شريط الأخبار

لا سبب للاحتفال..هآرتس

03:07 - 14 تشرين أول / أغسطس 2009

بقلم: عاموس هرئيل

عندما يسأل أصدقاء رئيس هيئة الاركان غابي اشكنازي، عن صحته، اعتاد اشكنازي أن يجب اجابة منتزعة من عالم تشبيهات محارب في لواء جولاني "79 سبتا آخر". في لائحة يأس رئيس الاركان، هذا هو الوقت الذي بقي لقضاء العقوبة – حتى الزيارة لمقر هيئة القيادة والتحرر النهائي من عبء البزة العسكرية.

يجب الا نخطىء، فاشكنازي لا يعاني بالضبط في مكتب رئيس هيئة الاركان، اشكنازي مثل كثيرين آخرين مقتنع بانه كان الرجل الصحيح في المكان الصحيح، بعد استقالة سلفه دان حلوتس. احتاج الجيش الاسرائيلي الى عمل اعادة بناء كثيف بعقب حرب لبنان الثانية والخلل الذي كشفت عنه في صفوفه. اعاد اشكنازي الجيش الى التدريبات والى أهلية محسنة. وكان له اسهام كبير ايضا في الاخذ بضبط النفس والتقدير في الاجراءات الامنية. ان توجهه اليقظ وازن اكثر من مرة ميلا بالمغامرة والتباهي في ايام حكومة اولمرت. وهو عالم بتحقيق الارباح. ففي كل ظهور له في مناسبة عامة يقف مواطنون في الدور لالتقاط الصور مع رئيس هيئة الاركان، ويلحظ انه يستمد من ذلك لذة ما. لن تكون مفاجأة اذا تبين ان اشكنازي يرعى مطامح سياسية بعد تسريحه، برغم القانون الذي يقضي بتبريد مدة ثلاث سنين.

بلغت ولاية رئيس الاركان التي ستدخل في تشرين الاول ثلثها الاخير، المرحلة المعقدة. فقد تمت التصحيحات المركزية: فقد عاد الجيش بقدر كبير الى مساره الذي صرف عنه في إثر صدمة لبنان في 2006. الصيف الحالي جزء من فترة انتقالية. هدوء أمني لا مثيل له، في حين أخذت تنمو في الخلفية مشكلات استراتيجية عظيمة. ان بعضا منها، وايران في رأسها قد تنفجر في فترة ولاية رئيس الاركان الحالي.

لكن الهدوء يترك وقتا لشغل النفس الواسع في الجيش وخارجه بسلسلة من الفضائح المحرجة. فالجيش الاسرائيلي ينتقل في المدة الاخيرة من قضية قبيحة الى اخرى: فزيارة قائد سلاح البحر اللواء اليعيزر (تشيني) مروم للمتعريات، ومحاكمة الجرافة الصغيرة للعميد موشيه (تشيكو) تمير، ومحاكمة قائد كتيبة المدرعات عُمري بوربرغ بعقب اطلاق رصاصة مطاطية على متظاهر مقيد اليدين، وشهادة قائد لواء كفير، العقيد ايتي فيروف، الذي سوغ استعمال العنف المحدود بمعتقلين فلسطينيين.

كذلك بدأ آب بداية سيئة مقلقة: فكانت حادثتا تدريب قاتلتان مع قتيلين (اول مرة هذا العام)، وقضيتان صعبتان لجنود المدرعات وسلاح الجو وفي هذا الاسبوع استقالة العميد عماد فارس بعد أن تبين أنه كذب قائد المنطقة الشمالية غادي آيزنكوت، وتعليق خدمة ضابط آخر هو العقيد اسرائيل دانييلي، متهما باستعمال محظور لممتلك عسكري بعد أن أعطى ابناء عائلته قيادة مركبه العسكري.

الجواب العسكري المعتاد هو ان الحديث عن تراكم عرضي. فاحصاء الاحتياطي الصارخ الذي تقوم به وسائل الاعلام ينبع فقط من موسم الخيار في مجال العناوين الامنية. ويقول زعم آخر ان الامر كان هكذا دائما، وان المتابعة الاشد قربا مما كان في الماضي في الصحف الى جانب رفض رئيس الاركان المساعدة في تغطية الحقائق والاخفاء تنشيء انطباعا مبالغا فيه.

منزلق دحض

أشك كثيرا في أن يكون هذا تفسيرا ملخصا. على الاقل في قضية تشيني. احدث ضبط رئيس الاركان نفسه غموضا قيميا مقلقا. فبدل ان يحدد آنذاك خط يجب الا يتجاوز، اتخاذ اشكنازي تصرفا مغتفرا ينتهي الى منزلق دحض. زعم قائد سلاح البحر اولا انه زار النادي بسبب حفل لصديق وتحدث عن "زلة لمرة واحدة". بعد ذلك ابلغ عن أنه نقل تقريرا تاما الى رئيس هيئة الاركان عن "زيارات معدودة"، وليس واضحا الى أي حد هي معدودة، في حين زعمت عاملات في النادي ان الحديث عن زائر دائم.

بقي إذن سؤال هل قال مروم الحقيقة لرئيس الاركان والجمهور مفتوحا. كانت الحجة الرئيسة لابقائه في منصبه عدم وجود مرشح ملائم لوراثته على سلاح البحر. فاشكنازي (ورئيس الموساد مئير دغان يوافقه) متأثر من زخم العمليات الكبير الذي أدخله مروم في السلاح، الذي خرج مجروحا من اصابة البارجة "حنيت" في حرب لبنان. لكن رئيس الاركان لم يحدد موقفا قيميا واضحا كافيا من قضية مروم، كما تجاوز مادتين في قضية تمير.

عين اشكنازي ايضا لينقي الحظائر، وليغلب من جديد النظام على السلوك القيمي. وهذا ما حدث بقدر ما لكن بقيت في الجيش جيوب غير صغيرة من الاضطراب. والمشكلة هي انه لا يشعر بوحدة تقديرات العقوبة. فقد نسوا وغفروا لتشيني، في حين منع ضابط آخر ممتاز في سلاح البحر المنافسة في منصب قائد الكوماندو البحري لانه فقد حاسوبا محمولا عسكريا. وانتهت قضية فنية اخرى خطيرة جدا في المدة الاخيرة بغير علاج مهم حقيقي، برغم مزاعم عن اهمال واسكات.

ان انفجار قضية فارس (اذا حوكم فستكون هذه محاكمته الرابعة وهو في البزة العسكرية) لم يسقط هذا الاسبوع احدا من زملائه عن مقعده. ففارس على نحو ما، ضابط من طراز قديم لم يبقَ كثير امثاله في القيادة الرفيعة. ان تلك القدرات التي تكاد تبلغ الاحساس فوق الطبيعي، والتي تمكن القادة من طرح جندي على الارض قبل لحظة من اطلاق رشقات مخرب او ان يلحظوا في الوقت نقطة ضعف تتسلل منها خلية مختطفين، تكون مصحوبة عندهم احيانا باحساسهم بانه يحل لهم كل شيء تقريبا. يصحب المهنة العسكرية قدر من الفظاظة والعنف، لكن ما وصف بتسامح في الماضي على أنه "تلون" او "خشونة" لم يعد مقبولا اليوم.

        لم تغب عن استعراض القضية في وسائل الاعلام مشاعر حساسة معدية. مع زيادة صبغة طائفية. فارس ليس قديسا. بعد ثلاثين سنة من خدمة فاعلة خطرة في احيان كثيرة اصبحت حقوقه كثيرة. لكن يصعب ان ننسب الصدق الى احاديث ذاتية تذاع بتوسط مدافعين وخبراء علاقات عامة.

ان خط الدفاع العام عن فارس يلعب على دعويين: عدم تأييد من اشكنازي وآيزنكوت وظلمه كدرزي. لكن الحقيقة هي أنه قد استنفد الاعتماد الذي اعطيه، إذ خرج مع ضرر ضئيل نسبيا من القضايا السابقة. لا يوجد تذاكٍ عند آيزنكوت. فهو إذ كان قائد سرية في حرب لبنان الاولى عزل ضباطا وجنودا ابلغوا بلاغات كاذبة. يقول اصدقاء عماد انه اعتقد ان رئيس الاركان وقائد المنطقة سيدعان له مجالا مخرج مشرف. تبين بدل ذلك ان اشكنازي يعلق تعيينه قائدا لدورية تعيمية لقادة الكتائب، وفهم التلميح ومضى الى بيته.

في يوم الاثنين، في غد الاعتراف امام آيزنكوت، وصل فارس لاستيضاح في مكتب رئيس الاركان في الكرياه بملابس مدنية. رأى أناس التقوه في ذلك الوقت انه مهتاج، ومعذب، يكاد يكون في ضباب مشاعر. بعد ذلك اسف فارس لانه لم يأخذ 48 ساعة للتفكير قبل الاستقالة. واقتبس من كلامه في احدى الصحف يقول: "توقعت من اشكنازي اكثر من ذلك"، هذا صحيح بيقين لكن في الاتجاه العكسي.

خرقة فوق خرقة

لن تجدي غسالة الكلمات ههنا. ففارس لم يزل فقط، بل كذب في قضية الحادثة، في خمس فرص مختلفة. يعتقد اللواء "احتياط" ايال بن – رؤوفين الذي كان في الماضي قائد طابور في الشمال، ان رئيس الاركان لا يستطيع التسامح مع اخفاق قيمي. "عندما يخطىء القائد مهنيا، حتى لو قتل معه جنود واضطر الى الاعتزال، فانه يمكن بعد ذلك ان توزن عودته للقيادة اذا تم تحقيق الدروس وليست هذه هي الحال. نقول في فضل عماد انه بقرار الاستقالة جعل للجيش الاسرائيلي سقفا عاليا جدا لم يقمه تشيكو وتشيني قبله".

يوجد في الجيش الاسرائيلي مشكلة متصلة من حيث البلاغات الصادقة، وان لم يكن رئيس الاركان يحب كثيرا ان يسمع عن ذلك. فالتغطية على الحقائق، والمرخ، والتقارير الجزئية المرفوعة الى أعلى، شعر بها ولا سيما في المناطق طوال اثنتين وعشرين سنة وانتفاضتين. فالجيش غطى على الحقائق المرفوعة للمستوى السياسي اكثر من مرة. والحادثة البارزة تتصل باللقاء المصيري بين رئيس الحكومة ايهود اولمرت، ووزير الدفاع عمير بيرتس ونادي هيئة القيادة العامة في 11 تموز 2006، مساء حرب لبنان.

حذر اللواءان اسحق هرئيل وايشاي بار زوجي القادة الجديدين وزعما أن الجيش الذي لا يتدرب يشبه صكا بلا تغطية. لكن رئيس الاركان حلوتس وعد بان "المهمات ستنفذ تنفيذا ممتازا"، وسلم قائد ذراع البر، بيني غينتس المسؤول عن مبنى القوة تقريرا متفائلا على نحو عجيب عن  أهلية الوحدات واستعدادها. وسمع اولمرت وميرتس القليلا الخبرة بالشؤون العسكرية، وخرجا من الغد للمعركة. أهذا بلاغ كاذب؟ لا. انه مجرد بلاغ داحض لا صلة له بالواقع.

في نهاية ايلول سيحل اللواء غينتس محل دان هرئيل في مكتب نائب رئيس هيئة الاركان. اعد لغينتس في الموقف تحت الارض من مبنى هيئة الاركان العامة موقف استراتيجي قرب المخرج. في هذه الاثناء ما زال اشكنازي يكون هيئة قيادته العامة، خرقة فوق خرقة. احبط قائد المنطقة الجنوبية، يوآف جلانت جهود رئيس الاركان للتخلص منه وأعلن انه سيبقى سنة اخرى في الجنوب. ان استطالة ولاية جلانت وايزنكوت ضاءلت حرية مناورة اشكنازي، الذي قرر أن يرسل اللواء آفي مزراحي، وهو ضابط مدرعات ذو تجربة ضئيلة لمحاربة الارهاب او في منطقة الضفة الغربية، الى قيادة المركز. سيعين العميد سامي ترجمان قائدا لذراع البر بعد لحظة من رفض جلانت ان يلي هناك، في ولايته الثالثة كجنرال. المبدأ المعلن وهو تطوير مكانة الذراع بتعيين لواء قديم رفيع المستوى، تمت التضحية به من أجل الضرورة.

ما زال اشكنازي كما يرى ضباط كبار لم ينتعش من الحيلة التي أجازها عليه وزير الدفاع ايهود باراك، عندما فرض عليه تعيين غينتس نائبا لرئيس الاركان. العلاقات بين الوزير ورئيس الاركان لم تصح فضلا عن ان الاختلافي في المدة الاخيرة تجدد حول معارضة اشكنازي تعيين مستشار باراك العسكري، العميد ايتان دانجوت منسقا للعمليات في المناطق برتبة لواء.

تناول رئيس الاركان في خطبة في مراسم تخريج لمعهد القيادة ومقر القيادة اول من امس مساء، تناول لاول مرة علنا سلسلة المفاسد والفضائح. "لا يوجد بي شيء من التسامح مع ذلك"، قال عن طقوس الفساد ووعد "بفحص البيت" من أجل "ان يقتلع السلوك المرفوض المخالف، بواسطة فرض القانون والعقوبة اذا احتاج الامر". وقد سوغ استقالة فارس وبين انه يجب على ضباط الجيش الاسرائيلي ان يكونوا "مثالا يحتذى للمرؤوسين وللمجتمع الاسرائيلي". ما يزال اشكنازي بعد توليه منصبه ثلاث سنين يحرم على نفسه اللقاءات الصحفية. ان تصريحاته المعلنة يقرأها دائما مخطوطة.

بنصيحة من متحدث الجيش الاسرائيلي العميد آفي بنياهو، تمسك رئيس الاركان بالنظرية القديمة التي اعطاها رؤوفين هدلر لاريئيل شارون وفحواها انه لم يندم احد الى الان على مقابلة صحفية لم يمنحها. في صمت رئيس الاركان المتصل خلل ما لان الجمهور يستحق كشف حساب أوسع واشمل من قائد الجيش الاسرائيلي. كان يمكن مثلا ان نتوقع تناولا من اشكنازي اكثر مباشرة لصفقة جلعاد شليت بدل ان يكتفي بالتسريب القائل ان لرئيس هيئة الاركان التزاما أعلى لكل جنود الجيش الاسرائيلي.

ان من لا يصمتان لحظة هما متحدثا الجيش الاسرائيلي سابقا عضو الكنيست الجديدان ميري ريغف (الليكود) ونحمان شاي (كديما). فلا يكاد يمر يوم من غير أن يصدر هذان الزوجان كل واحد على حده بلاغات للصحف فيها تنديد شديد بسلوك الجيش. يصعب التحرر من انطباع ان شخصا ما ههنا يحاول النجاح على حساب الجيش الاسرائيلي. يشتمل عمل الحديث على عنصر ملحوظ من الطمس والتضليل والعدول بالنقاش الى الافاق المريحة للزبون. هذا جزء من العمل: فعن هذا يدفعون للمتحدثين ومستشاري الاعلام. لا يمكن أن تصبح في ليلة واحدة معارضا يحارب بقوة من أجل اصلاح مفاسد الجيش.

انشر عبر