قائمة الموقع

لماذا يذكر ترامب فجأة خطته لإنهاء الصراع في غزة؟

2026-08-06T09:05:00+03:00
الكاتب حسن نافعة
فلسطين اليوم

فجأة، وعلى غير توقع أو انتظار، أدلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصريح نشره عبر منصة "تروث سوشيال"، أشار فيه إلى أن "مجلس السلام"، وهو الجهاز الذي يرأسه شخصياً ويتولى إدارة المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، توصل إلى اتفاق تاريخي سيتم بموجبه نزع سلاح حماس، وانسحاب "إسرائيل" من القطاع، وتولي قوة دولية مهمة تحقيق الاستقرار في القطاع بالتعاون مع شرطة فلسطينية جديدة، وتشكيل حكومة فلسطينية جديدة، والبدء في إعادة إعمار غزة، ما سيشكل خطوة تاريخية نحو سلام دائم.

للتعرف على دلالة هذا التصريح وتأثيراته المحتملة على مسار الصراع في المنطقة، من المفيد عادةً تذكير القارئ أولاً بفحوى "خطة ترامب لإنهاء الصراع في غزة" التي يتولى مجلس السلام مسؤولية وضعها موضع التنفيذ، وإلقاء الضوء على العقبات التي اعترضت طريقها حتى الآن.

ففي 29 أيلول/سبتمبر 2025، أعلن ترامب موافقة الأطراف المعنية على "خطة شاملة لإنهاء الصراع في غزة" مكونة من 20 بنداً، كان يفترض أن تصبح غزة عند الانتهاء من تنفيذها "منطقة آمنة لا تشكل تهديداً لمصر وإسرائيل". وبعد أيام من هذا الإعلان، شارك ترامب في مؤتمر شرم الشيخ، الذي صدرت في ختام أعماله وثيقة بعنوان "إعلان ترامب للسلام الدائم والازدهار"، ووقع عليها بنفسه إلى جانب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأمير دولة قطر تميم بن حمد. وما إن بدأ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة يدخل حيز التنفيذ حتى بادر ترامب بعرض خطته على مجلس الأمن الدولي، الذي اعتمدها وأصدر بشأنها القرار رقم 2803، ما أوحى بأننا إزاء خطة دولية لإطلاق عملية سلام حقيقية في المنطقة، خصوصاً وأنها تصدت لمعالجة قضايا وقف القتال، وتبادل الأسرى والمحتجزين، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإدخال المساعدات الإنسانية، ونزع السلاح، والإعمار، وفتح آفاق جديدة نحو تسوية دائمة للقضية الفلسطينية. غير أن وضع بنود هذه الخطة موضع التنفيذ اصطدم بعقبات كبيرة، أهمها التعنت الإسرائيلي والانحياز الأميركي.

ففي ما يتعلق بوقف القتال، نصت الخطة على أنه "سيتم تعليق كل العمليات العسكرية، بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي، وستبقى خطوط القتال مجمدة إلى أن يتم استيفاء شروط الانسحاب الكامل" (البند 3). وقد التزمت حماس وبقية فصائل المقاومة الفلسطينية بكل ما ورد في هذا البند، أما "إسرائيل" فلم تلتزم به إلا إبان الفترة التي جرى خلالها تبادل الأسرى والجثامين، لكن ما إن استعادتهم بالكامل حتى راحت تستأنف عملياتها العسكرية تحت ذرائع متعددة، فقد وصل عدد الفلسطينيين الذين قتلتهم "إسرائيل" منذ دخول "خطة ترامب" حيز التنفيذ وحتى كتابة هذه السطور إلى نحو 1300، وعدد الجرحى إلى نحو 5000.

وفي ما يتعلق بتبادل الأسرى، حددت البنود 4 و5 و6 أسس ومعايير وتوقيتات هذا التبادل، وذلك على النحو الآتي: تسليم جميع الرهائن المحتجزين في غزة، أحياء كانوا أم أمواتاً، في غضون 72 ساعة، وبعدها تفرج "إسرائيل" عن 250 سجيناً من المحكوم عليهم بالسجن مدى الحياة، بالإضافة إلى 1700 معتقل فلسطيني من غزة ممن تم اعتقالهم بعد بداية الحرب، وعليها في جميع الأحوال إعادة جثامين 15 غزياً مقابل كل رهينة تتسلم جثتها. ورغم صعوبات لوجستية عديدة اكتنفت تنفيذ هذه العملية، بسبب الدمار الذي تعرض له القطاع وعدم توافر المعدات اللازمة لانتشال الجثامين من بين أكوام الركام، إلا أن حماس بذلت جهداً خارقاً للوفاء بكل ما عليها من التزامات بموجب هذه البنود، ما مكّن "إسرائيل" من انتزاع أهم أوراق الضغط التي كانت بحوزة حماس، التي لم تحصل في المقابل على ضمانات جدية بوفاء "إسرائيل" بالتزاماتها.

وفي ما يتعلق بانسحاب القوات المحتلة، أكدت الخطة أن "إسرائيل" "لن تحتل غزة أو تدمجها، وستسحب قواتها تدريجياً إلى أن تتمكن قوة الاستقرار الدولية والأجهزة الأمنية الجديدة من السيطرة الفعلية على القطاع، مع إمكانية البقاء في محيط أمني مؤقت إلى أن يتحقق الاستقرار الدائم" (البند 17)، وأن الانسحاب إلى "خط متفق عليه" سيتم في مرحلة أولى (البند 3). ويلاحظ أن "إسرائيل" لم تلتزم بهذه البنود على الإطلاق. فبعد أن انسحبت من 45% من مساحة القطاع، معتبرة أن هذا هو "الخط المتفق عليه"، راحت تقضم مساحات إضافية تدريجياً، إلى أن أصبحت تحتل حالياً ما يزيد على 70% من إجمالي مساحة القطاع.

وقد نظمت بنود كثيرة عملية تدفق المساعدات الإنسانية. فالبند الثامن أكد أن هذه المساعدات "ستتدفق إلى غزة فور قبول الاتفاق، وستشمل إعادة تأهيل البنية التحتية (مياه، كهرباء، صرف صحي)، وإعادة بناء المستشفيات والمخابز، وإزالة الأنقاض، وتنظيف الطرق". وحدد البند التاسع أنها "ستدخل وتوزع من دون تدخل من الأطراف المتحاربة، عبر وكالات دولية مثل الأمم المتحدة والهلال الأحمر وغيرها، وأن معبر رفح سيفتح في كلا الاتجاهين وفق آلية مشابهة لما تم الاتفاق عليه في 19 يناير 2025"، وهو ما لم تلتزم به "إسرائيل" أيضاً، حيث ظلت تتحكم في تدفق المساعدات حتى كتابة هذه السطور.

وفي ما يتعلق بإعمار القطاع ومستقبل الشعب الفلسطيني، أشار البند 11 إلى أن "منطقة اقتصادية خاصة ستقام في غزة، سيكون لها تعريفات جمركية مميزة، وستبرم اتفاقيات مع دول عديدة لجذب الاستثمارات وخلق فرص عمل جديدة". وأضاف البند 20 مؤكداً: "بينما تتقدم عملية إعادة الإعمار وتنفيذ الإصلاحات، سيجري فتح أفق سياسي طويل الأمد، بما في ذلك إمكانية تحقيق دولة فلسطينية، بشرط أن تقوم السلطة الفلسطينية بتنفيذ إصلاحات تجعلها قادرة على إدارة القطاع بشكل آمن وفعّال". وكان هذا هو البند الوحيد الذي أشار صراحة إلى "دولة فلسطينية"، ولكن في إطار صياغة لغوية تتسم بالعمومية.

أما في ما يتعلق بقضية نزع السلاح وتحديد مصير المقاتلين، والتي صنعت منها إسرائيل "مسمار جحا" لنسف الخطة برمتها، فقد وردت بشأنها بنود متفرقة. فالبند الأول نص على أن غزة "ستكون منطقة خالية من التطرف والإرهاب ولن تشكل تهديداً لجيرانها". والبندان 13 و14 أكدا "عدم السماح لحماس ولأي فصائل أخرى بأن يكون لها دور في حكم غزة، وأن البنية التحتية العسكرية، المكونة من أنفاق ومرافق تصنيع أسلحة ومراكز قيادة وغيرها، ستدمر بالكامل ولن يعاد بناؤها"، وسيكون هناك "عملية نزع سلاح شاملة تحت إشراف مراقبين مستقلين". بينما حرص البند 15 على التأكيد أن "شركاء إقليميين ودوليين سيقدمون ضمانات بأن غزة الجديدة لن تشكل أي تهديد لجيرانها أو لأمن سكانها". أما مصير المقاتلين فقد حدده البند السابع على النحو الآتي: "كل من يوافق على نزع سلاحه ويقبل بالتعايش السلمي سيُمنح عفواً، وسيتاح لكل من يرغب منهم في مغادرة غزة ممر آمن". ورغم أن الخطة لم تحدد أي جدول زمني لإتمام عملية نزع السلاح، ولم تربطها بأي مسألة أخرى، مؤكدة أنها ستتم "تحت إشراف مراقبين مستقلين"، إلا أن "إسرائيل" أصرت، وما تزال، على أن تتم هذه العملية تحت إشرافها المباشر، وعلى عدم الانسحاب من القطاع قبل الانتهاء من نزع السلاح، كاشفة بوضوح، ومنذ البداية، عن نواياها الحقيقية في عدم الالتزام بتنفيذ الخطة بكامل بنودها.

من الطبيعي، في سياق ما تقدم، أن تثور شكوك كثيرة حول نوايا ترامب الحقيقية، حين يأتي اليوم معلناً أن مجلس السلام توصل إلى اتفاق يقضي بنزع سلاح حماس، ومؤكداً أن هذا الاتفاق التاريخي سيعيد فتح أبواب الأمل الموصدة في المنطقة. فلو كان ترامب جاداً حقاً في ما يقول، لاتسمت سياساته، ومنذ بداية وضع خطته لإنهاء الصراع في غزة موضع التنفيذ، بقدر أكبر من التوازن. أما أن يترك "إسرائيل" تنتهك التزاماتها على مدى عام كامل، بما في ذلك التزاماتها بوقف إطلاق النار وتدفق المساعدات الإنسانية، ثم يأتي اليوم ليحاول إقناعنا بأن نزع سلاح حماس سيصلح ما أفسده الدهر، فهذا ما لا يمكن قبوله عقلاً، بل ويثير السخرية.

يصعب فهم الأسباب التي دفعت ترامب إلى اتخاذ هذه الخطوة بمعزل عن السياق العام لاستراتيجيته تجاه المنطقة ككل، والتي لا تختلف في أهدافها مطلقاً عن الاستراتيجية التي ينتهجها نتنياهو، فكلاهما يعتقد أن هذه المنطقة لن تهدأ وتستقر إلا بنزع سلاح جميع الفصائل التي تتصدى للتوسع الإسرائيلي، خصوصاً حماس والجهاد في فلسطين وحزب الله في لبنان، والإطاحة بجميع الأنظمة المناهضة للسياسات الصهيوأميركية في المنطقة، خصوصاً النظام الإيراني. صحيح أن سياسات ترامب قد تختلف أحياناً عن سياسات نتنياهو، بحكم مسؤولية الولايات المتحدة كقوة عالمية لها مصالحها وتحالفاتها الكونية، لكن هذا الاختلاف يقتصر على الأساليب والوسائل، لكنه لا يمس الأهداف أبداً لأنها موحدة إلى حد التطابق التام. لذا، فالتنسيق بينهما دائم ومستمر، ولن ينقطع أبداً مهما اتسعت فجوة الخلافات.

تجدر الإشارة هنا إلى أن ترامب كان قد طرح خطته لوقف إطلاق النار في غزة قبل شهور قليلة من الحرب الأميركية- الإسرائيلية الثانية على إيران، التي انطلقت يوم 28/2/2026 واستمرت 39 يوماً، واستهدفت الإطاحة بالنظام الإيراني كمقدمة لتصفية محور المقاومة في المنطقة ككل. ولأن الحرب أخفقت في تحقيق أهدافها، فقد كان من الطبيعي أن تصاب خطة ترامب تجاه غزة بالعطب، وأن يسمح لـ"إسرائيل" بعرقلتها، من خلال عدم السماح للجنة الوطنية بدخول القطاع، ووضع العقبات أمام تشكيل القوة الأمنية متعددة الجنسيات، وأن يطلق يد "إسرائيل" من جديد، ليس في قطاع غزة فحسب، وإنما في لبنان أيضاً. لذا، فليس من المستبعد أبداً أن يكون إعلان ترامب حول توافق الأطراف المعنية على خطة لنزع سلاح حماس مقدمة تمهد لشن حرب ثالثة على إيران، يأمل ترامب ونتنياهو أن تحقق ما عجزت الحربان الأولى والثانية عن تحقيقه. وسواء صح هذا الاحتمال أم لم يصح، فمن المؤكد أن منطقة الشرق الأوسط لن تعرف الهدوء والاستقرار إلا إذا اضطرت "إسرائيل" إلى التخلي عن طموحاتها التوسعية في المنطقة، واضطرت الولايات المتحدة إلى التخلي عن طموحاتها في الهيمنة عليها، وهو ما سوف يحدث حتماً، إن آجلاً أو عاجلاً.

اخبار ذات صلة