شريط الأخبار

مهزلة فتح: العمود الفقري للاحتلال الإسرائيلي./ د.أسعد أبو خليل*

03:11 - 22 حزيران / أغسطس 2009

مهزلة فتح: العمود الفقري للاحتلال الإسرائيلي

 د.أسعد أبو خليل*

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا 

22/08/2009  12:02 

 

هل كان إعلان الدعم المالي السعودي لحكومة سلام فيّاض (الخليفة المُنتقى لمحمود عباس رغم حصوله على حوالى 1% من أصوات شعب فلسطين في آخر انتخابات اشتراعيّة) بريئاً من الهوى، مثلما كان هناك في لبنان قبيل الانتخابات إعلان سعودي مفاجئ لحلّ مشكلة مكبّ النفايات في صيدا لدعم ترشيح السنيورة، وإن كان وزير الداخليّة اللبناني لم يلاحظ ذلك، مثلما لم يلاحظ مخالفة البطريرك العروبي ــ ليوم واحد فقط ـ لقانون الانتخابات نفسه؟

 

محمود عباس هو اليوم مُنصّب بأيدي الاحتلال والأنظمة العربيّة، لأن ولايته انتهت في شهر كانون الثاني الماضي، مع أن بان كي مون وتيري رود لارسن ـ والأخير هو المفوّض الخاص بالمصلحة الصهيونيّة في مجلس الأمن ـ أصرّا على أن الأمم المتحدة لا تقبل أن يجدّد أي رئيس ولايته أو أن يبقى يوماً واحداً بعد انتهاء ولايته، إلا إذا كان ملكاً متسلّطاً أو ديكتاتوراً يعترف بإسقاطه لطائرة مدنيّة أو سلطاناً مطلق الصلاحيّة، أو رئيساً منتهي الولاية لسلطة منتدبة قبل الاحتلال. لكنّ الاستعمار يغفر دون العصيان والرفض والنشاز ما يشاء.

 

الحديث عن مهزلة مهرجان فتح يفتح جروحاً عميقة عن تاريخ حركة فتح ومنه. وتاريخ حركة فتح ينضبُ في المذكّرات التي صدرت حديثاً لإلياس شوفاني. وإلياس شوفاني (واحد من المؤسِّسين الروّاد للدراسة الأكاديميّة الجادة للصهيونيّة وإسرائيل، فيما كان شوقي عبد الناصر وعجاج نويهض يكتفيان بنشر «بروتوكالات حكماء صهيون» المُزوّرة لفهم إسرائيل) يمثّل نمطاً من العضويّة اندثر في حركة فتح.

 

كان عام 1982 والطريقة التي أمرّ بها عرفات سرّاً قرار الانسحاب من بيروت هما آخر قشّة عند فريق المبدئيّين في الحركة، التي بدأت كـ«العمود الفقري للثورة الفلسطينيّة» وتحوّلت العمود الفقري للاحتلال الإسرائيلي.

 

بعضهم تقاعد من النضال وإلى الأبد، والبعض الآخر توفي في ظروف غامضة (مثل ماجد أبو شرار أو حنا ميخائيل الذي ذهب في زورق في عرض البحر ولم يعدْ)، والبعض الآخر انضم إلى حركة فتح ـ الانتفاضة.

 

قصة إلياس شوفاني هي قصة الخيبة والكآبة في حركة فتح: قصة ذلك التنظيم شبه السرّي في داخل الحركة. الحركة التي وعدت بثورة حتى النصر، لكنها لم تقم بثورة أو حتى بكاريكاتور ثورة، وحوّلت الهزيمة ـ على طريقة الأنظمة العربيّة ـ إلى نصر مبين.

 

عاش شوفاني في كنف الاحتلال الإسرائيلي البغيض الذي حوّل صاحب الأرض إلى ضيف يحتاج إلى أذونات للتجوال والرحيل والتنقّل في أرجاء وطنه (أو وطنها). ملكيّة الأرض تحوّلت في عمليّة سرقة عامّة وشاملة إلى «ملكيّة غير قابلة للتصرّف» للشعب اليهودي برمّته: أي إن اليهودي في بروكلين يملك في أرض لم يزرْها أكثر من صاحب الأرض ومالك مفاتيح البيوت القابع في مخيّمات اللاجئين. درس شوفاني في الجامعة العبريّة. وفي روايته الكثير عن الاستشراق الإسرائيلي وسماته. هاجر إلى الولايات المتحدة ونشط في حركة فتح في المهجر. وبعدما نال تثبيتاً وترقية في جامعة ماريلاند في قسم التاريخ، ترك كل شيء وراءه وهاجر للانضمام إلى حركة ظن أنها واعدة.

 

هذا نموذج من الالتزام المبدئي الذي لا وجود له اليوم في صفوف حركة باتت تتّسم بالانتفاع والارتزاق والاكتساب. لم يطل الأمر بشوفاني لاكتشاف الحقيقة. الخيبات تراكمت وازدادت، ومحاولات التغيير من الداخل عجزت باكراً.

 

وعاد شوفاني إلى بيروت ليكتشف حقيقة حركة فتح. لاحظ قبل أن يعود إلى بيروت أن الحركة قامت بحملة قِطْريّة شوفينيّة توخّت فصل العمل الفلسطيني ـ حتى في المهاجر ـ عن العمل النقابي والقطاعي العربي، مع أن عدداً ليس بسيطاً من المراجع الفتحاويّة لم تكن فلسطينيّة الجنسيّة.

 

هذا ما عناه ياسر عرفات برفع شعار «استقلاليّة القرار الفلسطينيّ»: فهو لم يحقّق الاستقلاليّة، وفوق ذلك قطع صلات الوصل مع حملات التطوّع العربيّة الجيّاشة ـ في ذلك الحين. عزلت فتح الثورة الفلسطينيّة عن جماهير التطوّع العربي. وكانت الحركة بعيدة عن الاستقلاليّة، لا فقط بسب ارتباط عرفات المبكّر بدول الخليج، بل بسبب الانفلاش والتسيّب التنظيمي الذي وسم الحركة منذ نشوئها.

 

ويضحك المرء عندما يراجع كتيّبات حركة فتح الأولى وهي تتحدّث عن السريّة: «حركتنا حركة سريّة، وهي سريّة لأن هنالك ظروفاً تملي عليها ذلك». (حركة فتح، القواعد العشر الأساسيّة في التنظيم، ص. 23).

 

سرعان ما اكتشف المتطوّع شوفاني شخصيّة محمود عباس، وذلك عندما كان الأخير يشغل مسؤوليّة «التعبئة والتنظيم» في الحركة، وهو الذي أصرّ على فصل التطوّع الفلسطيني عن العمل العربي المشترك. كذلك فإن شوفاني، الخبير الرصين والجاد في الشأن الصهيوني، قد سخر من محاولة عباس الظهور (بعدما حصل على شهادة دكتوراه من جامعة باتريس لومومبا وتضمّنت أطروحته تشكيكاً في المحرقة لكنّ إسرائيل وليبراليّي أمراء آل سعود في الإعلام العربي يغفرون اللاساميّة إذا صدرت عن الصهاينة العرب مثل السادات وأبو مازن) مظهر الخبير بموضوع إسرائيل.

 

وكان يروّج في صفوف الحركة لخبريّة خطته لإضعاف إسرائيل من خلال حثّ اليهود المغاربة على العودة إلى المغرب. هذه كانت خطة عباس السريّة لتقويض إسرائيل وتحرير فلسطين. وعندما انضمّ شوفاني إلى المجلس الوطني الفلسطيني، أعطاه عباس درساً عن سائر أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، قائلاً له عنهم: «هؤلاء بقر». (إلياس شوفاني، مرثية الصفاء، ص 194).

 

لكنّ مأساة شوفاني تفاقمت عندما اكتشف بعد انضمامه المتسرّع إلى حركة فتح ـ الانتفاضة أنها تكرار لتجربة فتح بكل مساوئها وقباحتها وفسادها. تقاعد شوفاني من النضال، مثلما تقاعد هؤلاء المبدئيون الذين انضموا إلى ما ظنّوه ثورة فاكتشفوا حالة من الفساد تتناقض مع أوّليات الثورة والتحرّر الوطني.

 

لكنّ بوادر الفساد والضعف والضرر في حركة فتح برزت باكراً جداً، وكان يمكن التنبّه إليها. وصمها ياسر عرفات بوصمته الضارّة منذ البدايات. لم تعوّل الحركة على الصدق، واعتمد عرفات في بروزه وصعوده احتكار المصادر الماليّة. عرف كيف يجيّر النشاط الثوري ويحوّله إلى حركة بيروقراطيّة تشبه الجيوش العربيّة في حرب 1948 أكثر مما تشبه حركات ثوريّة مقاتلة.

 

السيطرة على كل مفاصل الحركة كانت الأولويّة. وكان عرفات منذ البداية موارباً ومرائياً ومهيناً للشعب العربي والفلسطيني من خلال:

 

1 ــ التحدث بلغتيْن: واحدة بالعربيّة موجهة إلى الشعب العربي، وواحدة بالأجنبيّة موجهة إلى أميركا وإسرائيل.

2 ــ الإصرار على المبالغة والكذب في البيانات العسكريّة وفي الحديث التنظيمي. تعود إلى عام 1968، مثلاً، فتجد أن حركة فتح زعمت في شهر واحد (تشرين الثاني 1968) أنها قتلت أو جرحت 650 جندياً إسرائيلياً، ودمّرت 59 آلية وسيارة عسكريّة، و22 دبّابة، و26 منشأة حيويّة، ومخفراً ومركزاً ومهجعاً للجنود، و20 مدفعاً من مختلف الأنواع، و5 مواقع للمراقبة، وأبادت 13 كميناً للعدو، ونسفت قطاراً ودمّرت سكة حديديّة في أربعة مواقع، ونسفت مستودعاً للذخيرة وغنمت رشاشيْن من طراز ناتو وكميات من الذخيرة والقنابل اليدويّة، بينما بلغت خسائر فتح في كل هذه المعارك البطوليّة 7 شهداء (راجع كتاب فتح السنوي لعام 1968، ص 160 ـ 161).

 

وبعمليّة حسابيّة بسيطة لا تحتاج إلا إلى معرفة جدول الضرب، يكون الجيش الإسرائيلي قد زال تماماً من الوجود بحلول عام 1980 نتيجة هذا التدمير الهائل على يد الحركة ذات الخيال الخصب. لكن هذه هي حركة فتح وهذا هو أسلوب عرفات في القيادة وفي الادّعاء وفي البهلوانيّة السياسيّة والعسكريّة (كما هو معروف، عرفات كان يصرّ على اعتبار نفسه جنرالاً).

 

وهناك ما يلفت في التشابه بين شخصيّة عرفات ومساره وشخصيّة أنور السادات ومساره. ليس صدفة أنّ مسار السادات نحو السلام المنفرد مع إسرائيل عبر استجداء رعاية واشنطن تطابَقَ نهجاً وهدفاً مع مسار عرفات نحو السلام المنفرد مع إسرائيل عبر استجداء رعاية واشنطن.

 

تستطيع أن تستقي الصفات المشتركة بين الاثنيْن: القدرة على التحايل على منافسين سياسيّين أكثر ذكاءً وحنكة منهما، ثم الاستيلاء على السلطة المتفرّدة. الاعتماد على دعم سعودي ـ خليجي في (ولـِ) مواجهة خصوم سياسيّين. الاعتماد على الحركات المسرحيّة والاستعراضيّة للفت نظر الجمهور وللتأثير (غير الغبي أحياناً) على الرأي العام. معرفة زمن اقتناص الفرص ووسائل هذا الاقتناص. العنجهيّة مع رفاق الدرب والخنوع مع الغرب والصهاينة. اصطناع التأثّر والتبرّج السياسي أمام الكاميرا. اعتماد الولاء المطلق معياراً للوظيفة وللترقية. الإيمان العميق بأن كل أوراق الحل هي في يد أميركا، وأن ما على العرب إلا الزحف نحو العاصمة الأميركيّة. التسليم بالشروط الإسرائيليّة رغبة في إسعاد الراعي الأميركي. استغلال الاستعراض العسكري بديلاً من العمل العسكري ـ المقاوم الجاد لتحرير فلسطين وباقي الأراضي العربيّة المحتلّة.

 

ويلاحظ شوفاني، كما نلاحظ معه، أن عرفات كان في المقصورة الخاصة عندما ألقى السادات تلك الخطبة التي أعلم فيها الأمة بنيّته زيارة القدس المُحتلّة. وليس صدفة أن علاقة حركة فتح بالنظام المصري تطوّرت بعد وفاة عبد الناصر وصعود السادات.

 

أحاط عقد مؤتمر حركة فتح جملة من الظروف والشروط والتدخّلات التي لم تبدأ ولم تنته بذلك الإعلان المُفاجئ لفاروق القدّومي. والقدّومي واحد من سياسيّي الحركة «العتاق» الذين أتقنوا سياسة «اللعم»، أي الموافقة على الشيء وعكسه. القدومي كان يُعدّ في حقبة عرفات الثالث في التعداد الهرمي بعد عرفات وأبو جهاد، وإن كان دوماً ميّالاً إلى الجناح المناهض للتسوية. لكنّ عرفات عرف كيف يُسكتُه في المحطات الفاصلة: كان يقتّر معه عندما يغضب منه، ويجزل العطاء عندما يكون راضياً.

 

هكذا تعامل عرفات مع الآباء المؤسّسين للحركة: أنشأ لكل «أبو» دكّاناً خاصّاً به، وكان بعضها فعّالاً (مثل الجهاز الاستخباري لأبو أياد. ويستطيع نائب بيروت الجديد، نهاد المشنوق، أن يحدّثنا عنه بشيء من التفصيل) وبعضها الآخر ديكوراً يضفي على الحركة طابعاً مزدوجاً من المسرحيّة والفساد (مثل دكاكين أبو حسن سلامة وأبو الزعيم والحاج إسماعيل ــ المسؤول الثاني بعد عرفات عن الانسحاب المُذلّ من دون خطة قتال عام 1982 في مواجهة الغزو الإسرائيلي).

 

لكن أبو اللطف سكت طيلة سنوات عن مفاسد أبو مازن وعن خطة قتل عرفات، وأحرجه خصومه في فتح عندما استشهدوا بما قاله هو في الإشادة بمحمود عبّاس.

 

وصدقية أبو اللطف تعرّضت للاهتزاز في الرد على أوسلو، مع أنه كان واحداً من القادة التاريخيّين لحركة فتح الذين لم يتلوّثوا في جو بيروت قبل 1982. كان واضحاً أن أبا اللطف كان معارضاً لأوسلو، لكنه لم يستطع أو لم يرد أن يجاهر بموقف معارض لعرفات لأنه كان بحاجة إلى تمويل «الدائرة السياسيّة» التي توسّعت وتضخّمت من دون حساب. كان أبو اللطف ينتقد أوسلو يوماً ويصمت يوماً آخر، ثم يصدر موقفاً ملتبساً في يوم ثالث. لكنّ القدومي صمت فيما كانت حركة فتح تتحوّل بالتدريج، وقبل وفاة عرفات، إلى عصابات ميليشيا موالية للاحتلال على غرار جيش لحد في جنوب لبنان. وكان أجدى بأبي اللطف أن يصدر موقفه هذا بناءً على تطوّرات سياسيّة لا على مواقف شخصيّة أو تمويليّة.

 

ولم يكن نص القدّومي المُسرّب إلى الإعلام (عن اجتماع التخطيط لاغتيال عرفات) ذا صدقيّة تُذكر. من المستحيل أن يكون هناك تدوين رسمي لاجتماع استخباري يُتداول فيه خطة التخلّص من عرفات. ولو كان عرفات حصل على نص الاجتماع ـ كما يريدنا القدومي أن نصدّق ـ لما كان قد مات على الأرجح.

 

يتّخذ العدو الإسرائيلي قرارات من هذا النوع من دون توريط حلفائه ممن يريدهم أن يخلفوا عرفات. وليس هذا من باب الشك في نظريّة اغتيال عرفات، وهي مرجّحة. ونذكر أن سهى عرفات كانت قد صرّحت بعد وفاة عرفات مباشرةً بكلام غاضب عن ملابسات موته وعن مؤامرة حاكها «المحيطون به»، في إشارة إلى زمرة محمد دحلان (وهو أسوأ فلسطيني، مثل ما كان بشير الجميّل أسوأ لبناني على الإطلاق). لكنّ سهى عرفات سكتت فجأة عن الكلام المباح بعد اجتماع وجيز ومفاوضات ذات طابع غير سياسي مع... فريق المحيطين بعرفات. حتى ناصر القدوة: هو الآخر تمتم بكلام غير مفهوم قبل أن يلتزم الصمت.

 

وصمتت حركة فتح هي الأخرى قبل أن تعبّر، للمرّة الأولى أثناء المؤتمر بصفة رسميّة، عن شكّها في طريقة موت عرفات، لا بل إن حركة فتح أصدرت بياناً اتهمت فيه إسرائيل ـ التي تخوض معها الحركة مفاوضات علنيّة ورسميّة، والتي تتسم العلاقة بينها وبين فتح بودّ يفوق الودّ المفقود بين حركتيْ فتح وحماس ـ باغتيال عرفات. ولا من يسأل الحركة عن صمتها لسنوات عن هذا الاغتيال وعن الدلائل أو القرائن التي دفعتها لاتهام إسرائيل. أسئلة من دون أجوبة.

 

أما عمليّة التصويت وما أحاط بها من إخراج فكانت تصلح أن تُعرَض على واحدة من خشبات مسارح شارع الهرم.

أولاً، ارتأى الرئيس المنتهي الصلاحيّة، أبو مازن، أن يحلّ لجنة الانتخابات الفتحاويّة وأن يعيّن لجنة دحلانيّة بديلة.

ثانياً، صرّح أبو العلاء (ذو السجل غير الناصع من أيامه في «صامد» إلى اتهامات بتقديم الأسمنت لبناء المستوطنات ـ الثكنات) أن أبا مازن ارتأى أن يزيد عدد صناديق الاقتراع بعدما كان الاتفاق أن تكون واحدة.

ثالثاً، استغرقت عمليّة عدّ الأصوات لأعضاء اللجنة المركزيّة وأعضاء المجلس الثوري أكثر من عدّ الأصوات في الانتخابات الرئاسيّة والاشتراعيّة الأميركيّة.

 

رابعاً، تجري عادة عمليّة عدّ الأصوات بصورة شفافة وتخضع لمراقبة متنافسين وجهات محايدة، أما في انتخابات فتح فقد اختفت الصناديق مجرّد أن انتهى المقترعون من الإدلاء بأصواتهم. ولا نعلم من أخذ الصناديق وفي أي غرفة وُضعت وما حدث لها. لكن تسرّب أن محمود عباس (وهو فريق، لأن له أتباعاً ومرشحين، وهو جزء من الفريق الدحلاني الذي أحكم سيطرته على الحركة) زار مركز عدّ الأصوات وحيّا المكلّفين (نشكّ في أن بينهم نساءً، لأن الحركة منذ نشأتها فاقعة في حكم «الأبوات» الذكوري) بعدّ الأصوات.

 

خامساً، أسهمت إسرائيل في ترجيح كفة الدحلانيّين عبر منع معارضي التسوية والفساد (مثل منير المقدح) من الدخول إلى الأراضي المحتلّة.

سادساً، حصل أمر مضحك عندما سقط مرشح لعضوية اللجنة المركزية ونشرت الصحف أسماء الفائزين والساقطين، لكنه عاد (أبو الطيّب) وفاز بقدرة قادر بعد عدّ للأصوات جاء فيه خاسراً. هنا يكتسي العدّ الفتحاوي بعداً يستحق الإدراج في التراث الإرويلي. وأبو الطيّب جزء لا يتجزّأ من الفريق الدحلاني، وقد وجد أبو مازن صعوبة على ما يبدو في إقناع أبو الطيّب بقبول الخسارة.

 

وظاهرة أبو الطيّب هذا تستحق الدراسة. فهو، لمن لا يذكر، أبو الطيّب نفسه الذي ترأس فرقة الـ17 أثناء المجد الفتحاوي في مسرح لبنان، وكانت الفرقة معروفة بكلّ ما لا علاقة له بمقاومة إسرائيل أو بالكفاح المسلّح. كانت الفرقة بمثابة الحرس الرئاسي لعرفات، وإن أدّت «مهمات خاصة» لم تكن مرتبطة بأمن عرفات الشخصي. وأبو الطيّب هذا ـ مثله مثل عرفات ـ يظن أن الصوت الجهوري يمكن أن يعوّض عن غياب المواهب والكفاءة. وفيما أثبت أبو الطيّب ولاءه الأعمى لعرفات ـ وهل يطلب عرفات إلا ولاءً أعمى؟ ـ لم ينمّ عمله عن أي تميّز أو خبرة في الثورة التي لم تتوقّف حركة فتح عن لمّ الأموال باسمها. وعرفات أصرّ عند بناء سلطة أوسلو كذراع تنفيذية لسلطة الاحتلال الإسرائيلي، على استيراد أسوأ نماذج حركة فتح من الوحول اللبنانيّة. ولذلك: فإن الحاج إسماعيل أصبح نافذاً في سلطة أوسلو، كما أصبح أبو الطيّب هذا متنفّذاً في الجهاز الرئاسي ـ وليس في هذا الجهاز من الرئاسة إلا الاسم، لكنّ هوس عرفات بالبروتوكول الرئاسي حتى لو كان فارغاً أمر معروف كما يرد في الكتب الصادرة عنه.

 

وأبو الطيّب يتولّى رئاسة «لجان التحقيق» الفتحاويّة التي لا «تطلع بنتيجة»: مثل التحقيق في سقوط غزة في أيدي حماس، والتحقيق في فضيحة تهريب روحي فتوح (دحلاني نافذ وإن لم يفز بعضويّة اللجنة المركزيّة) لآلاف من أجهزة الخلوي في صندوق سيّارته.

 

وانتهت المهزلة واستطال وقت عدّ الأصوات لعضويّة المجلس الثوري. المجلس الثوري؟ ماذا بقي من وعد الثورة في حركة فتح؟ محمد دحلان وجبريل الرجّوب يمثّلان الثورة؟ لكن نحو 61 من أعضاء المجلس الثوري محسوبون اليوم على فريق دحلان. وحركة فتح ومنظمة التحرير لا تجتمعان منذ أوسلو إلا بأمر أميركي من أجل ترويض الحركة لجعلها أكثر طواعيّة في يد المُحتلّ الإسرائيلي. وحركة فتح، التي كانت تتعرّض للملاحقة والتنكيل من إسرائيل ومن أميركا، باتت اليوم تتلقّى التسليح والتمويل من أنظمة عربيّة برضى إسرائيلي ـ أميركي، أو بأوامر أميركيّة. والمال في يد محمود عباس هو سلاحه الوحيد يستخدمه من أجل إعادة تركيب الحركة وفق أهواء «ديتون». والمطلوب اليوم هو الاستسلام الكامل، كما صرّح بذلك حازم صاغيّة في جريدة الأمير خالد بن سلطان. لكن مَن مِن شعب فلسطين يسير وفق أهواء خالد بن سلطان أو كتّابه؟ غير أن الأمانة العامة لـ14 آذار هنّأت حركة فتح على «إنجازها الديموقراطي». بقي أن يرسل أنطوان لحد تهنئته هو الآخر.

"الأخبار" 

انشر عبر