شريط الأخبار

يهربهم يهود.. العمال في الضفة يتسللون إلى "إسرائيل" عبر ثلاجات وشاحنات مقابل 50 دولاراً

05:25 - 30 حزيران / أغسطس 2009

فلسطين اليوم – الشرق الأوسط

يصطف عشرات العمال الفلسطينيين في طابور طويل في جنح الظلام ولعدة ساعات يوميا، عند بوابات حديدية، في انتظار سماح الجنود الإسرائيليين لهم بالدخول إلى إسرائيل، وتبدأ الرحلة الشاقة لعشرات آلاف العمال، مع منتصف الليل، إذ يغادرون منازلهم مبكرا على أمل أن يحصلوا على دور متقدم، ومنهم من يكمل نومه عند الحاجز.

وحتى عندما يغادر أبو خلدون، 55 عاما، قي مثل هذه الساعة المبكرة، منزله في بيت لحم إلى حاجز 300 شمال المدينة، فإنه يجد أمامه عشرات العمال في انتظار اللحظة التي يسمح لهم بالعبور بحثا عن لقمة العيش لهم ولأطفالهم وأسرهم. وقال أبو خلدون، «بطلع من البيت.. لما بيناموا الناس، واجد أمامي عشرات العمال، مش عارف من أي ساعة بيطلعوا من بيوتهم».

وينضم أبو خلدون إلى زملائه، ويضطر للانتظار 4 ساعات أخرى، (حتى الساعة الخامسة والنصف والسادسة صباحا) حتى يسمح لهم الجنود بدخول الحاجز. ويقول العمال، إن بعض أرباب العمل لا يسمحون بالتأخير، ولذلك فإن وصولك إلى مكان عملك في السابعة صباحا يتوجب عليك أن تغادر في الثانية عشرة ليلا. يحتاج كل عامل إلى دقيقتين وأكثر من أجل عرض أوراقه الشخصية وتصريحه، بعد أن يمر عبر بوابات إلكترونية ودوارة، وبعضهم قد يتعرض لتفتيش دقيق يستوجب خلع ملابسه الخارجية.

يصف أبو خلدون بمرارة كبيرة ما يحدث بأنه نوع من الإذلال، ويزيد ساخرا، «والله نقف زي الغنم، يمكن الغنم أحسن منا». كل العمال تقريبا يحملون أكياسا فيها بعض الطعام المكون بمعظمه من الخبز والمعلبات، وهذا هو غذاؤهم طوال اليوم، وقال علي، 35 عاما، «أيام العز في إسرائيل راحت، لا نتلقى أجرا كبيرا، لكن هذا أفضل من الجلوس في البيت». ويصف علي، الأسعار في إسرائيل بأنها مرتفعة، ولا يمكنه أن يشتري وجبة من هناك، إذ لا يتناسب هذا مع دخله. يذكر أن أجر العامل يوميا قد يصل إلى 150 شيكلا (40 دولارا) ويصرخ علي فجأة، محتجا على خرق النظام، قال «ليش سمحتو له بأن يدخل؟ مين هذا؟ أنا من ساعتين واقف هنا» ترتفع الأصوات ثم يحاول البعض امتصاص المشكلة حتى لا يتلقوا عقابا من جنود الحاجز.

ويتعرف العمال على بعضهم بعضا، ويتبادلون النكات فتلك أحد أساليب قتل الوقت، والبحث عن مساحة للترفيه. وحتى لا يفقد أحد دوره، فإنه لا يغادر الطابور لأي سبب، ولا حتى الذهاب لقضاء الحاجة، وقال أبو خلدون «مش احكيتلك انو الغنم أحسن».

وقال ناصر، 37 عاما، الذي جاء من إحدى قرى بيت لحم، «احنا بألف خير في الصيف، لو تيجي وتشوفنا في الشتا». وفي الشتاء يضطرون للوقوف كل هذه الساعات في البرد القارص، وقد يعودون بعد ساعتين أو 3 إذا بدأ المطر. وقال ناصر «في المطر ما في شغل في الورشات، كنت أقف ساعتين في البرد وبعدين تمطر نروح نروح».

ويتندر العمال عندما يدعوهم الجنود لدخول الحاجز، قال أحدهم بصوت عال، «يا لله أدخلوا زي الدجاج على المعاطات» (يطلق على بعض محال الدجاج في فلسطين معاطات نسبة إلى الآلة التي تنظف الدجاج من الريش). وتنتشر الحواجز الإسرائيلية على كل مداخل المدن الفلسطينية، ويسمح الجيش الإسرائيلي للعمال الفلسطينيين بدخول إسرائيل عبر 13 معبرا فقط تستخدم نظم الحوسبة، ولا تتغير الصورة على حواجز أخرى، وربما تبدو أكثر قسوة.

ووصفت منظمة «محسوم ووتش» الإسرائيلية (محسوم يعني حاجز بالعبرية)، معبر «ارتاح» جنوب غرب طولكرم، بأنه باب من «أبواب جهنم»، وقالت المنظمة إن هذا الحاجز يتحول مع عبور العمال يوميا منه إلى «سوق عصري للعبيد». وتنقل «محسوم ووتش» عن عمال فلسطينيين قولهم إن الجنود لا يتورعون عن توجيه بنادقهم نحوهم وإلقاء قنابل صوتية وقنابل غاز وشتمهم.

ورغم هذه الرحلة المذلة، فإن حظ هؤلاء العمال يبدو أفضل حالا من زملاء لهم رفضت السلطات الإسرائيلية منحهم التصاريح اللازمة لدخول إسرائيل، خاصة أولئك الشباب الذين لم يصلوا بعد إلى الـ35 عاما من العمر، وليسوا متزوجين وليس ليهم أطفال. ومع التدهور الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية، يبحث العمال المحرومون من التصاريح، عن طرائق مختلفة وإبداعية لدخول إسرائيل للبحث عن عمل أو الالتحاق بأعمالهم. ورغم أن القانون الإسرائيلي لا يجيز تشغيل عمال أجانب بدون تصاريح فإن أرباب العمل الإسرائيليين يفضلون أحيانا مثل هؤلاء العمال، لأكثر من سبب. وقال محمد، 23 عاما، من نابلس، «نحن نعمل بدون أي حقوق وبأجر أقل من الآخرين ويمكنهم طردنا وقتما شاءوا، لكن لا يوجد بديل». ويعتمد هؤلاء العمال مثل محمد، على مهربين يهود، بالعادة من أجل نقلهم إلى إسرائيل، وقال محمد «أنا أدفع 200 شيكل (55 دولارا) مقابل نقلي إلى إسرائيل». وبصحبة محمد ينقل عادة في كل مرة العشرات بحسب الوسيلة المستخدمة ويدفعون المبلغ نفسه.

وأوضح محمد «الأسبوع الماضي تم تهريبنا في ثلاجات كبيرة، أشعر مرات أني سأختنق لكن لا توجد طريقة أخرى».

وجرب محمد عدة أساليب، فقد صعد في الثلاجات وشاحنات النقل وفي خزانات كبيرة كذلك، وشاحنات لنقل البضائع، وحتى لا يكرر المسألة يوميا، فإنه يبقى في إسرائيل شهرا كاملا قبل أن يعود إلى الضفة الغربية.

ينام محمد في عمارات وشقق سكنية لم تنجز بعد، ويدفع مقابل ذلك للإسرائيليين أيضا، لكن حياته تبدو مثل مطارد، وقال، «يطاردنا حرس الحدود من عمارة إلى عمارة وقد اعتقل أصدقاء لي مرة بينما هربت أنا».

وتوقف الشرطة الإسرائيلية سنويا الآلاف من العمال «غير الشرعيين»، وتفرج عن غالبيتهم بعد اعتقال ساعات. وقالت ساريت ميخايلي من منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، إن «الوضع الاقتصادي بائس في الأراضي الفلسطينية إلى درجة أن الناس باتوا مستعدين لمقاساة الكثير».

ومن أجل التضييق على العمال الفلسطينيين، قررت إسرائيل أن تصبح عودة العامل عبر المعبر نفسه الذي يغادر منه، وبموجب التعليمات الجديدة فإنه سيسمح بإعطاء تصاريح لبعض الفلسطينيين للبقاء خلال الليل، في حين أن البعض الآخر سيسمح لهم بدخول إسرائيل في الصباح والعودة إلى الضفة الغربية قبل حلول الظلام.

وقال روي فاغنر، من منظمة «لاف لاوفد» الإسرائيلية التي تدافع عن العمال، «إن العمال الفلسطينيين قد يعملون يوما أو حتى أسبوعا دون تلقي أجر. ويتلقون أقل بكثير من الحد الأدنى للأجور الإسرائيلية».

انشر عبر