شريط الأخبار

أخطر ما في خطاب محمود عباس!! ..شاكر الجوهري

01:56 - 06 حزيران / أغسطس 2009

6/8/2009

أخطر ما في خطاب محمود عباس في افتتاح مؤتمر بيت لحم، هو ما لم يرد فيه..!

فالرجل على مدى يزيد عن الساعتين، استعرض خلالهما تاريخ انطلاق الثورة الفلسطينية، لم يشر من قريب أو بعيد إلى حق العودة..!

وهو حين تحدث عن أن اتفاق اوسلو فسح المجال فعلا لعودة 350 ألف فلسطيني مع قيام السلطة الفلسطينية، لم يسند معلومته لأي مصدر، فضلا عن أنه تجاهل الصيغة التي سبق له التوافق عليها مع أرئيل شارون، وتم اعتمادها في إطار جامعة الدول العربية، وتقضي بالتوصل إلى صيغة متوافق عليها لحق العودة بموجب قرار الجمعية العمومية 194.

إسقاط هذه الصيغة من خطاب عباس يعني شيئا واحدا، هو أن تفاهما جديدا تم التوصل إليه من خلال المفاوضات السرية المتواصلة حاليا في تل أبيب واوروبا واميركا، والتي تفيد مصادر المعلومات أنها تتم على قاعدة وثيقة جنيف التي توصل لها ياسر عبد ربه مع وفد إسرائيلي مقابل بتاريخ 1/12/2003.

 ففي تلك الوثيقة غير الملزمة للشعب الفلسطيني، تم التنازل عن حق الشعب الفلسطيني بالعودة إلى ارضه ودياره. وهم ما تم من قبل في تفاهمات عباس ـ بيلين سنة 1995.

وعباس يكرر في جلساته الخاصة منذ وقت طويل أن على الفلسطينيين أن يختاروا بين العودة، والدولة..؟

أما توقيت هذا الإعلان الصامت عن تنازل عباس عن حق العودة، فهو متصل حتما بالمفاوضات السرية، التي يجريها عباس على طريقة مفاوضات اوسلو.

وهو يعلن في خطاب بيت لحم، وبكل وضوح "إن الدولة الفلسطينية أضحت موضع إجماع دولي، إذن أقول لكم بكل الأمانة والصدق، أن قيامها على جميع الأراضي التي احتلت في العام 67 بما فيها القدس الشريف أضحت مسألة وقت".

ولكن، كيف يصبح قيام الدولة الفلسطينية مسألة وقت، في وقت يواصل فيه بنيامين نتنياهو رئيس حكومة اسرائيل رفض وقف الإستيطان، فيما يدعوه عباس في ذات الخطاب لقبول حل الدولتين، وقبل أن يقدم باراك اوباما الرئيس الأميركي بعد، خطته للحل..؟

عباس لا يقدم أي إيضاح بهذا الخصوص، لكنه يجد أنه من المناسب أن يؤكد مجددا رفضه لفكرة المقاومة المسلحة للاحتلال.

وهو يفعل ذلك استنادا إلى إعلان الرئيس الراحل ياسر عرفات نبذه للإرهاب، عبر البيان الذي ادلى به في القاهرة بعد اختتام أعمال مجلس الدولة الفلسطينية الوطني في تشرين ثاني/نوفمبر 1988.. مخرجا إعلان عرفات عن سياقه التاريخي واضعا اياه في سياق لا يمكن له أن يتقبله.

فعرفات، أصدر ذلك الإعلان في سياق وعود أميركية لم يكن قد تبين كذبها بعد، بإقامة دولة فلسطينية في إطار حل. أما وعود اوباما، فإنها لم تبلغ بعد مرحلة الخطة، ومع ذلك، فقد بدأ الرئيس الأميركي يتخلى عنها، ويتراجع حتى عن العناوين العريضة التي تقدم بها للحل، حيث أنه تبنى الموقف الإسرائيلي المطالب بتطبيع علاقات الدول العربية والإسلامية مع إسرائيل تمهيدا لتجميد الإستطيان، وقبل موافقة نتنياهو على حل الدولتين..!

وها هو عباس يبشر مع ذلك، بدولة فلسطينية قريبة، في ذات الوقت الذي يطالب فيه نتنياهو بالقبول بحل الدولتين..!

وبهدف إقناع الرأي العام الفلسطيني والعربي بصوابية موقفه لجهة وقف المقاومة، يقدم عباس رواية لا يؤيدها أحد من مناضلي الشعب الفلسطيني، يقول فيها، وهو الذي التحق بحركة "فتح" أواخر سنة 1964 بعد اتخاذ قرار الانطلاقة المسلحة في الأول من أيلول/سبتمبر من ذلك العام، ناسبا لنفسه الفضل في اتخاذ تفجير الثورة، مساويا بين موقفه وموقف عرفات (الصوتان المرجحان، خلافا لما هو متعارف عليه من أن ترجيح موقف على آخر يحتاج فقط إلى صوت واحد).. واصفا نفسه ومن صوت باتجاه تفجير الثورة بالمجانين، ليخلص من ذلك إلى أنه قد عقل الآن، وراجع نفسه، وقرر التراجع عن قرار المقاومة المجنون..!

الوقائع المعروفة لذلك الاجتماع الذي أدى إلى انقسام اللجنة المركزية للحركة، وخروج عدد من أعضائها على خلفية رفض تفجير الثورة، من بينهم عادل عبد الكريم، أبو عبيدة مسودة، وعبد الله الدنان، وسليم الزعنون.

لكن عباس ينسب شرف قرار الانطلاقة لنفسه، وللزعنون، وكذلك لحليفه الآخر محمد راتب غنيم، الذي كان يعمل سائقا في ذلك الوقت لدى الشيخ محمد أبو سردانة، العضو المؤسس في الحركة..!

أما عباس نفسه فلم يكن قد أصبح عضوا في "فتح"، ولذلك، فهو لم يشارك في مؤتمريها العامين الأولين: الأول والثاني..! وهو أصبح عضوا في اللجنة المركزية للحركة أواخر الستينيات، كما يؤكد ذلك الدكتور عبد الله الدنان..!

ويقدم عباس رواية أخرى تنفيها الوقائع والتواريخ، فالرجل الذي تفرغ في حركة "فتح" أواخر سنة 1969، يقول، دون تحديد زمان وكان، أو حتى صفة "انتظرت أبو عمار حينها، فجاء في سيارة مغطاة بالوحل وباللباس العسكري، قلت له لقد انهزمنا يا أبا عمار وأنت ما زلت تلبس اللباس العسكري، قال انهزموا ولم ننهزم، ولذلك جاءت زيارته للضفة الغربية مرتين خلال الاحتلال".

وما هو معروف أن عرفات نزل إلى الضفة الغربية مرتين خلال الشهر الأولى للاحتلال، وذلك قبل معركة الكرامة في 21/3/1968، حيث كان ينام في منازل مختارة لمناضلين في نابلس والخليل والقدس. وكان يومها عباس لا يزال يعمل موظفا في قطر.

وبطبيعة الحال، فقد كان الدخول إلى الضفة الغربية يتم في ذلك الوقت تسللا عبر مخاضات نهر الأردن، سيرا على الأقدام، بدون سيارات. أما داخل الأراضي الأردنية، فلم يكن من المنطق في شيء تمويه سيارة مدنية بالوحل، لأن ذلك يكشف أن راكب هذه السيارة فدائي، في حين أن العمل الفدائي في الأردن أصبح مسموحا فقط في الفترة الفاصلة بين معركة الكرامة (21/3/1968)، وأيلول/سبتمبر 1970.

ولأن عباس تربطه تحالفات جيدة ومتينة حاليا مع فصائل اليسار الفلسطيني بمواجهة حركة "حماس" الإسلامية، فإنه يمنح الجبهة الشعبية وجميع الفصائل التي كانت موجودة وقتها شرف المشاركة في معركة الكرامة..!

وهذا يستدعي التذكير بأنه في ذلك الوقت المبكر لم يكن موجودا إلى جانب حركة "فتح" غير الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. فلم يكن قد تشكل أي فصيل فلسطيني آخر بعد، ولم تكن الجبهة الديمقراطية قد انشقت عن الجبهة الشعبية بعد، حيث أنها انشقت في شباط/فبراير سنة 1969، أي قبل فقط عدة أشهر من تفرغه هو في حركة "فتح".

أما دور الجبهة الشعبية في معركة الكرامة، فإن البيانات والتعميمات التي أصدرتها حركة "فتح" في حينه أكدت لمناضلي الحركة أن الجبهة الشعبية أخلت مواقعها في الكرامة قبل المعركة، ولم تقاتل.

لكن مصالح عباس السياسية تتطلب الآن إسناد دور قتالي للجبهة الشعبية..!

أما الجيش الأردني الذي تحمل العب الأكبر خلال المعركة، وجرت العادة على تجاهل دوره تماما، فإن عباس يقول إنه "توحد معنا معنا بالدم على أرض الكرامة والعزة".

ما يريد عباس الخلوص إليه من خطابه هو "مثلما كانت حركتنا رائدة في إطلاق الرصاصة الأولى، فقد كانت ولا تزال رائدة في مجال الواقعية السياسية أيضا، الواقعية التي تحقق الممكن دون مساس بما اصطلحنا على تسميته بالثوابت الوطنية، مسلحين أولا باستقلالية القرار، وثانياً بامتلاك الوعي والقدرة على قراءة متغيرات العالم وسياساته ومصالح قواه المؤثرة، وثالثاً بحسن الأداء السياسي".

وهو هنا يتجاهل أن حق العودة والكفاح المسلح من أجل التحرير هما من أهم الثوابت الوطنية الفلسطينية.

ويستوقف الأسماع قول عباس إنه "أكثر من يعرف جوانب الخلل والنقص في هذا الاتفاق الأولي (أوسلو)"، دون أن يعدد هذه الجوانب، مكتفيا بالقول إنه "قد يؤدي إلى قيام دولة"..!، وعلى نحو يدعو للتساؤل: هل يقدم عباس كل هذه التنازلات مقابل "قد" هذه..؟!

وفي الوقت الذي يؤكد فيه عباس تمسكه برفض المقاومة المسلحة، يستوقف المستمع أمران في خطابه:

الأمر الأول: إصراره على تجاهل إجراء تحقيق جدي في مقتل ياسر عرفات، مكتفيا باستباق الجميع بتقرير تشكيل لجنة تحقيق برئاسة ناصر القدوة لمعرفة ما إذا كان عرفات قد مات مسموما أم لا..؟، دون أن تتجاوز مهمة اللجنة ذلك إلى تحديد الجهة التي وقفت وراء تسميمه.

عباس يريد بذلك، إغلاق الأبواب التي فتحها عليه اتهام القدومي.

الأمر الثاني: إصراره على انتهاء حالة المقاومة التي تمثلها حركة "حماس"، بحجة ضرورة وجود "سلطة واحدة، قانون واحد وسلاح واحد".

هذا هو جوهر خطاب عباس، وكل ما عدى ذلك ورق سولفان يهدف فقط إلى تجميل بضاعته.

انشر عبر