قائمة الموقع

عمليات التطهير في الموساد بين الضرورة الأمنية والدوافع السياسية

2026-08-12T08:17:00+03:00
الكاتب محمد جرادات
فلسطين اليوم

فقدت المنظومة الأمنية الإسرائيلية خصوصيتها المهنية عبر المراحل التاريخية التي عصفت بكيان الاحتلال الإسرائيلي، ولعل ما يجري الآن داخل جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد) يمثل واحدة من هذه المراحل، وخاصة أن جهاز الاستخبارات الداخلية (الشاباك) دخل في هذه المرحلة منذ عام مضى وزيادة، فيما أن جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان) يتقلقل منذ السابع من أكتوبر 2023 على وهج الفشل الاستراتيجي الذي تسبّب به نومه على أطلال غزة.

تتجاوز أزمة الموساد الراهنة، عبر عزل اثنين من مسؤوليه الرئيسيين، مجرد إقصاء مسؤول الاستخبارات فيه، ومسؤول ملف إيران، لما هو طبيعة العمل الأمني في مهمة الجهاز الاستخبارية الخارجية، في وقت انفصل فيه العمل الأمني الإسرائيلي عن بحوث الفكر والاستشراق وقراءة الصياغة النفسية للحاضنة الشعبية للعدو، ليستغرق في النجاحات الأمنية الموضعية المبهرة، عبر تكنولوجيا التجسس والاغتيال، وكأن عمليات قتل قادة المقاومة وخطط الاختراق الأمني كافية لإحداث فرق استراتيجي دائم في الحروب.

وقد مرّ جهاز الموساد خلال الأشهر الماضية بمطبات داخلية أدخلته في عاصفة رملية، عندما أنهى رئيس الموساد دافيد برنياع فترته في قيادة الجهاز، ولكن لم يحل مكانه نائبه (أ) وكان المرشح الطبيعي لخلافته، حيث استقدم نتنياهو مستشاره العسكري رومان غوفمان وأقحمه في زعامة الموساد، وتردد أنه كان لسارة نتنياهو علاقة ما بهذا التعيين، ما أحدث جلبة حول تصاعد تدخلات سارة في سلك التعيينات الحساسة في الدولة.

عارض برنياع وكثيرون تعيين غوفمان، كونه نزل في مظلة على الموساد ولم يكن يوماً مسؤولاً فيه، ولأن المرشح الطبيعي كان نائبه المخضرم (أ) في عمل الموساد منذ 22 عاماً مضت، تماماً كما حصل مع جهاز الشاباك، وإن مرّ الشاباك حينها بعاصفة أشد، حينما أقال نتنياهو قائده رون بار رغم أنفه وهو الذي لم ينهِ فترته الرسمية بخلاف برنياع، ورغم أنف المحكمة العليا في ذلك الوقت، ليعيّن مكانه ضابطاً عسكرياً من خارج الشاباك وهو الجنرال دافيد زيني، وهو التعيين الذي ما زال يتسبب في ما يشبه الشلل في التواصل بين قادة الشاباك وزعيمه، ما اضطر هذا الزعيم إلى أن يوقف الترقيات في الجهاز ليدفع بقادة الجهاز إلى التواصل المباشر معه، وقد اشتكى من عُزلة داخل الجهاز.

بادر رئيس الموساد الجديد؛ غوفمان، إلى إقالة نائبه وهو المرشح السابق لزعامة الجهاز، وعيّن مكانه نائباً جديداً، ثم انقضّ على هيئة أركان الجهاز وأطاحها، فيما يشبه تقديم قرابين أمنية لنتنياهو ومن خلفه ترامب بشأن الفشل مع إيران، كيف حصل ذلك وما علاقة هذه الإقالات بإيران وترامب؟

يتعامل نتنياهو وترامب باعتبار أن الحرب ضد إيران لم تضع أوزارها، بسبب الفشل في تحقيق أيّ من أهدافها الرئيسة، وبحثاً عن سفينة نجاة من تبعات هذا الفشل، ثم المراهنة على وقوع تطور ما داخل إيران قد يساعدهما في إعلان النصر النهائي، وسط هذا الواقع الذي علق به الرجلان، تتزايد حساسية أدنى ارتداد في معالجة جوانب هذا الفشل، لماذا؟

سبق لترامب أن فضح الطابق برمته، وألقى بمسؤولية الفشل على حليفه نتنياهو، وهو صاحب الخطة المحكمة في إسقاط النظام الإسلامي في إيران، تلك الخطة التي حبكها جهاز الموساد وتكونت بحسب ما يتسرّب من أدوات وعملاء وقوى داخل إيران، يجري دعمها برياً وبشكل مباشر من قبل العملاء الكرد على حدود إيران، وهو ما دفع أميركا إلى تزويد هؤلاء الكرد بأسلحة نوعية يمكنها إحداث فارق على الأرض.

صادق نتنياهو على خطة الموساد ودعمها باستشارة مستشاره العسكري، والذي أصبح الآن رئيساً للموساد؛ غوفمان، وقدمها لترامب باعتبارها الملاذ الآمن والخديعة التي ستتجاوز في وزنها النوعي والكمي خديعة تفجيرات البيجر في لبنان، ولكن الخطة فشلت، لأن إيران سبق أن أجهزت على عملاء الداخل في كمين الستارلينك الشهير يوم الـ 14 من كانون الثاني/يناير 2026، ثم أحبطت التدخل الكردي في مهده، بشبكة علاقاتها السياسية هناك، بموازاة ضربات عسكرية محسوبة ومحدودة.

استثمر نتنياهو الإخفاقات الأمنية داخل الشاباك بعزل خصمه رون بار، وهو الآن يستثمر الفشل داخل الموساد بعزل معظم أركان الموساد لصالح تعيينات مرتبطة بعائلة نتنياهو، ما يدشّن مرحلة جديدة من تاريخ الكيان في تصفية التخصص المهني في العمل الأمني وإخضاعه المباشر للشهوات السياسية.

تطورات دفعت بعض أركان الموساد السابقين إلى الاعتراف بأن ما يجري بالفعل هو عملية تطهير داخل الموساد بأوامر مباشرة من نتنياهو لتنظيف ساحته السياسية الشخصية أمام ترامب، وأيضاً في سوق البازار الانتخابي الراهن، هكذا صرخ حجاي جيلان عبر بث القناة 12، وهو المسؤول السابق لقسم قيصريا في الموساد، حيث لم يعد الأمر مجرد تكهنات عابرة.

نجحت دولة الاحتلال في تجاوز أزماتها الأمنية طوال عقود مضت، خاصة الفشل في قراءة مسبقة للأخطار الأمنية الكبيرة، عن طريق الدعم الغربي والأميركي وغياب البديل الفلسطيني والعربي والإسلامي، والفشل في ذلك سابق على بعده الأمني الاستخباري المباشر، لما هو جنوح الفكر الاستشراقي ومراكز الأبحاث المرتبطة بذلك نحو الوظائف الرسمية في الاستخبارات والخارجية، حتى تلك المرتبطة بالجامعات العريقة، من دون التفرغ للقراءة الفكرية المجردة، وهي الكفيلة بفهم واقع محيط من الأعداء يختلفون مع الكيان بكل مناحي الحياة.

ولعل أكبر تلك المخاطر التي فشل الفكر الاستشراقي الإسرائيلي في قرع الجرس منبّهاً من وقوعها ثلاثة رئيسة؛ وهي حرب أكتوبر 1973، ثم حرب أكتوبر 2023، تليها وتتصل بها الحرب على إيران 2026، وكان الكيان قد حاول الاستدراك الفكري في أكتوبر 1973 عبر مراجعات نقدية عميقة، لكنه عالق اليوم في تبعات فشل أكتوبر 2023، واستقر في الحضيض مع الفشل في عدوانه المشترك مع أميركا ضد إيران.

حضيض العقم الفكري في كيان مسلح بالتكنولوجيا الأمنية الهائلة، ليس له سوى وجهة واحدة في ظل العمى التام عند نخبه السياسية والأمنية، وهو السقوط الكلي، في حال توفر البديل الفلسطيني والعربي والإسلامي، وهو البديل الغائب منذ عام 1948.

غياب هذا البديل الفلسطيني العربي الإسلامي؛ كفل للإسرائيلي أن يأخذ وقته في ترميم ثغراته بشكل دائم عبر عقود خلت، فهل صمود غزة الراهن ونهضة حزب الله العظيمة وشهامة أحرار اليمن والعراق في ظل السيد المجتبى مرشد الجمهورية الإسلامية، توفر هذا البديل وتضمنه في قيادة أمة تائهة بين شعاب مكة وأنقرة وإسلام أباد؟

 

اخبار ذات صلة