خبر « حماس » في غزة: « طالبان » أم أردوغان / د.خالد الحروب

الساعة 09:08 ص|07 أغسطس 2009

في طول وعرض العالم الإسلامي تتعثر مشاريع الحركات الإسلامية وتفشل في تقديم نماذج جديدة يمكن أن تتجاوز جوهرياً ما تقدمه الأحزاب والحكومات التي تعارضها. في ما عدا تجربة الإسلاميين الأتراك، وتجربة بعض الأحزاب الأندونيسية والماليزية غير الرئيسية، فإن بقية التجارب تكلست في القدرة على مواجهة واقع بعيد الصلة بالرؤية الأيديولوجية الطوباوية المُنادى بها في أدبيات تلك الحركات. ليست الحركات الإسلامية استثناء في هذا السياق، إذ ان ما تتعرض له وتواجهه سبق وتعرضت له وواجهته كل الحركات الأيديولوجية. فالتحدي الأزلي لكل فلسفة سياسية وفكرية ونظرية يتمثل في علاقتها مع الواقع ونجاحها أو فشلها في تجسيد ما تقول به، وعلاقة الحركة الأيديولوجية بالواقع تظل محط دراسة وبحث وتأمل لا ينتهي، وهي إما أن تكون علاقة تصادم مباشر، أو علاقة تفاوض مستمر تفضي إلى إعادة تفسير وصياغة للمنطلقات الأيديولوجية نفسها بما يخدم التعامل مع الواقع نفسه. في غالب الحالات لا تنجح الحركات الأيديولوجية في صياغة علاقة تفاوضية إيجابية مع الواقع، لأنها مهجوسة بتغييره جذرياً، وهذا يدفعها إلى التشدد والتطرف، وفي حالات السيطرة على القوة سرعان ما تنتهي إلى بناء أنظمة شمولية (شيوعية، بعثية، إسلامية، وهكذا).

في الأنظمة الشمولية المؤدلجة يكون هم السلطة الحاكمة إنتاج أفراد بحسب القالب الأيديولوجي، منسوخين عن بعضهم وفق المسطرة المُعدة سابقاً. وتنتشر سياسات وأساليب القسر الجمعي المباشر أو غير المباشر من أجل "ضمان" انقياد وخضوع الكل إلى متطلبات أو إكراهات الأيديولوجيا. وفي معظم الحالات التوتاليتارية تتراكم رغبة جارفة عند السلطات الحاكمة إزاء فرض التنميط والتوحيد على الأفراد في الزي والسلوك وطريقة التفكير (من الصين أيام ماو، إلى كوريا الشمالية، إلى إيران وطالبان). تتفاقم هذه الرغبة وتصل مستويات عليا من الفرض والقمع عندما لا تكون هناك إنجازات حقيقية يمكن أن تعتمد عليها السلطة، أو الحزب، أو الدولة. في غياب رأس المال السياسي المرتفع المبني على نجاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، تعمل السلطة على التعويض عن ذلك عبر فرض نظم قسرية بالقانون. لذلك فإن "الهندسة الاجتماعية" التي تقوم بها النظم الشمولية تعبر عن غياب النجاحات ولا يمكن اعتبارها نتيجة لنجاحات. وفي حال وجود نجاحات واضحة لأي نظام شمولي فإنه يكون نجاحاً مؤقتاً سرعان ما يتهاوى إذا ما تزعزع النظام.

وحتى لا يتم الغرق كثيرا في التنظير التجريدي ولأن الحديث هنا يدور حول تجربة الإسلاميين، فإنه من المفيد التأمل في مقارنة التجربة الاجتماعية للإسلاميين الأتراك، مع تجربة الإسلاميين السودانيين، أو الفلسطينيين في غزة والتي سنأتي على التفصيل فيها. في تركيا تراكم رأسمال سياسي ونجاحات للإسلاميين هناك وفرت لهم الثقة بتجاوز مماحكات الهندسة الاجتماعية وفرض مسلكيات دينية على الشعب. في السودان وغزة، وإيران قبلهما وطالبان بموازاتهما، هناك تنويعات من حصاد التجارب يدور معظمها في نطاق الفشل خاصة على صعيد النموذج الاجتماعي المطروح، وتحديداً لجهة فرض "الأسلمة" بالقانون ــ وآخر الشواهد السودانية بالغة السوء محاكمة الصحافية لبنى حسين لأنها ترتدي البنطلون.

فلسطينيا، يحدث في قطاع غزة استنساخ سيئ للتجارب الشمولية في الهندسة الاجتماعية، عن طريق الأسلمة الفوقية وباستخدام السياسات الحكومية، مباشرة أو بشكل غير مباشر. وعملياً وبعيدا عن الصراع السياسي بين "فتح" و"حماس" والاعتقالات المتبادلة، والانقسام الجغرافي والديموغرافي الذي يجر المشروع الوطني الفلسطيني إلى مجاهيل عدمية، فإن ما يحدث من "هندسة اجتماعية" قسرية في القطاع هو تحول بالغ الخطورة على المستوى الاجتماعي والثقافي في قطاع غزة تحديداً. الأمثلة خلال السنوات الثلاث المنقضية عديدة، لكنها في الأسابيع القليلة الماضية تفاقمت وإزدادت بروزاً وتحدياً. أحدث الأمثلة قرار القضاء في غزة بفرض الحجاب على المحاميات، والحملة ضد مدارس وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين لأنها مختلطة (وهي كانت ولا تزال كذلك منذ تأسست الوكالة سنة 1950). ويتحدث البعض أيضاً عن فرض الحجاب بشكل مباشر أو غير مباشر على طالبات المدارس الحكومية. وكانت هناك قبل عدة أسابيع حادثة مساءلة الصحافية أسماء الغول لكونها تواجدت مع مجموعة من زملائها وزميلاتها على البحر و"الضحك بصوت عال"، وسؤالها عن "محرم" وسوى ذلك. كما نشرت وسائل الإعلام صوراً لأفراد من "شرطة الآداب" يتجولون على الشواطئ في القطاع على خيول ليراقبوا سلوكيات الناس ويمنعوا "الرذيلة". بمعنى آخر فإن ما تحاول السعودية أن تتخلص منه وتشعر بحرج عالمي جراءه وهو نظام "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" يتم استقدامه إلى قطاع غزة بوعي أو دونه.

"الهندسة الاجتماعية الإسلاموية" في قطاع غزة مرفوضة من ناحية أخلاقية ووطنية وإنسانية ولا تعبر عن أي فهم ديموقراطي للاجتماع السياسي الحديث، وهي نكوص إلى ما قبل الدولة الحديثة وتوافقاتها. لا يحق لأية دولة أو نظام أو سلطة تدعي الانتساب إلى النظم الديمقراطية، أو التعددية، أو الانفتاح، وترحب بإجراء الانتخابات، أن تفرض على الشعب أية مسلكيات أخلاقية تتحكم في الحريات الفردية للناس. هناك أعراف وتقاليد يتم مراعاتها بشكل عفوي من قبل الجميع ولا تحتاج إلى تفلسف إضافي، وغالباً ما تأخذها الدساتير والقوانين بعين الاعتبار كي تحدد فضاء الحريات الفردية وحدودها ضامنة عدم تعديها على حريات الآخرين. ولا يمكن هنا لأي مُجادل أن يزعم أن قطاع غزة يموج بالإباحية والتعدي على الحريات العامة ما يستدعي تدخلاً حكومياً للحد من ذلك. المجتمع الفلسطيني بعمومه مُحافظ وانفتاحه، خاصة في الوقت الحالي، نسبي وليس مُطلق، ومن الغريب أن تتزايد الدعوات سواء داخل "حماس" أو حولها لـ "محاربة الرذيلة" بما يوحي للسامع وكأننا نتحدث عن مدن ليل حمراء في أعتى الدول الغربية إباحية وانفتاحاً. والقول إن حكومة "حماس" لا علاقة لها بما يحدث وأن "هيئات المجتمع المدني ــ المُقربة من (حماس)" هي التي تُطالب وكالة الغوث بمنع الاختلاط، أو أن مجلس القضاء الأعلى هو، وليس الحكومة، من يطلب من المحاميات أن يلتزمن بالحجاب، قول مرفوض وأقل ما يُقال فيه أنه استسخاف بعقول الآخرين.

بعض قادة "حماس" يكررون ان تجربة الحركة تنسج على منوال أردوغان وليس طالبان، إعجاباً بالأولى، وابتعادا عن الثانية. لكن هذه المقولة تفقد صدقيتها عند التأمل فيما يحدث عملياً على الأرض في قطاع غزة. الأصوات المعتدلة في "حماس" والتي قد تكون "أردوغانية" التوجه لا تزال ضعيفة التأثير أمام التيار السلفي المتأثر بالوهابية وبالطالبانية من ناحية اجتماعية ويريد أن يطبق في قطاع غزة تفسيراً ونموذجاً للإسلام غريبا عن الحالة الفلسطينية.

لا تنتهي سلسلة الأسئلة التي تطرحها توجهات "حماس" الاجتماعية نحو الأسلمة بالقوة والقانون في قطاع غزة. لكن من المفيد أن نختم بسؤالين تأمليين حول تأثير هذه التوجهات على صدقية كل برامج الحركات الإسلامية الاجتماعية من ناحية الالتزام الديمقراطي والأولويات. ففهم الديمقراطية يقوم على احترام وحماية الأقلية وليس فقط التعبير عن رغبة الغالبية. لهذا فإن الأقليات تكون محمية حقوقها في الديمقراطيات الراسخة. أما عند الإسلاميين فلا يزال هذا الفهم مقصورا، وتُرى الديمقراطية على أنها تطبيق (وفرض) رغبة الغالبية على الأقلية حتى على المستوى الاجتماعي. أما من ناحية الأولويات فإذا كانت كل الظروف والأولويات الضاغطة على قطاع غزة: من الاحتلال، والحصار، والفقر، وإعادة الإعمار، والانقسام، إلى الخيارات السياسية الصعبة، لم تستطع أن تهمش مسألة "فرض الفضيلة" و"فرض الحجاب" فإن هذا يدعونا للشك في أولويات أي حركة إسلامية أخرى لا تواجه ما تواجهه "حماس" من ظروف وضغوط. وتجعل من المشروع السؤال: هل الحركات الإسلامية تُختزل إلى مشروع لفرض المسلكيات الدينية، ومحاربة الحريات الفردية؟.