شريط الأخبار

متحف "قصر الباشا" في غزة .. يعود بزائريه إلى التاريخ الفلسطيني القديم

03:33 - 07 تموز / أغسطس 2009

                 

 

معايشة عصور غابرة .. وصولاً إلى مقتنيات الشهداء

قاعات وآثار.. تخلِّد ذكرى الأجداد والشهداء على حد سواء

مقتنيات موغلة في القدم تنعش ذاكرة الجيل الفلسطيني الجديد

متحف "قصر الباشا" في غزة .. يعود بزائريه إلى التاريخ الفلسطيني القديم

فلسطين اليوم- قدس برس-  رزق الغرابلي

من تطأ قدماه أول قاعة من قاعاته، فذلك يعني البدء بالتحليق في علياء الشهداء. صناديق واسعة من الزجاج، في جوف كل صندوق ورقة صغيرة موشحة باسم شهيد فلسطيني، وبعض المقتنيات التي ضُبطت له بعد استشهاده.

 

العديد من أسماء الشهداء البارزين رصعت في مقدمة المتحف، ويمكن للزائر أن يستطلع بعضاً مما خلفوه؛ من بزات عسكرية، وأحذية عسكرية، أجزاء من مصاحف شريفة، مناظير ليلية، قمصان، مسابح، كوفيات، وغيره من أغراض الشهداء ومتعلقاتهم.

 

هذه القاعة المشهودة، موجودة حتماً داخل متحف في مدينة غزة؛ المدينة التي واجهت حرباً إسرائيلية شرسة، لم تشهد مثلها منذ عام 1967، وبالتحديد في صدر "متحف قصر الباشا"، القصر التاريخي الأثري الذي يخلد ذكريات آباء فلسطين وأجدادها وشهدائها.

 

وقد استطلع مراسل "قدس برس" القصر الذي يُعدّ من أهم مباني العمارة الإسلامية في غزة، لما يحتويه من أساليب بناء وفنون وزخارف ونقوش، بالإضافة إلى كونه سجلاً حياً لجميع الأطوار التي مرّ عليها فن العمارة الإسلامية خاصة في فلسطين.

 

وباستطلاع المتحف الذي يرقد في بطن القصر، يمكن اللقاء بأمين المتحف، ليرشد الزائر للتعرف على محتواه.

 

"هذه القاعة، قاعة آثار ومقتنيات الشهداء، تخدم قضيتنا المقدسة التي جبلت بدماء هؤلاء الشهداء والقادة، وسترسل برسالة إلى كل العالم أننا نفخر بهؤلاء الرجال الذين ضحوا بكل ما يملكون من أجل عزتنا وكرامتنا".

 

بهذه الكلمات بدأت نبيلة مليحة، المتخصصة في شؤون الآثار وأمين متاحف ومخازن أثرية في وزارة السياحة والآثار بغزة، حديثها لـ"قدس برس"، موضحة أنّ "الصناديق الزجاجية في القاعة تحتوي على مقتنيات لشخصيات سياسية وجهادية لامعة، وشهداء ممن تركوا بصمة في الواقع الفلسطيني".

 

ويُعدّ قصر آل رضوان أو "قصر الباشا"، مملوكي الطراز، النموذج الوحيد المتبقي للقصور في غزة، حيث يقع في حي الدرج بالطرف الشرقي من البلدة القديمة لمدينة غزة. ويُعدّ هذا الحي من أغنى أحياء بلدة غزة القديمة بالمباني التاريخية، التي تُبرز في مجملها العراقة والحضارة والرقي الذي عاشته المدينة في الأزمنة السابقة، حيث كانت بوابة الشام إلى مصر، وبوابة مصر إلى الشام، ومعبر القوافل من جزيرة العرب.

 

وقد أُطلقت على هذا القصر عدة تسميات، منها قصر "آل رضوان"، نسبة لآل رضوان الذين امتلكوه. كما سُمي " دار السعادة"، و"الدار العظيمة"، و"قصر الباشا". وعند نهاية الحكم العثماني أطلق عليه "الدبوية"، لاتخاذهم إياه مركزاً للحكم. كما درج بين الناس تسميته بقلعة نابليون، لأنّ الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت أقام فيه ثلاث ليالٍ عندما كان عائداً من حملته على بلاد الشام إلى مصر في عام 1799. أما في زمن الانتداب البريطاني (1917 ـ 1948) فقد استخدم مركزا للشرطة فأُطلق عليه "السرايا".

 

ومع بداية النصف الثاني من القرن العشرين فتحوّل المبنى العريق إلى إدارة لمدرسة الزهراء الثانوية مدة من الزمن. وفي الآونة الأخيرة، آل إلى وزارة السياحة والآثار بالحكومة الفلسطينية، باعتباره معلماً أثرياً تجب المحافظة عليه. وهكذا أعادت الحكومة الحادية عشرة برئاسة إسماعيل هنية ترميمه، ووظفته كمتحف أثري.

 

ولدى الخروج من قاعة الشهداء، يصعد المرء درجتين، وإذا به داخل القسم التراثي الذي يخلد تراث الأجداد. ويتزين هذا القسم بأدوات بسيطة كانوا يستخدمونها؛ هودج، بكرج، هون صينية، مطراز. كما يشتمل القسم على زاوية لبعض الأزياء الرسمية للقرى الفلسطينية المهجرة سنة النكبة (1948). وتعتبر مليحة ذلك "رسالة لإحياء قرانا المهجّرة في قلوب أبنائنا، الذين بدؤوا ينسون ماضيهم التليد".

 

وتنتشر في أنحاء هذه القاعة أدوات حديدية؛ مثل منشار يدوي، ومثقاب يدوي، وآلة الغزل، وأدوات نحاسية، وأدوات طهي، منها أدوات لتقديم القهوة، علاوة على مقصات يدوية، وأدوات حدادة مختلفة الأشكال والأنواع، فضلاً عن أداة لخضّ اللبن.

 

وعلى جانب مقابل؛ تختطف الأنظار الزخارف المقلّدة على غرار ما اندثر من القديم. إنها زخارف إسلامية غير أصلية، نباتية وهندسية وخزفية، ترافقها طاحونة الحبوب، وطرز أثرية مقلدة عن الأصل، ومجموعات أثرية تعود للعصر العثماني.

 

وتشير مليحة إلى أنّ هذه القاعة تشتمل على بعض الزخارف والطرز المقلدة، في محاولة لتوصيل صورة ما اندثر من القديم، "فليس كل ما هو معروف من تراثنا موجود"، وفق توضيحها.

 

يندهش المتجول داخل جنبات القصر وفي أرجاء المتحف، وهو يعود بذاكرته إلى عصور قديمة. ومع ذلك؛ لا توجد لوحة تأسيسية لهذا المبنى تحدِّد متى تم بناؤه. ويقال إنّ تشييد هذا القصر يعود للعصر المملوكي، بسبب وجود رنك بيبرس "الأسد" على البناء، وقد يكون سبب وجود الرنك استخدام الحجارة من بناء قديم، كما جرت العادة في بناء المباني في هذه العصور.

 

وتعكف وزارة السياحة والآثار في حكومة غزة على المحافظة على المتحف، وإعادة ترتيبه بما ينسجم مع طبيعة الحياة التي يمرّ بها الفلسطينيون، ومحاولة توظيف القصر التاريخي في إنشاء هذا المتحف بداخله والاستفادة من خصائص المكان في إيجاد مخزن أثري كامل، وفق مليحة، التي أشارت إلى أنّ المتحف سيعمل مستقبلاً على شراء قطع تراثية موجودة بين أيدي الناس، والاستفادة منها في المتحف، مع الاحتفاظ بأسماء وألقاب أصحابها في إطار الترتيب العام للمتحف.

 

ويمثل هذا القصر الغزي في تصميمه ومحتواه المعماري فلسفة العمارة الإسلامية وطابعها، حيث يتكون من مبنيين منفصلين شكلاً، وبينهما ساحة وسطية، بالإضافة إلى الساحة الأمامية للمبنى القديم الذي يتكون من طابقين.

 

أما العناصر المعمارية المميزة للقصر فهي الزخرفة الهندسية التي تزين الواجهات وأعتاب المداخل بأشكال مختلفة؛ كالأطباق النجمية، والعقود المدببة التي تحدد إطار المداخل والتي استخدم فيها الأحجار الجيرية والرخامية.

 

ويقع المدخل الرئيس للقصر في الواجهة الجنوبية للمبنى الشمالي، وهي من أجمل الواجهات بناء وزخرفة، حيث يزيِّنها حجر مستطيل مزخرف بزخارف هندسية جميلة داخل إطار حجري، وعلى الجانبين صورتا أسدين كل منها على شكل بسملة.

 

أما الطابق الثاني للمبنيين فيمكن الوصول إليهما عبر درج خارجي خاص بكل مبنى. ووفق المتخصصة مليحة؛ فقد دلّت الدراسات التي أجريت في القصر على أنّ المبنى الجنوبي يوجد أسفله دور أرضي اندثر مع الزمن وغُطي، وهو يحتاج إلى إعادة ترميم ومزيد من عمليات التنقيب.

 

بالعودة إلى المتحف، يخرج المتجوِّل من القسم التراثي، ويصعد درجات ثلاثة، وإذا ب في قاعة الأواني والفخار والقوارير والأسرجة التي تعود للعصور القديمة المختلفة. إنها أوانٍ فخارية تعود للعصر البرونزي، وإبريق يعود لأواخر العصر البرونزي وأوائل العصر الحديدي، وأوانٍ فخارية أخرى تعود للعصر الحديدي، ومثلها ما يعود للعصر اليوناني، فضلاً عن أسرجة من الفخار تعود للعصر اليوناني.

 

وتتميّز آثار العصر اليوناني، كما تشرح مليحة، بالدقة والجمال، وهي أجمل من الآثار الرومانية، إذ يغلب على آثار العصر الروماني الطابع العسكري، كما أن الأثر المطلي بالأسود يشكل سمة معروفة للعصر اليوناني.

 

وبخطوات أخرى داخل هذه القاعة؛ تقع العين على قوارير من الفخار متعددة الأحجام والأنواع والاستخدام تعود للعصر الروماني، وأوانٍ فخارية رومانية عليه نقوش آدمية وزخرفية، وبقايا تماثيل فخارية تعود للعصر الروماني، إضافة إلى أسرجة يُظهِر تطوّرها، وأكواب حليب، وأوان فخارية بيزنطية مختلفة الأحجام حسب الاستخدام.

 

شمال أفريقيا حاضرة بوضوح داخل المتحف، حيث الجرات الكبيرة المستوردة من هناك، والتي كانت تُستعمل لتصدير الزيت والنبيذ. وفي زاوية أخرى يشاهد المرء أحجاراً بيزنطية، وأحجاراً كالهون وغطاء له.

 

وتشير مليحة إلى أنّ القطع الرومانية ليست كلها محلية، إذ منها المستورد من ولايات كانت تخضع للحكم الروماني.

 

وتلفت انتباه الززائر في الصناديق الزجاجية التي ملأت القاعة؛ أوان فخارية للطهي تعود للعهد البيزنطي، وتمتاز أواني هذا العصر بأنها "محززة"، إضافة إلى قنوات مائية لتصريف المياه، وأوانٍ فخارية تعود لنهاية العهد البيزنطي، وكانت تستعمل لحفظ زيت التعميد، وأسرجة بيزنطية وإسلامية، وغلايين فخارية ذات أشكال وأحجام مختلفة.

 

وتخرج من هذه القاعة لتطأ قدما الزائر القاعة الأكثر تميّزاً في المتحف، والتي تجسِّد الاهتمام القديم بالزجاج والمعادن والخرز وقطع النقود مختلفة الأشكال والألوان والأنواع.

 

وبخطوات إضافية يتجوّل الزائر داخل القاعة؛ فيرى زجاجاً، ومعادن، وحلياً من العظم ومن العاج، وقطعاً نقدية، وقوارير زجاجية رومانية، وقطعة زجاجية كاملة تعلوها دقة في الجمال والتركيب تجعل الناظر مندهشاً من القدرة على صناعة ذلك في عصور لم تتوفر فيها تقنيات كالتي تعرفها البشرية اليوم، فهي أدوات للعطور، ومرايا رومانية من البرونز، وميزان جميل، وخواتم من البرونز، وأساور، وقلادة، وطاسات، وحتى أدوات صيد، علاوة على ملعقة لتحريك الدواء، ومحامل أسرجة، ومسامير لدق السفن.

 

وفي صندوق آخر، يرى الزائر الخرز الملون والذي تم استخراجه من داخل قبر في كنيسة جباليا، يعود للعصر الروماني، ويبدو بألوان متعددة زاهية، كالبنفسجي والبرتقالي، ونماذج عاجية بيزنطية، وأزرار، وقطع نرد، وأسورة، أجزاء من تماثيل من العاج منحوت عليها نحت آدمي وهندسي، وخرز ملوّن من العاج للحلي وللملابس.

 

وفي صندوق زجاجي ثمين داخل القاعة المميزة؛ تقع العيون على قرطين من الذهب الخالص يعودان للعصر البيزنطي، ومشابك شعر بيزنطية من العاج، وقطع نقود "نوميات" تعود للفترة الرومانية. وتدلّ كل قطعة أثرية على التاريخ والحياة الاقتصادية والسياسية في تلك الحقبة، وتشكل قراءة للتاريخ من خلال النقود.

 

يرى المرء في القاعة ذاتها كذلك نقوداً تعود لفترات إسلامية متعددة، يستطيع الدارس أن يميِّزها لأي عصر تكون من بدايته إلى نهايته. وهناك قطع تعود للعصر العثماني يميزها خط الطغراء المميز، والذي كان يشكل بصمة للخلفاء العثمانيين في آخر حكمهم.

 

يخرج المرء من المتحف مختتماً جولته عبر العصور، ليتفقد الساحات الخارجية. تتحدث مليحة لـ"قدس برس"، عن جهود جبارة لتطوير المتحف، وعن العناية الفائقة به، وذكرت أنّ وزارة السياحة والآثار الفلسطينية بغزة توليه اهتماماً خاصاً.

 

ويعكف القائمون على المتحف على إكمال ما يحتاجه، وتأمل مليحة أن يتم افتتاحه في أقرب فرصة، ليكون الجمهور الفلسطيني قادراً على العودة من خلاله إلى التاريخ والعصور الغابرة.

 

انشر عبر