قائمة الموقع

إيران اليوم في العقل الصهيوني والأميركي

2026-08-30T11:00:00+03:00
مقال
فلسطين اليوم

كيف تفكر الدوائر المعادية للمنطقة وشعوبها، سواء في واشنطن أم في الكيان الصهيوني، وتقارب المشهد الإيراني من الزاوية الإقليمية والعالمية، وانقلاب القواعد والمعادلات نحو نظام إقليمي ودولي جديدين، وبحيث لن يمنع الحصار والتحريض الطائفي إيران من التقدم الكبير داخل هذا النظام. 

للإجابة عن هذا السؤال، تجنبت القراءات الأيديولوجية والصديقة، واخترت تقريراً ودراستين من قلب المنظومة الصهيونية والإمبريالية، وذلك من دون أدنى تدخل أو تعليق حول المواد المذكورة كما نشرتها جريدة الغد الأردنية في الأشهر الأخيرة من هذا العام: 

تقرير معهد الأمن "الإسرائيلي"
بحسب دراسة منشورة في جريدة الغد الأردنية (عدد 26 آب) للدكتور عماد حمادين من مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، فقد انتهى معهد الأمن "القومي الإسرائيلي" من مؤتمره السنوي نهاية تموز الفائت بخلاصات غير مسبوقة حول التهديدات الداخلية والخارجية. 

المؤتمر بحسب الدراسة المذكورة كان محصّلة حوارات لـ 150 خبيراً من كل الحقول والأحزاب ولـ 14 سيناريو توقفت عند التهديدات التالية: 

1- التهديدات الداخلية، ومنها تراجع الطابع الديموقراطي للدولة، آفاق الحرب الأهلية، تراجع الإنتاجية لصالح القوى الطفيلية، هجرة أصحاب المهارات والكفاءات، أما بخصوص القضية الفلسطينية فقد ناقش المؤتمر ثلاثة مسارات: ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة من دون منح حقوق متساوية للفلسطينيين مع اليهود، الدولة الفلسطينية، الدولة ثنائية القومية، واعتُبر المسار الثاني والثالث الأخطر من بين المسارات المذكورة. 

2- التهديدات الخارجية، وفي مقدمتها تحول إيران إلى دولة نووية، التعرض لهجوم إيراني صاروخي واسع آخر، استمرار الحرب فترة طويلة، ما يعمق استنزاف الجيش وقوات الاحتياط والاقتصاد والمجتمع، وأخيراً العزلة الدولية، وانتهت خلاصات المؤتمر إلى الخلاصات السنوية الثابتة منذ تأسيس مؤتمر هرتزيليا عام 2000 التي ظلت ولا تزال تحدد إيران كخطر أساسي. 

الظل الطويل للصدمة الإيرانية، هرمز والجغرافيا الجديدة لقوة الطاقة
تحت هذا العنوان تناول جيسون بوردوف، خبير أميركي بسياسات الطاقة والجغرافيا السياسية للطاقة، أزمة الطاقة الناجمة عن الضربات الأميركية على إيران، وعجز واشنطن عن تطويع الإيرانيين، لا في المدى القريب فقط بل في المدى البعيد أيضاً.

1- يبدأ بوردوف مقارباته من أزمة 1973، حين حفّزت صدمة النفط استثمارات في الطاقة النووية والطاقة المتجددة لخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، ثم بعد أزمة أوكرانيا 2022، حيث ارتفع توليد الطاقة الشمسية في أوروبا. 

في مواجهة ذلك يناقش بوردوف السيناريوهات المتداولة مثل: التكيف لاستيعاب المخاوف، مواصلة الثقة بمنظومة النفط والغاز والعمل على تعزيز قدراتها بدلاً من تجاوزها والبحث عن البدائل على غرار إعلان دول خليجية عن خطط لإنشاء خطوط أنابيب جديدة بديلة لهرمز، وكذلك سلاسل الإمدادات الخاصة بالطاقة النظيفة من المعادن الحيوية والبطاريات والألواح الشمسية والمركبات الكهربائية.

ويكشف بوردوف أن الصين هي الأكثر هيمنة على هذا الخيار، كما يتوقف عند العودة إلى الفحم وسماح اليابان باستخدام محطات الفحم القديمة، ورفع كوريا الجنوبية القيود المفروضة على توليد الكهرباء من الفحم، وقيام الهند بتخصيص 4 مليارات دولار لتطوير صناعة تحويل الفحم إلى مواد كيماوية، أي إن إيران أعادت دولاً عديدة في النظام الرأسمالي إلى عصر الفحم.

2- في حال تجدد القتال بين واشنطن وطهران فإن ذلك من شأنه مرحلة أخرى من الاضطراب والصعوبات أمام الاقتصاد العالمي، وستكون محاولات احتواء هذه الموجة مكلفة للغاية، ولا سيما مع تزايد المخاطر الجدية التي تواجهها البدائل مثل خطوط الأنابيب والموانئ البديلة في السعودية وغيرها، ومع استنزاف مخزونات النفط الأميركية والعالمية. 

3- صعوبات أمام السيناريوهات المتداولة بحسب بوردوف وهي: 

- استخدام أقل للنفط مع تداعياته المتشعبة الأخرى. 

- بحث الشركات عن ائتلافات أوسع لتحمّل أعباء التكلفة الناجمة عن صدمات أسعار الطاقة، ما يذكّر بالعلاقة المعقدة بين الاحتكارات من جهة والكارتلات الكبرى من جهة أخرى، كما بالعودة إلى ما يشبه الحماية الحكومية مع اتساع المخاطر الجيوسياسية وتكاليف الاستثمارات الإضافية في المخزونات الاستراتيجية، وتحديث عمليات ملء احتياطيات النفط المستنزفة، والتي أصبحت عند أدنى مستوياتها منذ خمسة عقود. 

4- إضافة إلى المخاطر التي تنتظر الطرق البديلة، فإن إجراءات مثل توجيه الناقلات إلى مشترين مستعدّين لدفع سعر أعلى، وتعديل المصافي عملياتها لإنتاج كميات أكبر من وقود الطائرات، تظل إجراءات محدودة. 

5- إذا تصاعدت أزمة هرمز وارتفعت معها الأسعار بصورة حادة، فقد تواجه واشنطن ضغوطاً سياسية أكبر لتقييد صادرات النفط، الأمر الذي سيضر بموقع واشنطن كمورد أساسي، وينعكس على الأسعار ويضعف حوافز الاستثمار في قدرات الإنتاج والتكرير الأميركية، وبالتالي رفع التكاليف على المستهلك الأميركي وبصورة غير مسبوقة. 

6- ومن المؤكد أن مخزونات الأمان التي قلّلت من حجم الاضطراب لن تستمر على هذا المنوال. 

7- بالمقابل، تبقى الصين رغم كل شيء الأفضل حالاً، سواء من حيث هيمنتها على البدائل النظيفة أم من حيث دور الدولة فيها وتوظيف الجغرافيا السياسية والتدخل والتحكم أكثر في مفاتيح الاقتصاد الصيني والعالمي. 

صمود إيران يغيّر الشرق الأوسط
الدراسة الثالثة المهمة هي للدكتور طاهر محمود آزاد المؤسس والمدير التنفيذي لـ (حوار لندن)، وقد نشرت في "سمول وورز جورنال" بتاريخ الـ 16 من أيار 2026، تحت عنوان (الشرق الأوسط الجديد، القوة والتصورات ما بعد الحرب الإيرانية): 

1- إن كل ما فعلته الحرب وأهدافها الأميركية أنها زعزعت أركان النظام الإقليمي السابق، وأسست لتداعيات مماثلة على الصعيد العالمي، كما غيرت بقواعد ومحددات قرارات مصيرية، من حيث تقليص الأطر الزمنية لاتخاذ القرارات واتخاذها مساراً أفقياً على مستوى المنطقة، بدلاً من التصعيد والتصاعد الرأسي نحو جبهة واحدة.

فالضربات الأميركية والإسرائيلية سرعان ما قوبلت بموجات من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية طالت الامتداد العسكري الأميركي الإسرائيلي في كل المنطقة. 

2- بصدد الهدف المعلن من هذه الضربات، يكشف طاهر آزاد أن الضربات التي أصابت مباني وأجهزة طرد مركزية لم تصب المواد الانشطارية والمعرفة المتراكمة والقدرات الإيرانية الكامنة، وذلك بحسب تقارير للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أفادت بأن مخزون إيران (440 كيلوغراماً) من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% لا يزال سليماً في أنفاق أصفهان، وبالمثل تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس. 

3- أصبح عدم اليقين بحد ذاته مصدراً من مصادر السياسية الإيرانية، كما أن الصراع استقر عند حافة هاوية سياسية واقتصادية في مضيق هرمز أكبر بكثير من النتائج المرجوّة للحصار البحري.

ومهما تكن التسوية النهائية -بحسب الباحث- فإنها ستُقاس في ضوء كلفتها (الصواريخ الاعتراضية التي تم استهلاكها، والتجارة التي جرى تعطيلها، والحلفاء الذين جرى تعريضهم للمخاطر).

كل ذلك يكرّس الخلاصات الموضوعية المحايدة التي تذهب إلى أن الولايات المتحدة لم تحقق أي هدف استراتيجي، مثل تغيير النظام وفتح المضيق وإنهاء النفوذ الإقليمي.

كما أظهرت الخلاصات أن الولايات المتحدة لم تستطع ولن تستطيع في آن واحد ضمان أمن البلدان الخليجية، وردع روسيا في أوروبا، وتركيز جهودها على المحيطين، الهندي والهادي بتكاليف ملائمة.

والأسوأ بالنسبة للولايات المتحدة أنها خسرت تقاليد عقود طويلة من بسط نفوذها على الخليج واستضافة قواتها وبيع أسلحتها بمناسبة أو غير مناسبة مقابل الحماية، وصار السؤال الأكثر تداولاً في الخليج والمنطقة والعالم، ما جدوى استضافة قوات وقواعد عسكرية أميركية لم تستطع الدفاع عن نفسها، ناهيك بالدفاع عن البلدان التي هي موجودة فيها. 

4- إذا كانت الحرب قد ألحقت الضرر بصورة واشنطن عموماً، فقد عززت بالمقابل جانباً في الحالة الإيرانية يصعب قياسه ويصعب قصفه.

إن دولة تتعرض قيادتها العليا للاستهداف، ومع ذلك تظل قادرة على الضغط على الاقتصاد العالمي وممر بحري استراتيجي والتمسك بمخزونها النووي، تكون قد أظهرت مستوى من الصمود والعمل السياسي والعسكري برسم التمعّن والدراسة وأخذ العبر، مقابل قوة عسكرية مدججة بأحدث الأسلحة. 

5- من خلاصات الدراسة: أياً كانت التقديرات الخاصة بإيران وحولها، فمن الواضح أن الحرب لم تحقق مكسباً استراتيجياً للولايات المتحدة، أو (لإسرائيل) فيما ظلت إيران صامدة محتفظة بموادها المخصبة وبسيطرتها على الممر البحري الحيوي وبموقف تفاوضي قوي.

كل ما أفرزته الحرب بصورة لا لبس فيها هو ظهور خاسر استراتيجي تمثل في التراجع الكبير لصورة الهيمنة الأميركية، كما تحوّل الشرق الأوسط نفسه بالفعل، ولم يعد انكشاف المظلة الأمنية والعسكرية الأميركية والتشكيك في جدوى القواعد العسكرية، مجرد تكهنات للمستقبل، بل أصبحا وقائع منظورة.

وبقدر ما تظل دول الخليج مرتبطة بواشنطن، فثمة مؤشرات على اتجاهات لتنويع شراكاتها ولا سيما مع الصين. 

إيران اليوم في العقل الصهيوني والأميركي، بقلم: موفق محادين

اخبار ذات صلة