شريط الأخبار

لا يتوقفون عند بيت لحم..هآرتس

03:13 - 14 تموز / أغسطس 2009

 بقلم: ناحوم برنيع

عند المدخل الجنوبي لبيت لحم الذي يفضي الى المدينة عبر مخيم الدهيشة للاجئين، كان هناك حاجز اسرائيلي رفع منذ زمن. كل ما تبقى منه هو لافتة تحذر المواطنين الاسرائيليين من الدخول الى اراضي السلطة الامر الذي يعفي الدولة من المسؤولية عن أمنهم. شرطيان فلسطينيان أقاما على امتداد الشارع حاجزا مؤقتا. هما يسمحان للمرور ان يتدفق بحرية: لا يسألان الاسئلة وانما يراقبان ما يحدث.

في ايام مؤتمر فتح رفعت بلدية بيت لحم أعلاما صغيرة لفتح ولفلسطين على أعمدة الانارة وسيارات تابعة للشرطة وضعت عند المفترقات. تذكرت مؤتمر حزب العمل الذي دعا اليه ايهود باراك ذات مرة نتيفوت. الاعلام رفرفت ولكن المواطنين نظروا اليها بشفاه معضوضة وكأنهم ينظرون الى اجتياح عسكري اجنبي. بيت لحم هي مدينة استثنائية: مدينة مسيحية تأسلمت، مدينة ذات صيت واسع في العالم كله ولكن حياتها الحقيقة تشبه حياة ضاحية معزولة وفي قلبها سور – المقطع الاكثر كآبة واكثر غلظة وقسوة من الجدار الفاصل.

في المطعم الذي أحبه في بيت لحم ذبحوا خلال ايام المؤتمر اكثر من خمسين خروفا والسهر تواصل طوال الليل حتى الثانية فجرا. كل ضيف هام يأتي مع حاشيته ومقربيه وحراسه. وعندما يتعلق الامر بفتح الطاولات يمكنك القول ان فلسطين هي دولة بكل معنى الكلمة ربما كان هناك مغزى لتبدل الاجيال في اللجنة المركزية لفتح. تونس ضعفت. رام الله تعززت. اما ترف القيادة فلم يتغير عليه شيء.

ابو مازن وعد توني بلير والامريكيين باستئناف المباحثات مع اسرائيل بعد مؤتمر فتح. المؤتمر لم يمنعه. لذلك كان بامكان الامريكيين ان يعتبروا الحدث مسألة ايجابية: الخطابات كانت شديدة اللهجة متطرفة ولكن من الذي يصغي للخطابات؟ المهم ان ابو مازن والدحلانيون والرجوبيون قد عززا من مكانتهم – هم شركاء.

بنفس الرضى كان بامكانهم متابعة تصريحات نتنياهو وليبرمان وايلي يشاي. ابو مازن لن يعود الى يافا وحيفا وايلي يشاي لن يقطع الضفة الى اثنتين في اي 1، الجبال المقفرة الفارغة بين القدس ومعاليه ادوميم. ليست في الشرق الاوسط ضريبة على الكلمات.

بقيت قضية تجميد المستوطنات. ادارة اوباما غنية بالاشخاص المجربين الماهرين الذين يعرفون السياسة الاسرائيلية جيدا. وبالرغم من ذلك تورطت هذه الادارة في هذه المسألة بصورة صعبة. الدعوة لتجميد الاستيطان كانت خطوة صحيحة وادخلت نتنياهو في حالة ضغط ترجمت فورا لازالة كثيفة للحواجز وغيرها من التسهيلات. يبدو ان الاحتلال لم يكن اكثر راحة واكثر اكتراثا منذ الثمانينيات مما هو عليه اليوم. اسرائيل جسدت للفلسطينيين في الضفة مدى الفجوة بين شروط معيشتهم وبين حياة الفلسطينيين في غزة. ان كانت هناك سياسة فلسطينية لحكومة نتنياهو فهذه هي السياسة.

ولكن الادارة قامت بخطوة اخرى: ليس فقط الدعوة للتجميد، وانما ايضا مفاوضات حول تفاصيل ذلك. ايهود باراك كان فتاة الاغراء وميتشل وقع في الاغراء. هو يتفاوض حول وقت وشروط وعدد ونقاط الخروج. لذلك حول نفسه الى شريك غير مباشر للمشروع الاستيطاني. بدلا من ترك نتنياهو ينضج في طنجرة الضغط الامريكية ها هو ميتشل ينضج في الطنجرة الاسرائيلية. الان يطالب نتنياهو بأن تكون الاتفاقات مكتوبة. كيف يمكن لميتشل ان يكتب ورقة معناها التام او الجزئي هو استمرار الاستيطان، وكيف سيسوقها للعرب.

ليس صنع السلام ملحا لاي احد الان، لا لابو مازن، الذي يشبه حاييم وايزمان اذ مر في ذروة مجده كرئيس من دون دولة ولا لنتنياهو الذي يخشى من ازمة سياسة داخلية ولا لباراك الذي يتمتع من مكانته كوسيط. ولا للدول العربية المؤيدة لامريكا التي كان من المفترض بها ان ترد على مبادرة اوباما بتطبيع العلاقات مع اسرائيل.

متعبون، هذا ما يقوله الناس في الشوارع في بيت لحم. الصيف حار. ليست هناك قوة للدراما. ربما بعد رمضان. اي بعد الاعياد حسب القاموس العبري.

طهور لغير اليهود

ليس من المؤكد ان الخصام الذي سيحدثكم عنه فاضح حقا. ولكن الامر المؤكد انه جنسي. موضوعه هو الطهور. في الثاني من ايلول كان من المفترض بوزير الخارجية افيغدور ليبرمان ان يخرج في زيارة طويلة للدول الافريقية ولان الادارة الامريكية يأست من ليبرمان وان غرب اوروبا تتدبر امرها من دونه لم يتبق امامه الا ان يطير الى دول شرق اوروبا والعالم الثالث. فوق رأس ليبرمان توصية من الشرطة لتقديمه للمحاكمة بتهمة تبييض الاموال. المهم ان لا يبيض لنا القارة السوداء – قلت لاحد الموظفين في وزارة الخارجية فضحك عاليا. انت تضحك؟ سألته. ما زالوا يسمحون لنا بأن نضحك – هدأ من روعي.

ليبرمان اصطحب معه في تلك الزيارة طائرة مليئة بالمسؤولين ورجال الاعمال. الغاية هي دفع برامج ومشاريع المساعدة والتجارة في مجالات مختلفة وخصوصا الزراعة. احد برامج المساعدة التي لن يذكرها ليبرمان ولو حتى بالتلميح هي خطة الازالة الجماعية لاغلفة الاعضاء التناسلية للرجال في افريقيا. وزارة الخارجية تبتعد عن هذه الفكرة وكأنها نار.

المشكلة هي الايدز. الافارقة هم الضحية الرئيسية لهذا الوباء. دراسة اجرتها مراكز الصحة الوطنية في الولايات المتحدة وفرنسا ونشرت في اواخر 2006 تابعت مجموعة من ثلاثة الاف رجل غير متزوجين في ثلاث دول: كينيا، اوغندا وجنوب افريقيا. نصفهم اجتازوا عملية الطهور والنصف الاخر لم يجتازوه. بعد عامين اتضح ان نسبة الاصابة عند من تم تطهيرهم اقل منها عند الفئة لم تجتز عملية الطهور. النسبة كانت مذهلة: 53 في كينيا، 48 في اوغندا، 60 في المائة في جنوب افريقيا. منظمة الصحة العالمية وصلت الى استنتاج بان الطهور هو الوسيلة الاكثر نجاعة لمنع الايدز. يتوجب استئصال هذه القطعة من الجسد وبصورة واسعة. ومن الذي يفهمه في هذا الموقع الاكثر حساسية اكثر من الشعب اليهودي.

في البلاد جمعية باسم "عملية ابراهام – مشروع الايدز القدس" برئاسة الدكتور يانون شينكر. الجمعية استلمت في تشرين الاول 2006 طلبا من منظمة الصحة العالمية بتنظيم حلقة دراسية في البلاد حول الطهور لخبراء منظمة الصحة. ولماذا نحن بالتحديد؟ سأل رؤساء المجموعة انفسهم وعندئذ تذكروا أن مائة الف مهاجر جديد من دول رابطة الشعوب اجتازوا عملية الطهور وفقا لطلبهم في اسرائيل. العمليات استوجبت التخدير الموقعي فقط والمطهرون عبروا عن رضاهم. من هنا يمتلك الاطباء في اسرائيل المعلومات والتجربة واسرائيل في هذه الحالة ستكون نورا للغرباء (الاصح هو طهورا للغرباء).

الحلقة الدراسية عقدت في فندق جبل صهيون في القدس بمشاركة 26 طبيبا من اسرائيل. الدولة لم تكن مشاركة في ذلك لان منظمة الصحة توجهت مباشرة للجمعية الاختصاصية في البلاد.

خلال 2007 ابدت 18 دولة في افريقيا الاهتمام بادخال الطهور الى سلتها الوقائية الى جانب استخدام الواقي الذكري والارشاد. الدكتور شينكر والدكتور ايتان غروس من هداسا عين كارم خرجا في جولة لثلاث دول افريقية. احدى هذه الدول كانت سوازيلاند. في شهر تشرين الاول خرج الى هناك اطباء متطوعون من اسرائيل وعلموا 12 طبيبا محليا كيفية تنفيذ الطهور. الممول – 150 الف دولار هو مستشفى هداسا.

اثر العملية وقعت اتفاقيات مع منظمات طبية في اوغندا وليسوتو. في عام 2009 وصل وفد من 5 اطباء من السنغال للمشاركة في ورشة اقيمت في البلاد. السنغال هي دولة اسلامية. على حد قول الجمعية وزارة الخارجية وعدت بتمويل وجود هذا الوفد في الفندق. وبينما كان الوفد في الجو متوجها الى مطار بن غوريون الغيت عملية التمويل فتوجهت الجمعية لمتبرعين يهود في الخارج ودفع الحساب من اموالهم. قسم التعاون الدولي في وزارة الخارجية حظر على الدبلوماسيين الاسرائيليين في افريقيا واقطارا اخرى التعاون مع مشروع الطهور.

في رسالة ارسلتها الجمعية الى حاييم ديفون نائب مدير عام وزارة الخارجية ومدير قسم التعاون الدولي في الوزارة اشتكت فيها من لامبالاة الوزارة وعدم اكتراثها. الرسالة طالبت بتنشيط سفراء اسرائيل من اجل خدمة هذا المشروع وعلى هذه الرسالة تواقيع ثمانية اطباء من خيرة المستشفيات في البلاد. ديفون رفض الفكرة فورا. "اجرينا عدة نقاشات وبطبيعة الحال طرحت قضية الطهور. قررنا عدم المشاركة في هذا المجال كدولة بسبب الحساسيات والطريقة التي يمكن فيها النظر الى نشاطاتنا هذه".

ليست الايدز فقط

سألت ديفون ما الذي يقصده بكلمة "حساسيات". "قضية تغيير الديانة قال". "هذه المسألة برزت في عدة حالات فقلنا لانفسنا لماذا ندخل لهذه المسألة كدولة والجمعيات بين هذا وذاك لا تطلب ترخيصا منا". ومع ذلك قلت ان للاطباء المتدينين في اسرائيل خبرة خاصة في عمليات الطهور لكبار السن. أليس خسارة؟ "تشاورنا مع وزارة الصحة" قال ديفون. "هم اكثر حزما منا. هذا القرار ليس نزوة شخصية مني. ضميرنا هادىء فنحن نفعل امورا هامة في افريقيا في مجال الصحة والايدز ليس الوباء الوحيد هناك الملاريا الاكثر فتكا. اما الطهور فهو حل مثير للخلاف".

الى اي مدى يعتبر هذا مثير للخلاف؟ البروفيسور شلومو معيان الخبير البارز في اسرائيل في وباء الايدز قال:"المعلومات حول 60 في المائة دقيقة" قال معيان. "هذه كانت نتيجة مذهلة. وفي بحث آخر نشر قبل شهر ان نسبة الاصابة كانت عالية بين الرجال وعند التحقق من الامر تبين ان هؤلاء الرجال جددوا نشاطاتهم الجنسية في وقت مبكر جدا قبل شفاء الجرح – الاستنتاج كان ان من المحظور اجراء الطهور على الرجال المتزوجين. المسألة هامة. فهل يتوجب على وزارة الخارجية ان تؤيد ذلك؟ انا لست واثقا. انا مشارك في مشروع كلية للصحة العامة في جامعة فينكوبر. هم ينشطون في اثيوبيا ورواندا. عندما كنا في رواندا الدولة التي يوجد فيها مسيحيون ومسلمون اشتبهت جمعيات مسيحية غربية بأن الطهور يحول المسيحيين الى مسلمين. في كينيا لم أواجه مثل هذه الشبهات. هناك ينشط صندوق تابع للبيت الابيض وأقام منظومة استثنائية ضخمة لعمليات الطهور. الاطباء يرشدون الممرضين القانونيين لتنفيذ العمليات وهذا ما يجب ان يكون عليه الامر: من الممكن القيام بالطهور من دون اطباء. في الشعب اليهودي يفعلون ذلك بنجاح طوال آلاف السنين".

البروفيسور معيان وجهني الى مقالة نشرت في المجلة الطبية لانست والتي تصف البحث الجديد بأنه بحث اشكالي. هذا من دون ان نقول كلمة حول الجميعات الغربية التي تكافح ضد كل اشكال الطهور بسبب الاذى الذي يلحق في الجسم والقسوة ولانهم لا يسألون الشخص المطهر دائما ان كان يريد التنازل عن غلاف عضوه التناسلي هذا.

في أخر المطاف يدور الصراع حول المال. مؤسسة بيل وميلندا غيتس خصصت عشرة ملايين دولار لعمليات الطهور في افريقيا. الجمعيات في كل العالم تريد جزءا من هذه الكعكة. وهناك ملايين كثيرة اخرى تصرف على الارشاد الوقائي. "لا حاجة لوزارة الخارجية" يقول البروفيسور معيان. "يتوجب ان تعترف كيف تقدم الطلب".

               
انشر عبر