شريط الأخبار

غزة: حياة مرضى الفشل الكلوي في رمضان.. جحيم من نوع خاص!

08:35 - 28 تموز / أغسطس 2009

tلسطين اليوم-غزة

لم يستطع أبو أحمد مصلح ( 70 عاما) جلب مرافق له في السنوات الأخيرة لأنه عاجز عن دفع أجرة المواصلات له، التي لا تزيد قيمتها عن 7 شواكل فقط!! كما أنه لا يجد أحياناً مبلغاً يشتري به الأدوية اللازمة له كمصاب بالفشل الكلوي، والتي قد لا تزيد قيمتها عن 100 شيكل، بسبب حالته المادية الصعبة، وعدم قدرة أولاده على إعالته. وقد لا يدرك ذلك الرجل البائس أن جلساته العلاجية لغسل الكلى قد تتوقف قريبا، ليس بسبب شفائه بالتأكيد، ولكن لأن المحاليل اللازمة لعملية غسيل الكلى على وشك النفاد من المستشفى..

 

رحلة عذاب جماعية

 

حالته المادية التعسة تكشفها  ملابسه البسيطة، فالرجل انقلبت حياته على جحيم منذ اثني عشر عاما، عندما علم بإصابته بالفشل الكلوي، وخسر عمله بعدها كعامل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة الـ"48".

 

 يقول أبو أحمد: " كنت عامل بناء وقتها، لكنني لم أستطع أن أمارس مهنتي بعد إصابتي بالفشل الكلوي، بسبب الإنهاك الذي يصيبني عقب كل جلسة غسل للكلى،التي تستمر أربع ساعات متواصلة، لثلاث مرات خلال الأسبوع. ولم يستطع أولادي إعالتي، فاضطررت أن آتي وحدي دائماً على المستشفى، تاركاً زوجتي في البيت، وذلك لأنني لا أملك أكثر من أجرة مواصلاتي ".

 

  بخلاف الأدوية التي قد يعجز أبو أحمد عن توفيرها أحياناً، بسبب نقص كمياتها في السوق المحلي، أوعدم قدرته على شرائها، فإنه يحتاج إلى غذاء خاص، بسبب وضعه الصحي.

 

رغم كل هذا، فإن الرجل لا يزال صابراً على بلواه، ويعتبر نقص الأدوية والمحاليل اللازمة له " مصيبة أخرى تضاف إلى مصائبه "، إذ يقول وابتسامة خفيفة تكسو ملامحه المنهكة: " أنا الآن أقدم مريض في القسم، بعد وفاة امرأة أصيبت بالمرض قبلي بعامين تقريبا، لكنني أؤمن أن الشفاء والأعمار كلاهما بيد الله وحده، ولا زلت صابراً على بلائي حتى ألقى الله .. ".  

 

قصة شحاتة ضبان ( 47 عاما) تتقاطع في كثير من تفاصيلها مع ما حدث لأبي أحمد، فكلاهما كان يعمل داخل الأراضي المحتلة الـ"48"، وتوقف عن العمل للأسباب ذاتها. لكن الفارق بين سابقتها أمران: أولهما أنه أصيب بالمرض منذ ثلاث سنوات فقط، والثاني أن الرجل وابنه ياسر ( 23 سنة)، الذي يعاني من إعاقة عقلية، مصابان بذات المرض.

 

ويصر شحاتة ، بخلاف معظم مرضى الفشل الكلوي، على الصيام في ذات يوم جلسة غسيل الكلى خاصته، بالرغم من الآلام الفظيعة التي تتولاه بسبب ذلك، متحدثاً عن معاناته: " أشعر أن عظم ساقيّ يتكسر عندما أحاول الوقوف عليهما عقب كل جلسة، كما أنني أرهق كثيرا بعد جلسات غسيل الكلى وأنا مفطر، وأعود لأنام بقية النهار كله، فما بالك بعد الصوم؟! ". 

 

لا تختلف قصة هيام مجدي عن أي قصة أخرى لمرضى الكلى السابقين، سوى في شيء واحد: أن عمرها لم يتجاوز بعد الخامسة عشرة، لكن جسدها الضامر يمنحها عمراً يصغر سنها الحقيقي بثلاث سنوات. تقول: " قبل عامين أصبت بحالة إغماء شديد، أخذني بعدها والدي إلى المستشفى، لأعرف بعد أسبوعين من الفحوصات أنني مصابة بالفشل الكلوي، ومنذ يومها بدأ عذاب جلسات الغسيل التي لا تنتهي .. ".

 

" أمامهم أيام لا أكثر "

 

ويقول الدكتور نافذ انعيم، أخصائي الكلى والباطنة بقسم الكلى الصناعية بمستشفى الشفاء " خلال الأيام القادمة سيواجه هؤلاء المرضى، وعشرات آخرون ممن يقاسمونهم ذات المعاناة مع المرض، خطر الموت، بسبب نقص المحاليل والمستحضرات الطبية الضرورية لإجراء عملية الكلى – والتي تعرف أيضاً بالديلزة – ما تصل تلك المواد بأقصى سرعة، باختصار: نحن نتحدث عن مسألة حياة أو موت ".

 

ويضيف في حديث لـ صحيفة " فلسطين " المحلية: " نحن نعاني من نقص في مركبي بودرة البيباك والهيموسول اللازمين لإجراء عمليات الديلزة بجهاز من طراز يسمى فرزينياس، نمتلك منه 11 جهازاً مخصصة لمرضى التهاب الكبد الوبائي من فئتي B  و C، مما يعني أننا لا نستطيع وضعهم على أجهزة أخرى يصيبون من خلالها الأصحاء بهذا المرض المعدي. كما أن الكثير من مستشفيات القطاع ستضطر لتحويل مرضاها إلينا، لأنها تمتلك ذات الطراز من أجهزة الكلى، مما يعني أننا نواجه أزمة خانقة، ستتفاقم أكثر خلال أيام تعد على الأصابع، ما لم تصل المحاليل التي تحدثت عنها ".

 

وينوه د. انعيم إلى أن معظم أجهزة الغسيل الكلوي بالقسم تعمل ما يفوق عدد ساعاتها المطلوبة، إذ يفترض ألا تزيد عدد ساعات عمل الجهاز مع فترة تعقيمه عن تسع ساعات فقط، بينما تعمل معظم أجهزة غسيل الكلى ما بين 12 – 14 ساعة يوميا، فضلا عن أن نصفها على الأقل بحاجة إلى أعمال الصيانة بعد تجاوز عمرها الافتراضي.

 

الوضع " حرج للغاية "

 

ويكمل د. انعيم: " هذه الجلسات ضرورية للغاية لمرضى قسمنا، حيث يحتاج المريض إلى جلستين أو ثلاث جلسات أسبوعية، وتخلفه عن جلسة واحدة فحسب سيتسبب له بمضاعفات صحية لها خطورتها. قد أستطيع تجاوز نقص بعض الأدوية اللازمة للمرضى وتعويضهم عنها بعدد من وحدات الدم، بينما يستحيل فعل هذا على الإطلاق فيما يخص جلسات العلاج ". 

 

من جهته، قال د. حسن خلف، الوكيل المساعد بوزارة الصحة:" إن المحاليل الطبية المستخدمة في آلات غسل الكلى لم تصل بعد وأن الوضع " حرج للغاية "، وسيكون " كارثيا "، ما لم تصل تلك المحاليل خلال يومين على الأكثر.

 

 

انشر عبر