة هنية، فضلاً عن أن هناك غموضًا واضحًا في كل ما يتعلق بملف الأجهزة الأمنية. فعلى سبيل المثال: هل سيتم إعادة صياغة الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية كما هو الحال في قطاع غزة؟ وهل سيتم وضع الأجهزة الأمنية في قطاع غزة تحت وصاية دايتون على غرار ما يجري في الضفة الغربية؟.

خامساً: على الرغم من أن الجميع يتجاهلون الموقف الإسرائيلي وتأثيره على مستقبل جهود المصالحة الفلسطينية، فإن الإسرائيليين لا يخفون تأثيرهم الكبير والحاسم على هذا الملف. فقد قال القائم بأعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير التعاون الإقليمي سيلفان شالوم في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي صباح الأحد الماضي تعقيباً على تقديم الورقة المصرية: إن الحكومة الإسرائيلية ترى في عودة الوحدة الوطنية الفلسطينية الداخلية "دليلاً على تخلي أبو مازن عن خيار التسوية". وأضاف: "استعادة الوحدة الوطنية يعني إضفاء شرعية على وجود حركة حماس كطرف سياسي مؤثر، وفي ظل هذا الوقع لن يكون بالإمكان التوصل لتسوية سياسية تضمن مصالح إسرائيل"، على حد تعبيره.

قصارى القول أن كل الدلائل تؤكد أن جهود الوساطة التي تُبذل والصيغ التوفيقية التي يتم تقديمها بين الفيْنة والأخرى لن تنجح في وضع حدٍّ للانقسام الداخلي، ليس فقط بسبب عمق الخلافات بين فتح وحماس، بل وبشكل أكبر؛ بسبب قوة التدخلات الخارجية.

انشر عبر