شريط الأخبار

تواضعت دبلوماسية مصر.. جميل مطر

06:38 - 03 حزيران / سبتمبر 2009

تواضعت دبلوماسية مصر

جميل مطر

ـ السفير 3/9/2009

مرة أخرى يمارس النظام في مصر أسلوبه المفضل في صنع السياسة الخارجية وتنفيذها. مرة أخرى نقول لقائد من قادة الدول الكبرى إننا في مصر نجيد تقديم النصائح ونلعب بكفاءة دور الناصح الأمين والمثابر. أعرف أشياء عن إدارة العلاقات الدولية وصنع السياسة الخارجية، وأتابع كثيرا تفاصيل السياسة الدولية، وأعترف بأنني لم أعرف أن دولة كبيرة أو صغيرة أقامت دبلوماسيتها على أداة واحدة هي تقديم النصيحة لمن يطلبها ومن لا يطلبها، حتى صارت لا تجيد استخدام أداة غيرها. أسمع من مسؤولين كبار في عواصم أجنبية، أن عددا متزايدا من دبلوماسيينا في الخارج، وبعضه حديث العهد بهذه المهنة، لا يقابل مسؤولا أجنبيا إلا وبادره بنصيحة تتعلق بسياسة بلاده الخارجية أو بشأن داخلي. أقولها بصراحة، إنني صرت واثقا من أن أحد أهم أسباب توالي انحسار مكانة مصر الدولية والإقليمية هو هذا الميل المتزايد لدى المسؤولين المصريين ودبلوماسيينا في الخارج إلى استبدال تقديم النصيحة بغيرها من الأنشطة الدبلوماسية المتعارف عليها.

أذكر أنه في سعينا لكسب رضى الولايات المتحدة حاولنا إقناع صانعي السياسة الخارجية الأميركية بأنهم يملكون أكثر من تسعين في المئة من أوراق اللعب في الشرق الأوسط. وأذكر أنهم لم يقتنعوا واعتذروا عن عدم قبول هذه النصيحة باعتبار أن القوة الأميركية مقيدة وليست مطلقة كما تخيلها المسؤولون المصريون.. لم ييأس المسؤولون المصريون الذين ابتكروا فكرة احتكار تقديم النصيحة لأميركا. كان كيسنجر يحاول إضعاف الركائز السياسية والعسكرية للاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط والقارة الأفريقية حين نصحته الدبلوماسية المصرية بالاعتماد على المال السعودي والنفطي عموما وعلى النفوذ السياسي المصري لإخراج الاتحاد السوفياتي من القارة الإفريقية خصوصا، ووافق كيسنجر على أن تؤدي مصر مهمات محددة، منها مهمة في الصومال، بينما أوكل مهمات مشابهة إلى إسرائيل وكانت أنغولا واحدة منها. تصور القائمون على صنع السياسة الخارجية المصرية وقتذاك أن الحل الأمثل لمشكلات مصر الداخلية العويصة سيتحقق إن أثبتت مصر لأميركا أنها أقدر من كل الدول العربية وأصدق في النوايا من إسرائيل، بل أكفأ منها لأنها الأطول خبرة في النفاذ إلى دهاليز السياسة والعقائد في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ليس تطورا حديثاً في السياسة الخارجية المصرية فكرة عرض تقديم النصائح للدول الأجنبية. لم تمارسها بانتظام أو كجزء أصيل من الدبلوماسية المصرية حكومات العهد المدني، إذ ليس في مصر، أو أي من دول المنطقة وربما في العالم كله من يملك تجارب وخبرات تفوق تلك التي كانت تحوزها أجهزة الإمبراطورية في لندن. ومع ذلك كانت القاهرة ملاذاً لطالبي المشورة من القادة العرب، متعاونين مع الاستعمار أو مقاومين له. واستطاعت القاهرة بفضل طول مفاوضاتها وصراعها مع الإنكليز أن تجمع ثروة من المعلومات والدراية بأساليب السياسة الخارجية البريطانية وضعتها في خدمة حكومات العالم العربي وفصائل المقاومة المنتشرة في أرجائه.

ساعد مصر على أن تكون مصدراً موثوقاً به للنصائح لدول المنطقة العربية إنجازاتها في الداخل. كانت مصر قلعة ثقافية تحظى باحترام العرب كافة، وكانت نسبة فاعلة من المسؤولين في الحكومات العربية وقيادات الثورة ضد الاستعمار متخرجة من مدارس مصر وجامعاتها، أو تلقت تعليمها على أيدي معلمي مصر وأساتذتها في الخارج. وكان أداء ممثليها في المحافل الدولية محل إعجاب القيادات في الأجهزة الدبلوماسية الناشئة في العالم العربي. كانت هذه الإنجازات بالإضافة إلى مكانة مصر السياسية في المنطقة أحد أهم دوافع موافقة الاتحاد السوفياتي على إبرام صفقة السلاح والاشتراك في بناء السد العالي. كان الواضح خلال المرحلة الثورية في السياسة الخارجية المصرية أن الحكومة المصرية ليست حريصة على لعب دور الناصح الأمين للإمبراطورية السوفياتية الصاعدة، ولا كانت الدبلوماسية السوفياتية حريصة على طلب النصيحة والمشورة من مصر، لأن التناقض في الأهداف وبعض المصالح بين مصر والاتحاد السوفياتي، وبخاصة في الشرق الأوسط، كان يمس بقضايا جوهرية، مثل دور مصر القومي في المنطقة، ورفض مصر للعقيدة الشيوعية وسياسة مطاردة الشيوعيين، وإصرار موسكو على دعم أحزاب شيوعية عربية. نعرف مثلاً أن موسكو لم تسأل مصر النصيحة قبل أن تقرر التدخل في ثورة العراق عام 1958، ونعرف أن مصر لم تعرض عليها النصيحة لأنها كانت واثقة من نفسها ومن قوة النفوذ المصري. وبعد ذلك دخلتا في مواجهة حادة وطويلة بسبب التناقض الأيديولوجي وتضارب أهدافهما في منطقة المشرق. عرفت موسكو بعد أزمة العراق أن الحاجة إلى صداقة حكومة الثورة في مصر أقوى جداً من الحاجة إلى نصيحة منها أو مشورة. فنفوذ مصر كدولة صديقة كان كافياً لتأمين الحد الأدنى من مصالح موسكو في الشرق الأوسط وأفريقيا. بينما كان يمكن النظر إلى نصيحة من القاهرة على أنها لن تكون نصيحة خالصة لمصلحة موسكو باعتبار أن الدولتين تتنافسان على ولاءات في المنطقة.

وبانتهاء المرحلة الثورية في الدبلوماسية المصرية وبدء انحسار مصادر قوة مصر في المنطقة وما صاحبه من عزوف عن لعب أدوار نشطة ومستقلة، وما لحق به، حتى التصق، من خيارات انعزالية، تصورت القيادة المصرية أنها كانت ضرورية للتمهيد لزيارة القدس المحتلة، وفي ظل ظروف اقتصادية سيئة وتوترات وانتفاضات اجتماعية وفوضى وتبديد في إدارة ثورات مصر استعداداً لفرض عقيدة اقتصاد السوق، عرضت مصر على واشنطن، من مواقع كلها ضعيفة، أن تكون الوكيل المخلص لها في المنطقة. وكان عرضاً طموحاً ولكن غير عقلاني لأنه بني على سوء تقدير شديد للقوى التحتية الزاحفة من الجزيرة العربية محمولة على المال النفطي.

يذكر بعض الذين مارسوا الدبلوماسية المصرية في ذلك الحين أننا عرضنا على أميركا الاستفادة من تجاربنا وخبرتنا في ميدانين على الأقل، أولهما مقاومة النفوذ الشيوعي، وكانت لمصر تجربة ناجحة في هذا الصدد على امتداد عقود، وثانيهما الاستفادة من الحالة الإيمانية للشعب لإقامة سلاسل من التنظيمات الدينية تنشر، بخاصة في الجامعات، أفكاراً متطرفة تطرد بها الأفكار «التخريبية» المناهضة للغرب، كالقومية والناصرية والماركسية والاشتراكية العربية والوطنية المصرية العتيدة. ولا مبالغة في القول إن النصيحتين أو الدورين اللذين عرضتهما مصر على واشنطن عادا على مصر، وغير مصر، بنتائج كارثية. يكفي دليلا ما نشاهده يوميا من الصور المرسلة من الصومال من ناحية، وصور أفغانستان من ناحية أخرى، ويكفي لنحكم على كفاءة النصيحتين ودور السياسة الخارجية المصرية فيهما. يبقى، مع ذلك، أن مصر عندما عرضت أن تقوم بدور في الحالتين، كانت مدفوعة بتاريخ ورصيد من إنجازات، سواء على صعيد مقاومة الشيوعية في مصر والعالم العربي، أو على صعيد تحقيق تحول جذري في مصر من مجتمع «مدني» إلى مجتمع «ديني»، انحسرت فيه كل التيارات والعقائد السياسية وانحشر بعضها حتى فسد وأصابه العفن. بمعنى آخر، وسواء كنا نتحدث عن المرحلة المدنية أم الثورية أم «التصحيحية»، كانت تقف وراء عروضنا المتكررة لتقديم النصائح والمشورات «إنجازات» تعطي مشروعية لهذه العروض وأوهام أخرى أوان الحديث عنها قريب.

الآن نجدد عروض النصائح والتحذيرات ونمارس معها لالتصاقها بدبلوماسية البقايا، أي التعامل مع فتات القضايا مثل تحريك المفاوضات الفلسطينية والإسرائيلية ووقف بناء المستعمرات ستة أشهر أو سنة، بدلاً من التعامل مع قضية تهديد إسرائيل لأمن المنطقة ووجود مصر أمة واحدة وموحدة. ولا أرى ضررا شديدا في أن يجرب صانع السياسة الخارجية كل الطرق ليحصل لنفسه ولبلده على ما يرى أنه ضروري لتأمين مصالحه ومصالح الوطن، ولكن بشروط جوهرية أولها أن تكون عروض النصائح والاستعداد للعب أدوار معينة متمتعة بمصداقية لدى الأطراف الأخرى. بمعنى أنه لا يجوز أن نقدم نصيحة في شأن التعامل مع القضية الفلسطينية بينما ليس لدينا إنجاز واحد حققناه لمصلحة الفلسطينيين على امتداد ثلاثين عاماً من الصلح المنفرد مع إسرائيل. لم يعد مقبولا القول المصري الشائع إننا دعوناهم ولم يستجيبوا، فقد تكفلت ممارسات إسرائيل وغطرستها في كل أنحاء العالم بإثبات أن الصلح مع مصر كان رصيدا لها استخدمته في حروبها السياسية والعسكرية ضد العالم الإسلامي والعربي، وآخرها الحرب ضد شعب جنوب لبنان والحرب ضد شعب غزة والحرب ضد كل مواقع السيادة في الدول العربية لفتح المطارات العربية للطيران الإسرائيلي. بل إن مصر لم تنجح في إقامة علاقة ناجحة مع الشعب الفلسطيني. لا أستطيع أن أحصل على ثقة شعب أقوم بتجويعه وفرض الحصار عليه لمصلحة أعدائه، أو أقوم بدعم حكومة في رام الله شعبها يشكك في طهارة بعض قادتها.

يسأل الأهل في السودان وفي لبنان وفي العراق وفي اليمن، أين كانت مصر عندما كانت أحوالنا تتدهور نحو ما صارت إليه الآن. يقول الأهل في السودان، مصر تعرض على أميركا أن تلعب دور الشريك في حل مشكلات السودان. هل تريد مصر أن تعود إلينا في ركاب قوة عظمى كما جاءت في نهاية القرن التاسع عشر شريكاً لبريطانيا في استعمار السودان، أقول، إذا كنا نشعر بأن لنا دوراً يجب أن نلعبه هناك فلنلعبه على الملأ ليتأكد السودانيون، أصحاب الشأن والقرار النهائي، أن لمصر أجندة مختلفة عن أجندة أميركا وحلفائها. ويقول الأهل في لبنان إنهم انتظروا دوراً مصرياً للبنان باعتبار مصر الدولة الوحيدة المحصنة ضد الطائفية والمذهبية وبالتالي هي الأقوى والأصدق والأشد إخلاصا إن تعاملت مع الأوضاع اللبنانية. وتأخرت مصر. وحين قررت العودة عادت بدبلوماسية النصيحة والتحذير من أخطار الطائفية! لذلك لم يأخذنا اللبنانيون مأخذ الجد، إذ عادت موصومة هي نفسها بالطائفية والمذهبية وبصورة مشوهة تحرمها من دور كان ضرورياً في لبنان. عشت لأقرأ لكاتب لبناني أحترم نزاهته وصدق مشاعره تجاه شعب مصر كلمات تقطر أسى على حال تدنت إليها مصر حين انضمت إلى قائمة دول المنطقة التي تعاني أزمات طائفية أو ينطق المسؤولون فيها بلغة مذهبية. مصر تطرح نفسها لاعب دور في لبنان وفلسطين، وهي لا تملك في أي منهما الأرصدة اللازمة للعب دور ناجح، بل يتفاخر بعض كبار دبلوماسييها بانحيازها لطرف لبناني ضد الآخر ولطرف فلسطيني ضد الآخر، ليس هكذا تمارس الدول دبلوماسيات الدور والوساطة وتسوية النزاعات والقيادة الإقليمية.

إن شئنا معياراً نقيس به نجاح السياسة الخارجية لدولة من الدول أو فشلها، فعلينا بمقارنة تدفقات التأثير المتبادل بينها وبين دول أخرى، مصر التي كانت تؤثر في جيرانها بأفضل ما عندها من مؤثرات ثقافية وتكنولوجية وطموحات تنموية وتوقفت، هي الآن تتأثر بأسوأ ما عندهم، يؤثرون بأفكار المتطرفين والمتشددين و«الخرافاتيين» وبأموالهم. سياسة خارجية هذه ثمارها لا يجوز أن تستمر حماية لشخصية مصر وأمنها القومي. 


انشر عبر