شريط الأخبار

ايام اوسلو البهيجة .. هآرتس

05:42 - 11 حزيران / سبتمبر 2009

بقلم: عكيفا الدار

في 13 ايلول 1993 عندما صافح رئيس الوزراء اسحق رابين زعيم م.ت.ف ياسر عرفات كان من الصعب على المرء ان يجد شخصا يتجرأ على المخاطرة بالتنبؤ في أنه بعد 16 سنة سيضع زعيم م.ت.ف محمود عباس (ابو مازن) شروطا على اللقاء مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو. عشية احتفال التوقيع على اتفاق اوسلو – او في تعريفه الرسمي (اعلان المبادىء بشأن تسوية انتقالية لحكم ذاتي" – وقف في حينه النائب بنيامين نتنياهو على منصة الكنيست واتهم رابين بانه اسوأ من تشمبرلين.

"نحن سنعمل بكل الوسائل المشروعة التي تحت تصرف المعارضة في الديمقراطية كي نوقف هذه المسيرة السخيفة التي تعرض للخطر مجرد مستقبل الدولة"، قال نتنياهو. قبل 13 سنة من اعلانه تأييده لاقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل كتب في كتابه "الحرب ضد الارهاب" ان "في اتفاقات اوسلو وضعت حكومة اليسار عمليا الاساس لتحقيق المرحلة الاولى في خطة المراحل لـ م.ت.ف: انسحاب الى حدود 1967 وخلق شروط لاقامة دولة م.ت.ف مستقلة على حدود دولة اسرائيل. وصف نتنياهو في حينه د. يئير هيرشفلد ود. رون بوندك، الرجلين اللذين فتحا القناة السرية في اوسلو بانهما "اكاديميان منقطعان".

عندما التقى هذا الاسبوع في مكتب د. يوسي بيلين، الرجل الذي شد الخيوط خلف الكواليس بصفته نائبا لوزير الخارجية في حينه شمعون بيرس، سمح هيرشفلد لنفسه بابتسامة سماح. "نتنياهو، مثل كل باقي السياسيين الذين وعدوا بالغاء اوسلو يحترم مبادىء الاتفاق"، قال. بونداك يقف اليوم على رأس صندوق التعاون الاقتصادي وساهم بدوره ايضا في المفاوضات على صيغة الاتفاق الدائم، التي عرفت في منتصف التسعينيات كـ "اتفاق بيلين – ابو مازن".

بيلين، الذي يقف اليوم على رأس "مبادرة جنيف"، يقول ان "اوسلو غير كل منظومة مفاهيم المجتمع الاسرائيلي. فقد فعل بها ما لم تفعله بها كل الحروب، بما في ذلك صدمة يوم الغفران". اوري سفير، الذي ارسله رابين الى اوسلو كي يدير المفاوضات الرسمية مع الفريق الفلسطيني برئاسة احمد قريع (ابو علاء)، يصف الاتفاق بانه "حسم استراتيجي للصهيونية لضمان أن تبقى اسرائيل دولة يهودية وديمقراطية". وهو يقول انه بدون الاتفاق ما كانت الجامعة العربية ان تقترح في 2002 مبادرتها للسلام. بدونه، كان من الصعب اكثر بكثير تجنيد الاسرة الدولية للكفاح ضد ايران.

طلاق مؤكد

مثل رفيقيه، فان سفير مقتنع بان "اوسلو لم يمت"، وان التسوية الدائمة، مهما كانت تفاصيلها، ستعتمد في نهاية المطاف على خريطة المناطق الثلاثة لاوسلو ب ومفهومها الامني. سفير، الذي مثل بيغن، يدمج الاعمال التجارية الاقتصادية واعمال السلام ويشغل رئيس منصب بيرس للسلام مقتنع بانه لولا الرؤيا التي ولدت اتفاق اوسلو لكانت المستوطنات جسدت ما يسميه "كابوس ارض اسرائيل الكاملة".

ولكن رابين لم يكن مستعدا باي حال بان يضم الى الاتفاق أي تعهد بالنسبة للمستوطنات. كان ينبغي على الفلسطينيين أن يستجدوا سفير كي يسلمهم نسخة رسمية من قرار الحكومة في حينه، لتجميد المستوطنات، الخطوة التي اتخذت للسماح بتلقي الضمانات من الولايات المتحدة لتمويل استيعاب المهاجرين من رابطة الشعوب. ويقول سفير انه في نظرة الى الوراء يأسف على أن الاتفاق سمح للمستوطنين بدق المزيد فالمزيد من الاوتاد في المناطق، وارتفع عددهم من 110 الف في 1993 الى نحو 300 الف اليوم (دون شرقي القدس). ويواصل سفير القول: "هذا ترك ثغرة كبيرة لمواصلة الخدعة الاسرائيلية وتآكل ثقة الفلسطينيين. كان ينبغي لنا أن نصر على التجميد حتى بثمن المواجهة مع المستوطنين".

وهو يعتقد بان رابين هدر الفرصة لاخلاء مستوطني الخليل في اعقاب المذبحة التي ارتكبها باروخ غولدشتاين في الحرم الابراهيمي في عيد المساخر (البوريم) في 1994. ورغم النمو الطبيعي – وهو غير الطبيعي بهذا القدر – في المستوطنات، فقد قرب اتفاق اوسلو اسرائيل من تطبيع ما مع بضع دول عربية. ولا ريب لبيلين بانه لولا ثقة الملك حسين بصدق نوايا رابين بالنسبة لانهاء الاحتلال، ما كان ليوقع حتى اليوم اتفاق سلام مع الاردن. كما أن دول الخليج ما كانت لتسارع الى السماح لاسرائيل أن تفتح لديها ممثليات، ومشكوك جدا أن تكون الفاتيكان ستوقع على اتفاق لاقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الدولة اليهودية. دول عديدة وهامة، بينها تركيا واليونان، طورت في حينه العلاقات مع القدس وسلسلة كبيرة من الشركات الدولية الكبرى التي امتنعت على مدى السنين بسبب المقاطعة العربية، فتحت مكاتب لها في تل أبيب.

امكانية استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين تبعث من جديد الجدال بين مؤيدي التسويات الانتقالية وبين معسكر التسوية الدائمة. منذ 1993، عندما كانت الاتصالات مع الفلسطينيين في مهدها، اقترح بيلين وهيرشفلد على بيرس خطة لخمس سنوات لاقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل. وكانت المرحلة الاولى انسحابا من قطاع غزة، لاقامة نظام وصايا دولية هناك. ولو كان الامر منوطا بهما، في 13 ايلول 1993، لوقع رابين وعرفات على الحدود الدائمة بين اسرائيل والفلسطينيين ووجدا حلولا ايضا لمسألتي القدس واللاجئين.

ويرد بيلين الادعاء بان التسويات الانتقالية تؤدي دورا هاما لفترة التجربة وتسمح باصلاح الاخطاء. فقد قرأ بحثا يبين ان معدل الطلاق لدى الازواج الشابة ممن عاشوا معا قبل الزواج اكبر من الازواج التي عاشوا على انفراد قبل ذلك. هيرشفلد يقول ان التسويات الانتقالية توفر مدى زمنيا لغرض المفاوضات على التسوية الدائمة، ولكن ذلك شريطة ان يكون هذا زمنا محدودا. اما سفير فيدعي بانه في الجانب الفلسطيني ايضا لم يكن في حينه شريك لتسوية دائمة. وحتى عرفات، مثل رابين وبيرس، فضل السير على الامر المضمون، على أمل ان تفعل المسيرة والزمن فعلهما في الراي العام.

تجربة اوسلو علمت الثلاثة بان السياسيين في اسرائيل يخضعون لتأثير مبالغ فيه من القيادة العسكرية على عملية اتخاذ القرارات في الساحة السياسية. "هذا الدور"، كما يهاجم بيلين، "خلق الامر غير المنطقي الغبي لمناطق أ و ب و ج ". ويضيف سفير بانه "ما كنا يقظين للتأثير السيء لاعتبارات الامن الاسرائيلية على خط الفقر في المناطق وعلى الارهاب". درس سفير هو ان وزارة الخارجية، وليس جهاز الامن، يجب ان تقود خطوات من هذا القبيل، ومع ذلك، مثل رفاقه، فانه لا يوفر الانتقاد على عرفات الذي لم يجتهد كي يبني مؤسسات مناسبة واظهر وهنا في مكافحة المحافل المتطرفة مثل حماس.

لم يوفروا البضاعة

ويذكر هيرشفلد انه غداة التوقيع على الاتفاق، اظهرت الاستطلاعات تصاعد التأييد لرابين. بعد نحو سنة وسلسلة طويلة من العمليات هبط التأييد له الى 22 في المائة. ويجمل القول بان "الطرفين لم يوفرا البضاعة. نحن لم نعطهم ممرا حرا في المناطق وهم لم يعطونا امنا". درسه هو أنه دون تغيير جوهري للوضع على الارض – حرية الحركة والحرية من الارهاب – لا يمكن الوصول الى تسوية دائمة.

المفاوضات في اوسلو كانت محاولة اولى للوصول الى اتفاق بين اسرائيل وطرف عربي دون دور فاعل لطرف ثالث، أي الولايات المتحدة. وقد طلب من النرويج ان تقدم خدمات ضيافة واجواء مريحة بعد أن اوضح الامريكيون لبيلين في كانون الثاني 1992 بان قرار الكونغرس لا يسمح لهم بادارة اتصالات مباشرة مع م.ت.ف . في نظر بيلين اتفاق اوسلو هو دليل واضح على أن اسرائيل والعرب قادرون على الوصول الى اتفاقات دون اكراه ودون وسطاء. المساعدة الدولية جاءت بعد أن كان الاتفاق مبرما.

نقطة الضعف في مسيرة اوسلو، كما يجمل الثلاثة، لم تكن غياب الرغبة في التقدم او ضعف بند ما في الاتفاق. الازمات نبعت، بزعمهم، من اخفاقات تطبيق الاتفاقات والمعارضات من الداخل – في القدس وفي رام الله. وهم يعترفون بانهم رغم نجاحهم في تحطيم الحلم الجماعي بارض اسرائيل الكاملة، خسروا في الصراع على الرأي العام. حملة "مجرمي اوسلو" و "لماذا اعطيتموهم البنادق؟" والتي كانت ذروتها في قتل رئيس الوزراء، اعاد في المرة الاولى الليكود الى الحكم. مهزلة كامب ديفيد في 2000، بمشاركة ايهود باراك وعرفات اعادت اليمين الى الحكم في المرة الثانية، والانتفاضة الثانية صفت معسكر السلام. بيلين، نبي اوسلو الذي اصبح رجل اعمال، مقتنع بان الشتائم ستنتهي في اليوم الذي يصبح فيه اتفاق اوسلو اتفاق السلام مع الفلسطينيين. اذا قرر رئيس الوزراء السير في هذه الطريق، فانه سيتمتع بتفوق كبير: رئيس المعارضة نتنياهو لن ينتقده قائلا: "انت اسوأ من تشمبرلين".

انشر عبر