شريط الأخبار

خلية حزب الله وصراعات الأجهزة ..رفعت سيد احمد

03:32 - 01 تشرين أول / سبتمبر 2009

خلية حزب الله وصراعات الأجهزة

رفعت سيد احمد

 

ـ السفير 1/9/2009

الآن وقد أحيلت قضية ما سمي بـ«خلية حزب الله» في مصر إلى القضاء، آن للعقل أن يتكلم. لقد ظلت العاطفة والصراخ هما سيدا الموقف والمشهد السياسي والإعلامي طيلة الشهور الأربعة الماضية، ورغم عشرات الملاحظات على هذا النوع من القضاء الذي أحيلت له القضية (قضاء أمن الدولة) ودرجة تسييسه ونوعية (القاضي) وسوابقه الشهيرة المعروفة في الحكم على أيمن نور ومجدي حسين وسعد الدين إبراهيم وغيرهم، فإن الأمر يظل في النهاية أننا إزاء (قضاء) لا أجهزة أمنية وسياسية وإعلامية لديها قدرة هائلة على أن تفبرك وتخترع القضايا وتضخمها لأهداف أبعد ما تكون عن الحقيقة أو عن مهددات الأمن القومي المصري التي ظلوا يرطنون بها طيلة الشهور الماضية منذ أعلن عن هذه القضية في الأسبوع الأول من إبريل (2009) وحتى الأمس القريب.

[ حول القضية، أبعاداً ودلالات، دعونا نسجل ما يلي، عله يفيد وسط مناخ الشحن العاطفي والسياسي والركوب الأمني على وسائل الإعلام، وتحويل بعض الصحافيين إلى مخبرين يفتقدون أبسط قواعد المهنية والأخلاق وليسربوا من خلالهم سمومهم السياسية البعيدة تماماً عن مصلحة هذا البلد المُبتلى بهم.

[ نسجل ما يلي عله يفيد...

أولاً: نحسب أن العمود الفقري لقضية ما سمي بخلية «حزب الله»، ومن واقع ما نشر في الصحافة الرسمية والخاصة، وبعد تحليل دقيق لاعترافات المتهمين الـ26 كاملة، التي نشرت باستفاضة ولدينا بشأنها ملف كامل أن عمودها الفقري هو دعم المقاومة الفلسطينية. ربما أخطأ من قاموا بذلك الدعم، الوسيلة، لكن الغاية كانت وستظل نبيلة وشريفة، خاصة مع تقاعس النظام ومؤسساته عن ذلك الدعم، بل مشاركته في حصار غزة، أثناء العدوان (يناير 2009) وقبله بعامين (منذ وصول حماس للحكم 2007) وبعد العدوان وحتى اليوم، ما عدا ذلك لا قضية حقيقية، لقد كان الهدف دعم المقاومة ... ولقد أضيف اليها تهمة التفكير، مجرد التفكير، في استهداف بعض المصالح الإسرائيلية في مصر التي أسمتها صحافة المخبرين الرسمية والخاصة (بالأهداف الأجنبية) دون تحديد هويتها الحقيقية، بهدف خلق الالتباس لدى القارئ أو المشاهد، كجزء من عملية الفبركة الأمنية الشهيرة والمعروفة عن الأجهزة الأمنية المصرية وصحافييها المخبرين. ولقد سبق لنا أن نبهنا إلى خطورة هذه الفبركات الأمنية ـ الإعلامية، على الأمن القومي المصري الحقيقي.

ذلك ان خلية «حزب الله» وبعدها قضية التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وأيضاً قضية ما سمي تنظيم الزيتون السلفي، كلها كانت تستهدف دعم المقاومة الفلسطينية عبر عمل شعبي.

الآن ربما يكشف لنا القضاء، وهيئة الدفاع عن المتهمين بقيادة المفكر والمجاهد الدكتور محمد سليم العوا، والمحامي الإسلامي القدير منتصر الزيات عن الحقيقة التائهة وسط أكاذيب (إعلام الأمن) الرسمي والخاص، وساعتها نحسب انه سيكون واجباً على الفريق الإسرائيلي في النظام ـ إن بقي لديه حياء قومي واهتمام حقيقي بأمنه القومي ـ أن يكافئ هؤلاء المتهمين الشرفاء بدلاً من معاقبتهم كما يحاول جاهداً.

ثانياً: إن ما جرى من تلاسن إعلامي، ومن ردح سياسي واسع النطاق ضد المقاومة اللبنانية بقيادة «حزب الله»، وبالمرة (ضد حماس والمقاومة الفلسطينية) على خلفية هذه القضية يجعل المراقب يسأل: هل ما جرى من معالجة مصرية قاصرة وغبية للأزمة يدخل في نطاق الفبركة الأمنية فحسب أم أنها صراعات الأجهزة، وتسابقها على إرضاء رأس النظام ووريثه القادم الذي يؤكد الخبراء السياسيون انه لا يعرف ألف باء الأمن القومي للبلد الذي سيرثه! في تقديرنا أن ثمة صراعاً خفياً بين أجهزة الأمن والمخابرات المصرية الستة (6 أجهزة في عين الحسود) تجاه هذه القضية، بعضها وفق ما نشر، لم يكن يريد للقضية أن تتجاوز شقها الجنائي المحدود الذي كان يسهل علاجه سياسياً وأمنياً مع حكومة السنيورة في لبنان بالطريقة ذاتها التي يعالجون بها مشاكلهم مع جواسيس إسرائيل في مصر (بالمناسبة عددهم وصل الى175 جاسوساً في 45 قضية مخابراتية منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد 1979 وحتى 2009) والذين وصل ضررهم بالأمن القومي المصري حداً خطيراً تمثل في التهديد الفعلي بل القتل لمصريين (هل بلغك حادث مقتل الجندي المصري على الحدود يوم 17/8/2009 كأحدث إهانة وصفعة على وجه الفريق الإسرائيلي في النظام؟!)، ورغم ذلك تم التسامح وحل المشكلات وعلاجها بطرق هادئة دبلوماسية على النقيض تماماً مما جرى مع ما سمي بخلية «حزب الله»، رغم ان المتهمين فيها ـ كما تؤكد اعترافاتهم المنشورة ـ كانوا في طور التفكير في العمل، والنوايا.

هذه الأجهزة الأمنية تصارعت واختلف بعضها مع بعض، فكانت الطريقة الحمقاء في معالجة هذه القضية بما أضر استراتيجياً بسمعة النظام المصري، الذي صار يحاكم من يدعم المقاومة وحتى لو أخطأ الوسيلة بدلاً من أن يحاكم القتلة الصهاينة.

[ لقد تمخض عن صراع الأجهزة واختلافها، وانحياز النظام لبعضها ضد البعض الآخر، طريقة حمقاء لعلاج أزمة كان من الممكن علاجها بطريقة أخرى أكثر جدوى واحتراماً وتناسباً مع دور مصر القومي، وكان من الممكن الاستفادة (وبمنطق برغماتي صرف) منها في فتح طريق سياسي ذكي إلى لبنان وطوائفه، وقواه، مع احترام كامل للأمن القومي المصري وثوابته، والتي بالمناسبة تأتي مقاومة إسرائيل في مقدمتها حتى لو ادعى البعض غير ذلك.

ثالثاً: يبقى أن ننبه من أن قضية ما سمي بـ(خلية «حزب الله» في مصر) وسواء كانت ناتجة من فبركات أمنية أو صراعات أجهزة، فإن الواجب الشرعي والقومي للنخبة في مصر أن تأخذها منطلقاً لإعادة الاعتبار لثقافة المقاومة ولشرعية دعمها في فلسطين، شاءت الأنظمة أم أبت، وألا تخشى نخبتنا الوطنية الشريفة في ذلك أن تطلق عليها هذه الأنظمة جوقة الإعلاميين المخبرين، تحت وهم تهديد الأمن القومي للبلاد، والذي نحسب أن مصدر تهديده الحقيقي يأتي من الصمت بل المشاركة في الجريمة الكبرى، والتي تجري فصولها أمام أعيننا في غزة وفلسطين المحاصرة.

إن الخيانة الحقيقية هي في هذا الصمت، وفي افتعال واختراع وهم اسمه (الأمن القومي) لمداراة عجزنا وهواننا عن الناس. إن إعادة بلورة المفهوم الحقيقي للأمن القومي الذي يجعل من إسرائيل ومقاومتها أبرز ركائزه وإعادة الاعتبار لثقافة المقاومة وضروراتها مع فضح كل من يرفضها، وتعريته، هما في تقديرنا أهم ما ستقدمه لنا المحاكمة العلنية لما يسمى (بخلية «حزب الله» في مصر)، التي نتمنى أن تكون بالفعل محاكمة عادلة، وغير مسيسة لمصلحة الفريق الإسرائيلي في النظام الحاكم، وعلى الإعلام المستقل والشريف بكل وسائله أن يضغط في هذا الاتجاه، لتحجيم إعلام المخبرين والرداحين، الذي أساء لمصر قبل أن يسيء لغيرها. 


انشر عبر