شريط الأخبار

شرط التوحيد الفلسطيني .. عبد الحليم قنديل

12:14 - 07 تموز / سبتمبر 2009

بقلم: عبد الحليم قنديل

ربما لا تكون من قيمة - كبيرة أو صغيرة - لجولات الحوار الفلسطيني المؤجلة والمعجلة في القاهرة، فمواقف حماس - كما مواقف فتح - هي هي، وموضوعات التداول عقيمة، والفرز متصل إلى جناحين لا يكاد يفرق بينهما غير الولاء القبلي لعباس أو لقيادة حماس.

عباس ضمن قيادة موالية في لجنة فتح المركزية، وسد الثقوب في إطار تذكاري متآكل لمنظمة التحرير، وعقد مجلسا وطنيا شكلانيا انتهى إلى استكمال عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وطوى معارضة فاروق القدومي بالضغط المالي والإداري، بينما تستند حماس إلى ثقلها الذاتي، وحكمها المنفرد لغزة، وتحالفها الثابت مع حركة الجهاد الإسلامي، ومع 'تحالف القوى الفلسطينية' التي تقيم أغلب قياداتها في دمشق.

وكلا الطرفين في أزمة مقيمة ومخيمة، فقد يستطيع عباس تجاهل ما يجري كله، والاستناد إلى دعم محسوس من الأمريكيين والإسرائيليين واللجنة الرباعية الدولية، والمجازفة بتجاهل وجود حماس من أصله، والدعوة لانتخابات رئاسية وتشريعية تجرى مبكرة في أواخر العام الحالي، أو في أوائل العام المقبل، ولايعنيه من يقاطع، ويحصر سلطته في حكم إداري محدود بنفوذ رام الله، ويسقط غزة من الحساب، فهو يعرف أنه لا فرصة لإجراء الإنتخابات في غزة دون موافقة حماس، والأخيرة تملك ورقة الإعاقة، وتنسج خيوط تواصل تخصها مع الأطراف المعنية، وتدير مفاوضات غير مباشرة مع نتنياهو مقابل مفاوضات عباس المباشرة، ومن حول موضوعات تملك حماس وحدها فرصة البت فيها دون عباس، ومن نوع الوضع في غزة، وقصص المعابر، وملف جلعاد شاليط الذي دخلت المخابرات الألمانية على خط التفاوض فيه، وبعد تعثر وساطات القاهرة المأزومة داخليا، والمشغولة بأولوية خدمة إسرائيل على سبيل المقايضة - لدى واشنطن - مع تسهيل سيناريو توريث الرئاسة لابن مبارك، أو تجديد بطاقة الاعتماد للأب الموغل في عقده التاسع.

والمحصلة: أن انسدادا انتهت إليه مفاوضات عباس وحماس، وربما لم تتبق غير المناكفات، ومن نوع تأكيد السيطرة على إمارة رام الله أو إمارة غزة، وتبادل الاتهامات حول الاعتقالات والاحتجازات، والسباق إلى إثبات جدارة التفاوض مع الإسرائيليين، ومع علم الطرفين - الأكيد - بأنه لا فرصة لتسويات ذات بال، فالوسيط الأمريكي بلغ حد الإنهاك، وباراك أوباما ينزل من فوق الشجرة، ويطوي ملف الضغط على الإسرائيليين لوقف الاستيطان.

ويتنازل عن فكرة تحقيق اختراق عاجل، ويترك الوقائع على الأرض تجري على ما هي عليه، ومع تدخل محدود بهدف التهدئة لا التسوية، والتحكم في رد الفعل الفلسطيني، وهكذا تظل إسرائيل تأكل - بالتهويد - ما تبقى من عروبة القدس، وبتوحش الاستيطان في الضفة، والضغط على سلطة عباس لتحسين دورها كوكيل أمني، وإدارة عملية تفاوض لمجرد التفاوض وكسب الوقت، ولفت النظر عما يجري في فلسطين بإشعال خطوط التماس مع حزب الله ومع إيران، بينما تتصل حلقات خنق غزة، وتظل نشرات الأخبار على ما هي عليه، خبر عن قصف أو توغل إسرائيلي هنا أو هناك، وردم أنفاق الحياة، وفتح معبر رفح بالقطارة، وإدامة عذاب الشعب الفلسطيني في غزة، ودفعه لمقارنة وضعه المعيشي البائس مع يسر أحوال نسبي في الضفة الغربية، وبهدف تقويض سلطة حماس بالحصار بعد أن استعصي تقويضها بالحرب.

المحصلة - مرة ثانية - أن لا أحد بوسعه التعاطف الخالص مع عباس أو مع حماس في هذه اللحظة على الأقل، فقد ضاقت الفروق في الممارسة العلمية إلى حد التلاشي، نعم.. يعمل عباس وسلطته بتنسيق تام مع الإسرائيليين والأمريكيين، فيما لم تتورط حماس - بعد - في الخطيئة، وتبدي صلابة في التفاوض غير المباشر، ثم أن النقاء الأخلاقي لقياداتها ميزة عظيمة مقارنة بسوء سيرة وذمة رجال عباس، هذا كله صحيح، ويضيف مصداقية وإقناعية أكبر لصورة حماس العامة، لكن الصحيح - أيضا - أن الصور اختلطت إلى حد بعيد، فقد تبدو الفروق ظاهرة في النظر عن قرب، فيما لا تبدو كذلك من بعيد، وإلى حد تعذر التمييز في المدى الجماهيري العام.

فلا 'فتح' تقاتل الإسرائيليين، ولا أحد يزعم أنها تفعل، ولا حماس تفعل الآن، بينما قتال الإسرائيليين وحده هو الذي يستعيد الحيوية للقضية الفلسطينية، وليس التفاوض بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فالاحتلال قائم نسبيا في غزة بوسائل الخنق والحصار، والاحتلال هو سلطة الزمن الممتد في الضفة والقدس وباقي فلسطين، وهذه هي الحقيقة الصلبة، والتي لا تفيد في مواجهتها مراوغات أو التفات عن الموضوع، وإرجاء المقاومة تهربا من واجب الوقت، أو الاكتفاء بترديد مواقف مبدئية دون ممارسة تشفع وتصدق، وقد لا يكون خطاب كهذا مما يصح توجيهه لعباس، فموقف الرجل قاطع ضد المقاومة بالسلاح أو بالسياسة، وإن كانت فتح - في قواعدها بالذات - أكبر وأعظم من أن تخضع لنفوذ 'جماعة إسرائيل ' في قيادتها، وقد نتفق على أن فتح - في ظرفها الملتبس الراهن - لا تصلح كمركز قيادة لتجديد نداء المقاومة وبعثه فعليا، لكن حماس - فيما نظن - لها أن تقوم بالدور، وربما لا يكون لها من دور غيره يستحق الأولوية، وربما تحتاجه لنفض الغبار عن صورتها، فقد كسبت حماس شرعية فعلية بدواعي صمودها المجيد في حرب غزة الأخيرة.

وليس بدواعي الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي تبدو بلا قيمة، والتي تنتهي إلى سلطات وهمية هي مجرد قبضة هواء، ولم تضف إلى قيمة حماس قدر ما أضاف إليها صمود جيشها وتضحيات قياداتها وعذاب أسراها ودم شهدائها، وهنا - بالذات - مكمن قوة حماس الذي يعطيها جدارة واستحقاق الدور، فبوسع حماس - الآن - أن تدعو إلى وحدة سلاح الفصائل في جيش حرب عصابات حقيقي، بوسع حماس أن تدعو إلى إطار تنظيمي يتجاوز منظمة التحرير المتهالكة وتحالف القوى الفلسطينية.. محدود الأثر، بوسع حماس أن تدعو الجميع - دون استثناء فتح - إلى قيادة سياسية وعسكرية مشتركة، وأن تصوغ هدفا مباشرا في استكمال تحرير غزة وإشعال انتفاضة ثالثة في الضفة والقدس، ولا أحد يستهين بالمصاعب الميدانية الراهنة في الضفة والقدس بالذات، وحيث تتعاون سلطة عباس مع سلطة الاحتلال في مطاردة واعتقال وتصفية المقاومين، لكن صياغة سلطة ميدانية لانتفاضة ثالثة، وتنويع أساليب المقاومة في الضفة والقدس، وإعطاء ثقل أكبر للتحركات السياسية والجماهيرية، وإستعادة عظات انتفاضة الحجارة الأولى، ووضع الفصائل كلها أمام اختيار الانحياز لسلطة مقاومة على حساب سلطات التفاوض البائس، وتعظيم الاستفادة من فرصة إفلاس خط التسوية، والاستناد إلى 'مرجعية أخلاقية' من قيادات الأسرى الفلسطينيين من كافة الفصائل في المعتقلات الإسرائيلية، كل ذلك - وغيره - له أن يضيف لممكنات بعث مشروع مقاومة وانتفاضة مؤثرة تغير الموازين، ويعوض - إلى حد معقول - ما جرى من تفكيك وإنهاك للجهاز التنظيمي السري في الضفة والقدس بالذات.

والمحصلة - مرة أخيرة - أن الأوراق اختلطت، وأن سبيل التوحيد الفلسطيني ليس بحوارات القاهرة، بل في بعث المقاومة والانتفاض بالسلاح وبالسياسة، وفي ميادين القتال الفعلي للاحتلال على أرض فلسطين المقدسة.

انشر عبر