شريط الأخبار

تكشف خيوط تصفية القضية الفلسطينية بعيداً عن الفلسطينيين ... خالد أبو حيط *

06:42 - 03 كانون أول / سبتمبر 2009


تكشف خيوط تصفية القضية الفلسطينية بعيداً عن الفلسطينيين

 خالد أبو حيط *

        في الوقت الذي يسيطر فيه على المشهد السياسي العام في المنطقة الجدل القائم المتعلق بالخلاف الأمريكي – الإسرائيلي حول تجميد الاستيطان، وكذلك الأحاديث المختلفة عن خطة يعدّها الرئيس الأمريكي أوباما للتسوية بين العرب والصهاينة، ثمة تحركات واجراءات وتسريبات إعلامية وسياسية تثير القلق، ولا بد من رصدها لأنها تشكل أرضية ما يتم الإعداد له في الدوائر المغلقة على قدم وساق، ودونما ضجيج.

        أكثر هذه الاجراءات إثارة للقلق، حتى الآن على الأقل، هي التالية: اجرءات أحادية إسرائيلية في القدس يبدو واضحاً للمتابع أنها تجري بوتيرة متسارعة وبخطة مبرمجة تهدف الى تغيير الواقع الميداني على الأرض استباقاً لشيء ما يتم التحضير له.  والصحف اليومية مليئة بأخبار ما يجري في القدس.  وقناة الجزيرة تخصص ملحقات إخبارية خاصة حول ما يجري في المدينة على مدار الساعة.  وفي داخل الخط الأخضر، ثمة هجوم غير مسبوق على الأقلية الفلسطينية تتمثل في محاصرة الأحزاب والشخصيات العربية قضائياً، وفتح جبهة على صعيد برامج التربية في المدارس العربية، ومحاولة إجبار العرب على تضمين مناهجهم مفاهيم وشعارات صهيونية بالكامل، تبدأ بمحو تعبير "النكبة"، ولا تقف عند فرض النشيد الوطني الإسرائيلي على التلاميذ العرب.. وثمة خطة مدروسة تتوزع على كافة الصفوف الأساسية تم اعدادها قبل سنوات يطلق عليها: مائة مفهوم لتعليم الصهيونية.  أما خارج نطاق التربية، فتم إيقاظ مسألة الولاء للدولة، ما يتيح توجيه الاتهام لكل عربي بأنه لا يدين للولاء للدولة اليهودية، وكذلك مسألة الخدمة العسكرية أو المدنية في مؤسسات الكيان.

        ليس هذه هي المرة الأولى التي يقوم بها الإسرائيليون بتجاوزات في القدس، ولا ضد الفلسطينيين في مناطق 48.. لكن تفاصيل ما يحدث ووتيرته وتوقيته، وتجنّد كافة المؤسسات الصهيونية له يثير القلق الحقيقي بأن ثمة جدولاً زمنياً يتم الالتزام به بدقة.  ومرة أخرى يبدو أن هناك سباقاً مع الزمن!  ثمة أمر ما يدبّر في الخفاء.

        في الجانب الفلسطيني هناك أيضاً اجراءات تثير القلق والغرابة في آن: رئيس حكومة تصريف الأعمال في رام الله ينشر خطة لقيام الدولة الفلسطينية خلال سنتين من تاريخه متجاوزاً في ذلك صلاحياته، وكذلك كافة الأطر الفلسطينية الأخرى مثل منظمة التحرير الفلسطينية.  سلام فياض شرح تفاصيل خطته القائمة على ساق واحدة: إقامة المؤسسات الاقتصادية والأمنية للدولة.  وفي هذا الإطار التقى وزير اقتصاده مع وزير الاقتصاد الصهيوني للحديث عن ما سمياه: "تدابير فنية وتقنية" لم يتم الافصاح عنها.  هذا رغم قرار الرئيس عباس وقف كافة الاتصالات مع الكيان الصهيوني قبل بت موضوع وقف الاستيطان.  لا يمكن التخيل أن لقاء الوزيرين تم دون علم محمود عباس، الذي لم يصدر مكتبه الرئاسي أي تعليق أو اعتراض عليه.. كما لا يمكن التخيل أن سلام فياض من الغباء السياسي بحيث يحدد مهلة زمنية هكذا من تلقاء نفسه، ويتجاهل بذلك الظروف الدولية والإقليمية.. للرجل علاقاته مع أوساط صنع القرار.. وما يقوم به لا بد وأنه يحظى بتشجيع من أولئك الذين يعدون العدة لما هو قادم.

        أما أخطر ما يثير القلق فيتعلق بمشكلة اللاجئين.  ثمة اجراءات ميدانية بعيدة عن الإعلام تقوم بها كافة الدول العربية تجاه اللاجئين الفلسطينيين، وخاصة في دول الخليج العربي الأقرب على ما يبدو الى ما يتم التحضير له.  هذه الاجراءات تتضمن وقف استقدام مزيد من اللاجئين للعمل في تلك الدول، تحديد مدن إقامتهم، تحديد مطارات خاصة يمكن للقائمين فيها استخدامها في تنقلاتهم.. وغيرها من الاجراءات في الدوائر والمعاملات الرسمية المتعلقة بالعمل.  أكثر من تسريب إعلامي تناول مسألة التوطين، أشار أبرزها الى قرب استصدار قرار من الهيئة العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن بلزوم بقاء الفلسطينيين في أماكن إقامتهم الحالية.  وتسريبات أخرى مشابهة.  ربما تجدر الإشارة هنا أن العلاقات الخليجية قد تطورت كثيرا خلال الأشهر الماضية مع الجانب الصهيوني منها فتح المجال الجوي أمام شركة الطائرات الإسرائيلية، وغض النظر عن جوازات السفر التي عليها أختام إسرائيلية، ومشاركة أكثر من دولة في مناورات عسكرية مع الكيان الصهيوني، والبحث في تفعيل الممثليات التجارية.  هذا رغم أن الموقف المعلن هو مساندة الرئيس عباس في اشتراطه وقف الاستيطان قبل استئناف التفاوض.

        القضايا الأربع التي تحدثنا عنها: القدس والفلسطينيون داخل الخط الأخضر، والدولة الفلسطينية القادمة، وبالأخص موضوع اللاجئين، تشكل جميعها قضايا يطلق عليها قضايا الوضع النهائي... حتى الفلسطينيون داخل الخط الأخضر لهم نصيب في هذه القضايا باعتبار ما يطالب به الكيان الصهيوني من اجراء تبادل للأراضي يشمل نقل قسم منهم يتم ضمه الى سيادة الدولة الفلسطينية المنشودة مقابل بقاء المستوطنات الرئيسة في الضفة تحت السيادة الإسرائيلية.

        هل هذا استباق للتفاوض من قبل الجانب الإسرائيلي الذي تعود على القيام بتغيير وقائع الأرض قبل كل جولة مفاوضات؟  الأرجح أن الأمر هذه المرة ليس كذلك، للأسباب التالية: الأول: أن الوتيرة التي يتم فيها اجراء التغييرات على الأرض وحجم هذه التغييرات وتفاصيلها الميدانية تقول أن الأمر أكبر من مجرد اجراءات بهدف الضغط.. لقد وصل الأمر الى حد أن وحدة من الجيش الإسرائيلي قامت بتدريبات لتسلق جدار المسجد الأقصى.. وهناك جمعيات يهودية متدينة تقوم ببيع الملابس الدينية بعد خياطتها استعدادا للاحتفال بإقامة الهيكل المزعوم.. وهناك آلاف البذلات الخاصة بهذه المناسبة التي تم بيعها، وبعض الذين يدعمون ويروجون للمشروع موجودون داخل الحكومة وداخل الكنيست، وليسوا مجرد جمعيات دينية هامشية.

        السبب الثاني: أن السلطة الفلسطينية وبعض الدول العربية تشارك في وتيرة الاجراءات هذه، وكل يقوم بدوره المحدد له. 

        أما السبب الثالث: فهو الحديث الذي يجري حول إشراك هيئة الأمم أو مجلس الأمن في المخطط.. لاحظوا أنه لم نسمع خلال المرحلة الماضية كلمة واحدة عن الرباعية الدولية أو الاتحاد الأوروبي.. ولاحظوا أيضاً أن كافة التحضيرات المتعلقة بملف التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي قد تم ربطها بطريقة أو بأخرى باجتماع الأمم المتحدة خلال النصف الثاني من شهر أيلول الجاري.

        ماذا يعني كل ما سبق؟  يعني أن ثمة مخططاً آخر مختلفاً يتم التحضير عالمياً له.  هذا المخطط يقوم على قاعدة واحدة: الحل العالمي للقضية الفلسطينية.  وفذلكة هذا الحل يمكن تصورها كالتالي: لقد تفاوض الإسرائيليون والفلسطينيون لسنوات طويلة، ولم يتم إحراز التقدم المطلوب على الأرض.. لا! بل لقد تم جر المنطقة برمتها الى مزيد من حمام الدم.  إذاً، ليتم فرض رؤية دولية من خلال مجلس الأمن على الطرفين من خلال تصفية كل نقاط الخلاف الأساسية والمتعلقة بالوضع النهائي: الحدود، القدس، اللاجئون، الدولة،... الخ.  فليتم إعلان دولة فلسطينية بحدود مؤقتة تقوم على قاعدة تأمين الحياة اللائقة اقتصادياً بالفلسطينين في الضفة الغربية حيث يسيطر عليها الجانب الفلسطيني الموالي للخطة والحائز على شرعية دولية.. أما مشكلة قطاع غزة، فيمكن تأجيلها الى ما بعد ذلك، لتصبح حالة شاذة بعض إعلان حل القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع بمباركة دولية (وبالتأكيد بعد إطلاق سراح شاليط).

        ما تقدم سيناريو يثير الرعب، لكنه لا ينطلق من فراغ!  ربما هناك حاجة ماسة الى مراقبة تفاصيل هامشية وخفية لما يجري على الأرض لتأكيد هذا السيناريو أو استبعاده.. لكن الحاجة ماسة أيضاً الى عدم إغفال احتمالية مثل هذا السيناريو التي تتعزز تصوراته يوماً بعد يوم.. ولا بد من اليقظة لما يجري لأن معنى قيام مثل هذا السيناريو أن القضية الفلسطينية باتت أقرب من أي وقت مضى على مذبح التصفية باحتفالية أممية، ستترك الفلسطينيين كالأيتام يقتل ويذبح بعضهم بعضاً...

 

انشر عبر