شريط الأخبار

مبادرة السلام الأميركية .. هاني المصري

02:36 - 01 تموز / سبتمبر 2009

بقلم: هاني المصري

منذ أن تولى باراك أوباما سدة الحكم أولت إدارته اهتماماً ًمركزاً بالصراع العربي - الإسرائيلي، واعلنت انها ستعطيه اولوية وتعمل على حله والتوصل الى اتفاقات لإنهائه خلال مدة عامين.

وعينت الادارة الاميركية جورج ميتشل ليكون مبعوثاً اميركياً للسلام، وحاولت منذ 20/1/2009 أن تحصل على موافقة إسرائيل على تجميد الاستيطان وحل الدولتين مقابل خطوات تطبيع عربية، ولم تستطع حتى الان ان تحصل على الموافقة الإسرائيلية. ان اقصى ما وافقت عليه حكومة نتنياهو المتطرفة هو:

اولاً: الموافقة على قيام دولة فلسطينية بعد ان وضعت سلسلة من الشروط التعجيزية على قيامها تبدأ بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية واسقاط حق العودة ولا تنتهي بأن تكون دولة منزوعة السلاح.

ثانياً: الموافقة على تجميد الاستيطان لمدة مؤقتة (9 -12 شهراً) مع استثناء القدس والوحدات الاستيطانية قيد البناء والمرافق العامة والاصرار على سلسلة خطوات عربية تطبيعية وفرض عقوبات دولية اشد على ايران مع الاحتفاظ "بجواز مرور" يسمح لإسرائيل بالتنصل من الاتفاق اذا لم يلتزم الفلسطينيون والعرب بما يتعلق بهم بهذه الصفقة.

ان تجميد الاستيطان اذا تم وفق هذه الشروط سيكون مكلفا جدا، بحيث يكون عدم تجميده مكلفاً اقل بكثير.

فالتجميد المؤقت وفق الشروط الإسرائيلية زائف كلياً، ولن يشمل في احسن الاحوال سوى تجميد عشرات الوحدات الاستيطانية مقابل حصول إسرائيل على شرعية لاستئناف الاستيطان بعد انتهائه.

إن الخلاف حول تجميد الاستيطان، الذي يعتبر جزئياً، يعطينا نموذجاً عن حجم الصعوبات التي تعترض استئناف المفاوضات واحياء عملية السلام، وكيف ان إسرائيل هي العقبة وليست جاهزة للسلام على الاطلاق.

فاذا كان تجميد الاستيطان، لم يتحقق رغم مرور اكثر من سبعة اشهر على تولي اوباما الحكم؟ فكيف ستتمكن الادارة الاميركية من اقناع إسرائيل بإزالة الاستيطان او جزء كبير منه.

كيف ستقتنع إسرائيل بالانسحاب من القدس المحتلة عام1967؟

كيف يمكن اقامة دولة خلال عامين؟

ان اوباما وعد بإطلاق مبادرة للسلام، وكان هناك استعداد لإطلاقها في بداية شهر حزيران الماضي خلال خطابه الذي القاه في جامعة القاهرة ولم يفعل.

وتم تأجيل اطلاق المبادرة اكثر من مرة.

الآن هناك انباء انها ستطلق خلال الشهر الجاري، وربما خلال الخطاب الذي سيلقيه الرئيس الاميركي في الجمعية العامة للامم المتحدة.

إن الجميع بانتظار المبادرة الاميركية، فهل سيتم اطلاقها؟واذا تم اطلاقها ما هو مضمونها؟ هل ستكون مجرد خطوط عامة لا تغني ولا تسمن من جوع؟ أم ستكون خطة تفصيلية تتضمن مواقف ملموسة ومطالب محددة تترافق مع رزمة حوافز في حال الموافقة عليها، ورزمة عقاب اذا تم رفضها.

اذا اختارت ادارة البيت الابيض التصرف مع إسرائيل مثلما تصرفت حتى الان، فان المبادرة إما لن ترى النور او ستكون عامة فضفاضة او مختلة لصالح إسرائيل.

بدون ضغط حقيقي ومتعاظم اميركي ودولي على إسرائيل يؤدي الى التزامها بشكل حقيقي بالقانون الدولي وقرارات الامم المتحدة كمرجعية ملزمة لعملية السلام، وبأن المفاوضات تهدف الى تطبيق الالتزامات التي تتضمنها هذه القرارات، والتي تقوم على انهاء الاحتلال والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني بما فيها حقه بالعودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 67 وعاصمتها القدس، لن تساعد المبادرة الاميركية القادمة بل ستلحق ضرراً بالغاً بالجهود الرامية لتحقيق الامن والاستقرار والسلام في المنطقة، وستعطي لإسرائيل الوقت اللازم لاستكمال تطبيق المشاريع والخطط العدوانية والتوسعية والاستيطانية والعنصرية.

واذا نجحت الادارة الاميركية في طرح مبادرتها، وفقا لما تسرب حولها، وحصلت على موافقة عليها من الاطراف المعنية، فانها ستولد حلاً تصفوياً اقصى ما يمكن ان ينتج عنه سلطة حكم ذاتي افضل قليلاً من السلطة القائمة، ولكنها يمكن ان تسمى دولة، ويمكن ان تكون ذات حدود مؤقتة، مع وعد بأن يتم التفاوض على حدودها الدائمة وبقية القضايا العالقة خلال مدة زمنية محددة، ولكنها طبعاً مدة سيتم تجاوزها وفقاً للقاعدة التي أرساها اسحق رابين "بطل السلام" الذي قال عبارته الشهيرة :"لا مواعيد مقدسة".

ان الانباء المتوفرة حتى الان حول المبادرة الاميركية لن تقدم خشبة الخلاص وانما ستدخلنا في ملهاة جديدة فهي ستشمل:

*التركيز على اقامة "دولة الضفة الغربية" دولة الامر الواقع وتأجيل موضوع قطاع غزة الى ان تتوفر ظروف تسمح بضمه للدولة.

*اعطاء الاولوية للاتفاق على الاراضي ورسم الحدود على ان تكون المستوطنات خارج اطار هذه الحدود حتى يعرف كل طرف ما سيبقى لديه 0وهذا يسمح لإسرائيل بالاستمرار بالاستيطان في المناطق التي ستكون ضمن حدودها المستقبلية بعد الاتفاق، وذلك طبعاً بدون التزام إسرائيلي واضح وقاطع بالانسحاب الى حدود 1967.

* ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة لإسرائيل، والتفاوض حول المستوطنات الصغيرة والاتفاق على الترتيبات بشأنها خلال ثلاثة اشهر، واقرار مبدأ تبادل الاراضي واقامة انفاق وجسور اضافية لربط الضفة بعضها ببعض حتى لا يكون هناك احتكاك وتداخل بين الفلسطينيين والمستوطنين، وتقسيم القدس الشرقية بين إسرائيل والدولة الفلسطينية، بحيث تضم الاحياء اليهودية والمستوطنات لإسرائيل، ومنطقة المقدسات تكون تحت سيطرة وسيادة عربية واسلامية.

*ان تستوعب الدولة الفلسطينية الجديدة اعداداً يتفق عليها من اللاجئين الفلسطينيين واقامة صندوق مالي دولي لتوطين هؤلاء في مناطق الاغوار بين نابلس ورام الله.

*احضار قوات دولية في عدد من مناطق الضفة، وبشكل خاص في منطقة الاغوار التي تطمع إسرائيل لإبقاء السيطرة عليها من خلال استئجارها لفترة طويلة مرشحة للتمديد الالزامي.

*المناطق المتبقية من اراضي الضفة الغربية ستكون مناطق منزوعة السلاح مع سيطرة إسرائيلية على الاجواء، وتمنع السلطة الفلسطينية من توقيع معاهدات امنية وعسكرية مع دول اخرى، في حين يتواصل التنسيق الامني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

* الاعلان عن الدولة الفلسطينية في صيف عام 2011 مع ضمانات اميركية، والسماح ببناء مطار مدني بالضفة الغربية.

* اقامة ترتيبات خاصة بمشاركة دولية بشأن الاماكن المقدسة في القدس والخليل.

* البدء بإطلاق سراح المعتقلين فور التوقيع على معاهدة السلام، وان تستمر هذه العملية لمدة ثلاث سنوات، مع تحديد لأعداد عناصر الامن في السلطة.

ان هذه الخطة اذا صحت الانباء حولها، لا تعطي دولة فلسطينية حقيقية على حدود1967 عاصمتها القدس وانما "دولة البقايا" في الضفة في المرحلة الاولى، وتصفي قضية اللاجئين، أي تحقق جوهر المطالب والاهداف الإسرائيلية. ومع ذلك يمكن ان ترفضها الحكومة الإسرائيلية لانها تريد اكثر من ذلك.

كما ان هذه المبادرة، ستكرس الانقسام الفلسطيني القائم وتسعى لتوظيفه للحصول على اتفاق يحصد من الضعف الفلسطيني لانها تركز على اقامة "دولة الضفة" وتأجيل غزة حتى اشعار آخر.

طبعا ستتضمن المبادرة اقتراحات لعقد معاهدة سلام سورية - إسرائيلية واخرى لبنانية - إسرائيلية، ورزمة خطوات عربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل لمجرد قيامها بتجميد مؤقت ومحدود وشكلي للاستيطان.

ومن اخطر اهداف المبادرة عزل المسارات العربية عن بعضها البعض وقضايا التفاوض الاساسية الفلسطينية عن بعضها البعض وتفكيك كل قضية على حدة لاجزاء وتفاصيل والسعي للانتهاء من كل قضية على حدة سواء بالاتفاق عليها بشكل منفصل عن القضايا الاخرى او بالعمل لتطبيقها بعد الاتفاق عليها بدون علاقة بالقضايا الاخرى، وما لم يتم الاتفاق عليه يتم تأجيله لكي يحل لاحقاً، وعلى ان يتم انهاء الصراع بالكامل وعدم تقديم اي مطالب جديدة.

فمثلا قضية اللاجئين يتم السعي لاجمالها على قاعدة المبادئ الخمسة المتفق عليها في كامب ديفيد وطابا، على اساس التوطين والتعويض والعودة الى الدولة الفلسطينية العتيدة وليس لإسرائيل ويمكن ان تبدأ "العودة" من اللاجئين في لبنان لتخفيف الاحتقان هناك حول هذه المسألة، وبدون انتظار الاتفاق الشامل حول كافة القضايا.

السؤال هو: ما هو الموقف الفلسطيني والعربي اذا طرحت ادارة اوباما هذه الخطة او خطة شبيهة بها؟

هل سيتم القبول بها على اساس ان "ليس بالامكان أبدع مما كان"!.

انشر عبر