شريط الأخبار

آثار استخدام أسطول إسرائيل لقناة السويس ..طلعت مسلم

07:58 - 10 كانون أول / أغسطس 2009


ـ الجزيرة نت 10/8/2009

ثارت أقاويل كثيرة بعد عبور سفن عسكرية إسرائيلية قناة السويس خلال شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز عام 2009، حيث عبرت غواصة إسرائيلية من طراز دولفين قناة السويس، وبعدها بعشرة أيام عبرت قرويطتان من طراز "سعر 5" (هما القرويطتان حانيت وإيلات) القناة، وقيل إنه كانت معهما أربع قطع أخرى في طريقها إلى البحر الأحمر، وتردد أنها اشتركت في مناورة قبالة ميناء إيلات.

وقد اشتملت التقارير والتعليقات على أن الأسطول الإسرائيلي قد عاد بعد فترة طويلة إلى الإبحار عبر قناة السويس، وأن قرار السماح لسفن الأسطول بالإبحار عبر القناة قد اتخذ حديثا، وأنه شكل تغيرا واضحا في السياسة حيث إن قائد الأسطول السابق كان قد قرر إيقاف إرسال سفن الأسطول عبر قناة السويس نتيجة لتصاعد التهديدات في المنطقة، بينما شرح أحد كبار ضباط إسرائيل بأن سفن الأسطول أبحرت في القناة في أحوال متعددة حديثا.

كذلك فقد تردد أن مصر تساعد إسرائيل في جميع المجالات بما فيها المساعدة العسكرية، وأن السماح بعبور سفن الأسطول للقناة دليل على ذلك. كذلك فقد تردد أن عبور سفن الأسطول الإسرائيلي للقناة مثل رسالة إلى إيران وأنها تشكل استعراضا للعلاقات القوية بين مصر وإسرائيل.

إسرائيل وقناة السويس قبل معاهدة السلام

واجهت إسرائيل بمجرد إعلان قيامها رفضا مصريا لعبور أي من سفنها لقناة السويس، وانطبق ذلك على كل السفن الإسرائيلية وفي مقدمتها السفن العسكرية طبعا، بل وكانت السفن غير الإسرائيلية التي تعبر القناة ويشتبه في حملها بضائع إلى إسرائيل أو منها تتعرض للتفتيش ومصادرة ما هو متجه من وإلى إسرائيل وبغض النظر عن نوعه باعتبار أن مصر كانت في حالة حرب مع إسرائيل.

وكانت حرية عبور السفن الإسرائيلية في قناة السويس محل جدل شديد منذ توقيع الهدنة المصرية الإسرائيلية في (ربيع الآخر 1368هـ، فبراير/شباط 1949م) وبحث مجلس الأمن هذا النزاع، إذ كانت إسرائيل تحتج بأن منع مصر سفنها من المرور في القناة يعد انتهاكا للقانون الدولي والهدنة بين الجانبين واتفاقية قناة السويس الموقعة (1306هـ، 1888م).

أما مصر فكانت تدفع هذه الحجج بأن الهدنة لم تتحول بعد إلى اتفاق سلام، وأن التدخل المصري في شؤون الملاحة في القناة ضروري لسلامتها. ورغم هذه المناقشات استمر الحظر المصري للسفن الإسرائيلية، وحدثت أزمة عندما حاولت السفينة الإسرائيلية (بات جاليم) اختبار النوايا المصرية بعبور القناة، فاحتجزتها السلطات المصرية، ثم ضمتها مصر بعد ذلك إلى بحريتها.

أدى احتلال إسرائيل لشبه جزيرة سيناء عام 1967 إلى قدرة إسرائيل على استخدام مضايق تيران في خليج العقبة، ولكنه أدى إلى إغلاق قناة السويس في وجه الملاحة البحرية، وظلت القناة مغلقة أمام السفن الإسرائيلية حتى بعد افتتاحها للملاحة مرة أخرى لحين توقيع معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل.

استخدام إسرائيل للقناة بعد المعاهدة

كانت إسرائيل حريصة في المفاوضات مع مصر من خلال الرئيس الراحل أنور السادات على تضمين المعاهدة نصا على تمتع السفن الإسرائيلية بحق المرور في قناة السويس والممرات المائية في خليج العقبة، وهو ما نصت عليه معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل على النحو التالي: تتمتع السفن الإسرائيلية والشحنات المتجهة من إسرائيل وإليها بحق المرور الحر في قناة السويس ومداخلها في كل من خليج السويس والبحر الأبيض المتوسط وفقا لأحكام اتفاقية القسطنطينية لعام 1888 المنطبقة على جميع الدول كما يعامل رعايا إسرائيل وسفنها وشحناتها وكذلك الأشخاص والسفن والشحنات المتجهة من إسرائيل وإليها معاملة لا تتسم بالتمييز في كافة الشؤون المتعلقة باستخدام القناة.

ويعتبر الطرفان أن مضيق تيران وخليج العقبة من الممرات المائية الدولية المفتوحة لكافة الدول دون عائق أو إيقاف لحرية الملاحة أو العبور الجوي، كما يحترم الطرفان حق كل منهما في الملاحة والعبور الجوي من أجل الوصول إلى أراضيه عبر مضيق تيران وخليج العقبة.

وقد حرصت إسرائيل على استغلال هذا النص حتى قبل إتمام الانسحاب الإسرائيلي من سيناء حيث دفعت في نهاية مايو/أيار 1979 وبعد استلام مصر العريش بناقلات جنود إسرائيلية من قاعدة إيلات البحرية في البحر الأحمر لتعبر قناة السويس من الجنوب إلى البحر المتوسط.

وقد استمر استخدام إسرائيل للقناة بواسطة سفنها التجارية والحربية منذ ذلك الحين، وإذا كان الأسطول الإسرائيلي قد امتنع عن استخدام القناة لفترة ما فقد كان ذلك بقرار منه لم يخطر به السلطات المصرية ولا هيئة قناة السويس، وليس نتيجة لعدم تعاون السلطات المصرية. وهنا فإن السفن الإسرائيلية سواء المدنية أو العسكرية أصبحت تخضع للنظم العامة التي تطبقها "هيئة قناة السويس" على السفن المشابهة.

وتقع أهمية قناة السويس للأسطول الإسرائيلي أساسا في أنها الطريق الرئيسي والسريع لتحرك سفنه ما بين البحر المتوسط والبحر الأحمر وبين قاعدتيه في كل من حيفا على البحر المتوسط وإيلات على خليج العقبة، كما أنها تؤمن وصول هذا الأسطول إلى خليج عمان بدون إعادة تزود بالوقود، حيث ستحتاج الغواصة دولفين ذات مدى العمل حوالي 4500 ميل بحري عند الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح إلى التوقف مرتين على الأقل لإعادة التزود بالوقود في ميناء صديق، أو في عرض البحر.

كما أن القناة هي الطريق الأقصر لوصول الأسطول الإسرائيلي إلى مناطق شرق أفريقيا وجنوب آسيا في المحيط الهندي. وتشكل القناة وسيلة هامة ورئيسية لمناورة الأسطول الإسرائيلي من قواعده الرئيسية في البحر المتوسط، إلى البحر الأحمر وخاصة في الحالات الطارئة سواء في مياه البحر الأحمر أو خليج عدن أو المحيط الهندي في مناطق شرق أفريقيا وجنوب آسيا.

وتظهر أهمية المناورة أحيانا حينما لا يكون الأسطول الإسرائيلي قادرا على إصابة أهداف بعينها من مواقعه في البحر المتوسط بينما يمكنه تحقيق ذلك بالمناورة ببعض قطعه وخاصة غواصاته إلى البحر المتوسط.

ونظرا لقلة المعلومات عن عبور الأسطول الإسرائيلي لقناة السويس فالمعلوم أن تحركاته غلب عليها طابع المناورة بين قاعدتي إيلات وحيفا وبالعكس، في حين يمكن القول بأن اعتراض واختطاف الباخرة "كارين" التي قيل بأنها كانت تحمل أسلحة إلى الفلسطينيين كان من الحالات القليلة التي ظهر فيها استخدام إسرائيل لقناة السويس لتحقيق مهام ذات طبيعة عسكرية، كما برز ذلك حين قامت غواصات إسرائيلية بإجراء رماية في المحيط الهندي بالقرب من باكستان.

الآثار الإستراتيجية على دول المنطقة

يؤدي استخدام إسرائيل لقناة السويس إلى أن تصبح إسرائيل قادرة في فترة زمنية قصيرة على تهديد دول كانت تتصور أنها بعيدة عن مدى أسلحتها البحرية، أو تصبح قادرة على توجيه ضربات أشد كثافة مما لو لم تكن قادرة على عبور قناة السويس، حيث يحتاج الأمر زمنا طويلا نسبيا.

وتعتبر دول غرب أفريقيا وجنوب شرق آسيا أشد الدول تأثرا بهذه النتيجة إلا أن احتمال تعرضها لذلك محدود لعدم وجود نزاعات مسلحة بينها وبين إسرائيل في الوقت الحاضر على الأقل. أما بالنسبة لدول المنطقة العربية اعتبارا من غرب إيران في الشرق إلى المغرب غربا فإن تأثرها محدود نتيجة لوقوعها فعلا في مدى أسلحة البحرية الإسرائيلية وخاصة الصاروخ "أريحا 2" دون حاجة إلى عبور قناة السويس، ولكن عبور أسطول إسرائيل قناة السويس وخاصة الغواصة دولفين، التي تشير تقارير غربية إلى أنها تستطيع إطلاق صواريخ كروز ذات رؤوس نووية يمكنها من تكثيف نيرانها على إيران، وخاصة شرق ووسط إيران، وباكستان بإضافة قدرات الأسطول الإسرائيلي وخاصة الصواريخ ذات الرؤوس النووية.

كيف تواجه الدول استخدام إسرائيل للقناة

يتضح مما سبق أن استخدام الأسطول الإسرائيلي للقناة يضيف تهديدات إلى دول بينها وبين إسرائيل صراع مسلح قد تكون إيران أهمها، مما يفترض أن تدعو هذه الدول لاتخاذ إجراءات مضادة لمنع أو تقليل الآثار السلبية لذلك، وكان من المفروض أن تتخذ هذه الإجراءات منذ بدأت إسرائيل في استخدام قناة السويس، وتشتمل هذه الإجراءات أولا على رصد استخدام إسرائيل للقناة والإعداد لاتخاذ خطوات هجومية تسبق استخدامها لأسلحتها، وأخرى لمهاجمة أسطول إسرائيل بعد قيامه بأعمال عدائية ضد إحدى هذه الدول. ويعتبر الإجراء الأساسي هو التعاون بين هذه الدول أو بعضها على الأقل لتنفيذ ذلك.

من المهم عند بحث الإجراءات التي يمكن لكل من الدول العربية والأفريقية وإيران والدول الآسيوية اتخاذها لمواجهة نتائج استخدام الأسطول الإسرائيلي لقناة السويس أن نتذكر أن قناة السويس أصبحت مفتوحة أمام الملاحة الإسرائيلية منذ عام 1979 فقط، بينما كانت وما تزال وستظل مفتوحة أمام باقي الدول منذ افتتحت، وأن ما يمكن لإسرائيل فعله من عبور القناة يمكن للدول الأخرى القيام بمثله إذا امتلكت الإرادة على فعل ذلك، وأنه يمكن اعتراض سفن الأسطول الإسرائيلي أثناء وجوده في البحر الأحمر، كما يمكن مهاجمته في قواعده في البحر المتوسط بوسائل دول البحر الأحمر بالإضافة إلى دول البحر المتوسط، وأن التعرض للسفن الإسرائيلية لا يقتصر على منعها من العدوان، بل والاستعداد للتعرض لها بعد قيامها بالعدوان، وهو ما يمكن أن يشكل رادعا للعدوان الإسرائيلي.

يتضح مما سبق أن بعض ما شاع مؤخرا حول عبور أسطول العدو لقناة السويس شابه الكثير من المبالغة حيث لا جديد في الأمر، وأن إسرائيل تستخدم القناة منذ أكثر من ثلاثين عاما، كما أنه لا تعاون جديد بين مصر وإسرائيل في هذا المجال، وبالرغم من أنه كان المأمول ألا تتعاون السلطات المصرية مع العدو الإسرائيلي على وجه الإطلاق، فإن الطريق مفتوح للتعاون العربي ومع إيران لمواجهة مخاطر ذلك.

أما ما تردد عن رسائل لإيران ولمؤتمر قمة عدم الانحياز، فلا نظن أن الرسائل الإسرائيلية تحتاج للأسطول الإسرائيلي لتصل من خلاله، فهي تصل يوميا بوسائل الإعلام المختلفة، وأحيانا عبر مجلس الأمن.

أما عما جاء بأن إسرائيل قد قوت من علاقاتها مع الدول العربية التي تخشى هي أيضا من إيران نووية وخاصة مصر، ففيه مبالغة شديدة رغم علاقاتٍ ما قامت بين دول عربية وإسرائيل، خاصة وأن الدول العربية قد عبرت أكثر من مرة عن معارضتها لحرب ضد إيران، وعن خشيتها من النتائج المحتملة لذلك، لكن من الواضح أيضا أن هذه الدول لم تستعد لتقاوم مثل هذا الاتجاه.

 

انشر عبر