شريط الأخبار

نهاية اللغز.. يديعوت

10:03 - 06 تشرين أول / سبتمبر 2009

بقلم: رون بيرغمان

أسرة الاستخبارات الاسرائيلية نجحت في حل لغز أحد المواضيع الاكثر غموضا في تاريخ الدولة: مصير رون أراد. لجنة سرية تشكلت قبل أربع سنوات برئاسة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية "امان" في حينه، اللواء أهرون زئيفي فركش قضت بان مساعد الطيار المفقود كان على قيد الحياة على الاقل حتى بداية 1995، بعد تسع سنوات من سقوطه في الاسر. وقد توفي بمرض في لبنان، في ايادٍ ايرانية، بعد أن كان محبوسا على مدى فترة طويلة في منشأة اعتقالية سرية في طهران. وحاولت ايران وحزب الله العثور على قبره، ولكن في ضوء تغييرات المشهد والمحيط لم يتمكنا من النجاح في ذلك. عائلة اراد وضعت في صورة نتائج التقرير.

كتاب "دولة اسرائيل ستفعل كل شيء"، الذي يرى النور غدا، يجلب اهم النقاط في تقرير اللجنة وتفاصيل الملفات الاستخبارية في الموضوع: ملف شعبة الاستخبارات والموساد وملف الاستخبارات الالمانية، التي أدارت باسم اسرائيل المفاوضات مع ايران على رون اراد في التسعينيات.

وتعود بداية قضية رون اراد الى 16 تشرين الاول 1986. ففي اثناء طلعة هجومية في جنوب لبنان وقع خلل فني في سلاح احدى طائرات الفانتوم، وانفجرت قنبلة حديدية من تحت الجناح. وتمكن رجلا الطاقم من ترك الطائرة وهبطا في الاراضي اللبنانية. الطيار يشاي ابيرام نجا، اما مساعد الطيار رون اراد فتبقى في الخلف والقى القبض عليه رجال حركة امل الشيعية.

على مدى فترة طويلة ادارت اسرائيل وحركة أمل مفاوضات من خلال رجل الاعمال اللبناني الذي كان يلقب بـ "السير" وكان مقربا من زعيم الحركة نبيه بري. بري طلب تحرير بضع عشرات من السجناء الفلسطينيين مقابل اعادة رون. ولكن وزير الدفاع في حينه اسحق رابين الذي تعرض لانتقاد شديد للغاية على موافقته على صفقة جبريل، لم يكن مستعدا لان يدفع الثمن الذي يبدو الان هامشيا بالقياس الى مطالب حماس مقابل تحرير جلعاد شليت.

في تلك الفترة اختطف في لبنان ضابط مارينز امريكي عمل في خدمة الامم المتحدة. خلف الاختطاف وقف عماد مغنية نفسه، وغضب السوريون على المس بضابط الامم المتحدة وأمروا أمل بالبحث عنه. ضابط أمن أمل، مصطفى ديراني، لم يكن يرغب بالعمل ضد اخوانه من حزب الله. فانسحب من المنظمة، وأخذ معه رون اراد. وائتمن اراد في يد عائلة شكر في قرية نبشيت. وفي الليلة بين 4 و 5 ايار 1988 اختفى رون اراد من بيت عائلة شكر ومنذئذ لم تعرف آثاره. اسرائيل قدرت بان اراد يوجد في اياد ايرانية او في ايدي حزب الله وحاولت استخدام روافع ضغط مختلفة، مثل تبادل جواسيس بواسطة الاستخبارات الالمانية الشرقية وبتدخل من الامين العام للامم المتحدة ولكن عبثا. لم يكن هناك مع من يمكن الحديث.

في 1992 ، بعد وقت قصير من تسلمه منصب رئيس الوزراء، توجه رابين سرا الى المستشار الالماني هلموت كول وطلب منه تدخل استخباراته وعلى رأسها الـ بي.ان.دي الموازية للموساد في المانيا. واستجاب كول وكلف بالمهمة برند شميتباور، منسق شؤون الاستخبارات في مكتب المستشار. وهذا كان يعرف ان العنوان حتى لو كان اراد بيد حزب الله هو طهران. وتوجه الى الاستخبارات الايرانية التي لم تنفي علاقتها باراد، بل عينوا حسين موسويان، السفير الايراني في المانيا بتنسيق الاتصال بالاستخبارات الالمانية.

فريق من رجال الاستخبارات الايرانيين انضم الى موسويان حين سافر الى المانيا. ولم يكن هناك شك لمن حضر الاتصالات في أن ايران تدير مفاوضات على اراد وكأن بوسعها أن تأخذ قرارا بشأنه. واراد شميتباور عقد صفقة ودعا اليه وزير الاستخبارات الايرانية علي فلحيان للبحث في ذلك. وهذا وصل الى المانيا ولكنه لم يكن مستعدا لابرام صفقة.

وكان الالمان يعرفون بان فلحيان كان ضالعا في قتل اربعة من رجال المعارضة الايرانيين في مطعم ميكونوس في برلين قبل سنة من ذلك ومع ذلك فقد دعي لزيارة برلين، الامر الذي اثار غضب الاستخبارات الاسرائيلية ومكالمة هاتفية غاضبة بين رابين وكول، في ختامها طرق رابين سماعة الهاتف. بعد ذلك ندم، استدعى اليه رئيس الموساد في حينه شبتاي شفيت وأمره بالسفر فورا الى برلين لمصالحة الالمان والتأكد من أن يواصلوا معالجة قضية الاسرى والمفقودين.

المستوى التالي في هذا ملف "حرارة الجسد" وهو الاسم السري لرون اراد كان حملة لتجنيد شخص توفرت حوله معلومات بانه كان على اتصال مع الطيار الاسرائيلي الاسير. اسرائيل برلوف، الذي كان في حينه رئيس دائرة الاسرى والمفقودين في الموساد، نجح في تجنيد الرجل واخذ منه افادة. وأكد الرجل انه التقى رون اراد حيا مرتين، مرة في لبنان ومرة اخرى في ايران. وبينت آلة فحص الكذب بانه يقول الحقيقة. ومنح رابين وساما خاصا لبرلوف استثنائيا لقاء ذلك.

وتقاطعت معلومة برلوف مع معلومات اخرى وصلت الى اسرائيل في نهاية الثمانينيات واعزيت لها مصداقية عالية. حسب احدى المعلومات فان قادة الاستخبارات الايرانيين قرروا بان تبقى المداولات بمسؤولية الحرس الثوري في لبنان مما جعل التركيز للاستخبارات الاسرائيلية في الاتجاه الايراني. رئيس الوزراء رابين عقد مؤتمرا صحفيا اعلن فيه ان مساعد الطيار المفقود محتجز في ايران وان اسرائيل ترى في طهران مسؤولة عن سلامته.

مع انتهاء مهام برلوف حل محله خصمه رامي ايغرا الذي ادعى بان فحص آلة الكذب للمصدر لم يكن مصداقا مما شكك بالنظرية التي تقول ان اراد يوجد في ايدي الايرانيين. في 1994 قضى ايغرا وقتا طويلا في فرنسا والمانيا ونجح في اقناع السلطات هناك بتحرير رجال المخابرات الايرانيين المحتجزين بتهمة تصفية رجال المعارضة اذا ما اغلق الايرانيون ملف اراد نهائيا. واشترط الالمان ذلك بكتاب رسمي من حكومة اسرائيل ووقع رابين الكتاب المطلوب وبعث به عبر الملحقية العسكرية الى برلين.

وهنا وقع خلل، حسب الرواية الالمانية، فان السفير الايراني في بون كان مقتنعا بانه سينجح في حل قضية ميكونوس بدون رون اراد، وهكذا بلغ مسؤوليه في طهران. وبزعم الالمان هذا هو سبب الرفض الايراني ابرام صفقة تتضمن الطيار الاسرائيلي – وليس حقيقة ان اراد لم يكن في ايديهم. غير أنه بعد حسم المحكمة الالمانية في قضية ميكونوس تبين للايرانيين انه سيكون صعب جدا عليهم تحرير رجالهم، وبالتالي فببساطة تركوا كل الامر.

الانعطافة

في بداية 1995 وقعت في المانيا انعطافة اخرى، معناها لم يفهم في الزمن الحقيقي. فقد وصل السفير موسويان الى مكتب منسق الاستخبارات الالمانية اوغوست هننيغ واعلن بان كل شيء انتهى. وقال السفير: "نحن لا دور لنا، ليس لدينا أي فكرة من هو رون اراد أو اين هو. اذا كنتم تعتقدون انه في لبنان او في يد حزب الله فتفضلوا بالتوجه الى حسن نصرالله، فلعله بوسعه ان يساعدكم". الالمان فوجئوا جدا وفهموا أنه طرأت انعطافة دراماتيكية في القضية ولكن دون أن يفهموا لماذا. معنى هذا الاعلان لم يتبين الا بعد عشر سنوات بعد أن حلت اسرة الاستخبارات الاسرائيلية لغز اختفاء رون اراد.

في تشرين الاول 2000 قتل واختطف ثلاثة جنود من الجيش الاسرائيلي عادي افيتان، بيني ابراهام وعمر سواعد في هاردوف واختطف تاجر المخدرات الحنان تننباوم. مقابل الجثث الثلاثة وتننباوم الحي حررت اسرائيل في كانون الثاني 2004 مصطفى ديراني والشيخ عبدالكريم عبيد اللذين اختطفا ليكونا ورقة مساومة في قضية رون اراد. العقيد ليئور لوتان، الذي كان في حينه رئيس دائرة الاسرى والمفقودين في شعبة الاستخبارات والذي اختطف في حينه ديراني قال لاحقا في محفل مغلق بان وزن ديراني وعبيد كورقتي مساومة كان صفرا. وتنبأ لوتان قائلا: "ان الصفقة خلقت برأيي آلية حقيقية لمرحلة ثانية يكون فيها لحزب الله مصلحة في محاولة استيضاح ما حصل لرون اراد كي تحرر من اصبح رمزا وارتفع الى درجة القديس: سمير القنطار".

بعد استكمال الصفقة التي ترافقت واحتجاج من عائلة اراد وصل ليئور لوتان الى منزل تامي اراد حاملا معه كتاب "المخضرم" بقلم فردريك بورسايت مع اهداء شخصي لها.

وتحدث الكتاب عن عملية ثأر لـ اس.ايه.اس ضد سالبين قتلا احد رفاقهما. وكتب يقول: "سيأتي يوم الثأر لنصفي الحساب مع المسؤول عن حملة العذابات لعائلة اراد – عماد مغنية.

وفي تلك الفترة تشكلت لجنة برئاسة القاضي فينوغراد قررت حسب المعلومات التي امامها في ذاك الوقت بانه "لا يمكن القول ان رون اراد ليس على قيد الحياة". ومنذ اعادة الجثث الثلاث وتننباوم وتواصل الحوار بين اسرائيل وحزب الله عبر الوسطاء الالمان حول المرحلة الثانية من الصفقة: تحرير قاتل عائلة هيرن من نهارية سمير قنطار مقابل معلومات عن رون اراد. وسمح رجال حزب الله للالمان بان يفهموا بانهم اذا ما تلقوا مقابلا مناسبا، وليس فقط قنطار فسيبذلون جهدا كبيرا لحل مسألة رون اراد. جرى الحديث ضمن امور اخرى عن تسديد ديون اسرائيلية بنحو 5 مليون دولار لايران منذ عهد الشاه وحل شامل لمسألة رجال المخابرات الايرانيين المحبوسين في اوروبا وعلى رأسهم سجناء قضية ميكونوس. ويقول رجل استخبارات الماني انه "مثلما كان مهما لحزب الله ان يثبت للعالم العربي بانه الوحيد الذي ينجح حقا في تحرير سجناء فلسطينيين كان يريد ان يثبت للايرانيين بانه نجح حيثما فشلوا: تحرير مقاتليهم من السجن في برلين".

حتى منتصف 2005 بالفعل بذل حزب الله بضع محاولات بدت للالمان صادقة لحل لغز اراد. وعبر الالمان نقل حزب الله لاسرائيل عظام زعم انه عثر عليها في الحفريات التي اجريت في لبنان بمعدات خاصة. في حزب الله اعتقدوا انه يوجد احتمال عال بان تكون العظام لرون اراد وذلك بعد أن اشار لهم رجل من الحرس الثوري خدم في الماضي في لبنان الى المكان الذي يعتقد بان مساعد الطيار الاسير دفن فيه. فحص الـ دي.ان.ايه للعظام كان قاطعا: هذه لا تعود الى رون اراد. وبالتوازي عمل حزب الله مع ممثلي الحرس الثوري وممثلية الاستخبارات الايرانية في لبنان من أجل تقديم تقرير عن تسلسل الاحداث في القضية الى اسرائيل.

ودون صلة بمتابعة المعلومات عن اراد وقعت في تلك الفترة تطورات هامة في فهم اسرائيل لما يجري في الدول المحيطة بها، ولا يمكن هنا كشف تفاصيلها، ولا سيما ايران، سوريا ولبنان ودورها في النشاط الارهابي ضد اسرائيل مما ادى في العام 2005 برؤساء اسرة الاستخبارات الى التوصل الى استنتاج بانه يمكن حل لغز اراد أخيرا.

وتشكلت في شعبة الاستخبارات لجنة خبراء فحصت كل المواد المتجمعة في اطار التطورات برئاسة العقيد ارئيل كارو، وعملت تحت الاشراف المباشر لرئيس الاستخبارات اهرون زئيفي فركش.

والمواد التي عرضت على اللجنة لم تدع مجالا للشك فتوصلت الى الرواية التالية: رون اراد اختطف على يد قوة القدس من حرس الثورة من منزل عائلة شكر في قرية نبشيت حيث كان يحتجزه مصطفى ديراني. ديراني لم يكن يرغب في أن يحتفظ بهذه الغنيمة الباعظة التي سرقها من منظمة أمل خوفا من هجوم للكوماندو الاسرائيلي، وطلب من الايرانيين حراسته في هذه الاثناء مقابل المال والرعاية من الحرس الثوري عليه وعلى منظمته الصغيرة. قائد الحرس الثوري في لبنان، مصطفى حكسر، وافق على عرض ديراني مع تغيير صغير: لم يرغب في أن يدفع ولم يرغب في أن يقول لديراني ماذا ينوي عمله بمساعد الطيار الاسرائيلي. وعليه فقد استغل عملية الجيش الاسرائيلي في ميدون (ايار 1988) واختطفه من بيت عائلة شكر دون أن يبلغ ديراني. وحسب فتوى اللواء فركش احتجز رون اراد في لبنان لفترة طويلة، وفي بداية 1990 نقل الى ايران حيث احتجز بشروط عزل وسرية متطرفة على مدى زمن ما. والسبب لنقله: اراد الحرس الثوري الاستفادة منه لانفسهم، كجزء من صراعات المكانة والصراعات الداخلية الايرانية، وابقوه بالسر فيما نفى الايرانيون المرة تلو الاخرى وجوده في ايديهم.

في 1994 اختطفت اسرائيل ديراني. وخشي الايرانيون بان يدينهم بالتدخل في القضية فقرروا اعاد اراد الى لبنان. بين رجال الطاقم هناك من يعتقد ان اراد لم ينقل الى ايران ابدا بل احتجز كل الوقت على ايدي رجال الحرس الثوري في لبنان. ولكن حسب الروايتين، فان فترة أسر اراد الاخيرة اجتازها في منشأة سرية للايرانيين في البقاع اللبناني.

هنا تنتهي الاختلافات في الراي: حسب استنتاجات اللجنة فقد توفي اراد في بداية 1995 بالغالب. بالضبط في نفس الوقت الذي ظهر فيه السفير الايراني موسويان لدى قادة الاستخبارات الالمان وابلغهم بان الايرانيين من الان فصاعدا لا دور لهم في هذه المسألة ويجب ادارة المفاوضات مع حزب الله فقط. وبالتوازي، اصدر الزعيم الروحي خمينئي فتوى بموجبها لن تعنى ايران بعد اليوم بقضية رون اراد. في اسرائيل وفي المانيا لم يفهموا في حينه معنى هاتين الخطوتين. أما في نظرة الى الوراء فانهما يتلقيان معنى مثيرا للقشعريرة.

المأساة

كيف مات رون اراد؟

المعلومات لا تتضمن جوابا قاطعا. وان كان في خلاصة رئيس شعبة الاستخبارات زئيفي فركش لملف المعلومات ورد أنه مرض اغلب الظن بموض خطير ولم يعالج كما ينبغي. ولا تتضمن المعلومات على الاطلاق المكان الدقيق الذي دفن فيه اراد. ورغم ذلك، فان كل الخبراء في شعبة الاستخبارات ممن فحصوا المادة يعزون لها مصداقية عالية جدا. والجميع واثقون من التقدير بان اراد ليس على قيد ا لحياة.

خلاف آخر نشب بين اعضاء اللجنة يتعلق بموعد موت اراد في الاسر. معظم الاعضاء مقتنعون بانه لم يجتز العام 1995 حيا. آخرون يتمسكون باستنتاج العقيد كاشي بان اراد مات في نهاية 1996 او بداية 1997. مهما يكن من أمر فان كل اعضاء اللجنة مقتنعون بان اراد عاش على الاقل سبع سنوات بعد أن تم تلقي اشارة حياة اخيرة منه في 5 ايار 1988. كل تلك السنوات، وبعدها بكثير، كانت اسرائيل تسير في ظلام تام. لا يمكن لنا أن نصف على ما مر على العائلة في هذا الزمن.

انشر عبر