شريط الأخبار

علاقات اسرائيل بالاتحاد الاوروبي خطوة الى الامام، واثنتان الى الخلف*

01:35 - 04 تشرين أول / أغسطس 2009

علاقات اسرائيل بالاتحاد الاوروبي خطوة الى الامام، واثنتان الى الخلف*

 

بقلم: د. عوديد عيران**

        خلفية

        كان بدء 2009 علامة على نهاية فترة أربع سنين، تميزت بتقارب العلاقات بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي. في خلال نيسان 2009 غمرت عناوين الصفحات الاولى من الصحف وتتصل برفض الاتحاد الاوروبي العنيد تطوير علاقاته باسرائيل. يقوم في مركز هذا التوجه سياسة الاتحاد الاوروبي واساسها الربط ربطا وثيقا للعلاقة باسرائيل بالتقدم في المسيرة السياسية بين اسرائيل وجاراتها، وامتناع الحكومة الجديدة في اسرائيل عن أن تعلن تأييدها لحل دولتين للشعبين.

        منذ نهاية 2004 تغلب الطرفان على الجو المتوتر البارد الذي ساد بعقب انهيار التفاوض الاسرائيلي الفلسطيني في 1999 – 2000 وبدء الانتفاضة الثانية في سنة 2000. ذكر التحول باتفاق ثنائي (خطة عمل) صيغة بين الطرفين في أواخر 2004 ويتصل بسياسة دول الاتحاد الاوروبي الجديدة من الدول المجاورة لها. كان هدف خطة العمل تحسين العلاقات سوى اتفاق الانتظام في 1995. كانت تلك خطوة مهمة نحو تحقيق استنتاجات أسن في 1994 وفحواها أن "المجلس الاوروبي توصل الى استنتاج أن اسرائيل بسبب مستوى التطور الاقتصادي العالي فيها تستحق أن تتمتع بوضع خاص لعلاقتها بالاتحاد الاوروبي على أساس التبادل والمصلحة المشتركة".

        في السنين الاربع من 2005 الى 2008 لم نشهد فقط اذابة جمود العلاقات، بل نشوء حوار سياسي ايضا، لتوسيع العلاقات الاقتصادية وانضمام اسرائيل الى خطط اوروبية جديدة مثل "غليليو". اليكم تفصيل العوامل التي تبين هذا التغير العميق:

1.      في آب 2005 حققت اسرائيل قرارها من طرف واحد على الانسحاب التام من قطاع غزة وحل المستوطنات اليهودية فيه. استقبل الاتحاد الاوروبي كسائر الجماعة الدولية، هذا القرار بالهتاف.

2.      الانسحاب التام من حدود مصر مع قطاع غزة اقتضى رقابة على معبر رفح. وافقت اسرائيل على نشر وحدة اوروبية في المنطقة – قوة المهمة للمساعدة على الحدود (يوبام).

3.      وافقت اسرائيل على ان يمنح الاتحاد الاوروبي قوات امن السلطة الفلسطينية مساعدة. قدمت المساعدة قوة المهام الشرطية للاتحاد الاوروبي في المناطق الفلسطينية، (يوكبس) في اواخر 2005.

4.      في نهاية حرب لبنان الثانية، في صيف 2006، طلبت اسرائيل تعزيز القوة العسكرية الدولية للحفاظ على الامن على حدود لبنان مع اسرائيل (اليونيفيل) وان تنشر من هناك القوات البرية والبحرية الاوروبية. ان الامثلة الثلاثة – اليوبام واليوكبس واليونيفيل – تستطيع وان لم تشر الى توجه جديد من اسرائيل الى اوروبا ان تشير الى توجه اكثر مرونة لاسرائيل من التدخل الاوروبي في المسيرة السياسية في الشرق الاوسط.

5.      في  البدء رفضت اسرائيل مشاركة الرباعية (التي اشتملت سوى الاتحاد الاوروبي على الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا) في المحادثات السياسية، وفي نهاية الامر سلمت لدورها وخاصة في مجال التطوير الاقتصادي للضفة الغربية وغزة.

6.      في ايار 2004 انضمت عشر عضوات جديدة الى الاتحاد الاوروبي، منها ثماني دول من اوروبا الشرقية، عبرت منذ تحررت من السيطرة السوفييتية عن موقف صديق لاسرائيل وعدلت من الموقف الذي ساد الدول الخمس عشرة الاعضاء من غرب اوروبا.

7.      في كانون الثاني 2006 فازت حماس في الانتخابات العامة الفلسطينية، وحثت هذه الحقيقة الاتحاد الاوروبي والرباعية على صوغ شروط لقبولها. اشتملت الشروط على ان تندد حماس بالعنف، وعلى الاعتراف باسرائيل وقبول اتفاقات والتزامات سابقة. وهكذا ازال الاتحاد الاوروبي خوف اسرائيل من استعمال نتائج الانتخابات لبدء حوار بلا شروط سابقة مع حماس.

8.      في مؤتمر أنابوليس في تشرين الثاني 2007، وافقت اسرائيل والفلسطينيون على اجراء تفاوض في "اتفاق سلام" لتسوية جميع القضايا العالقة وفي ضمنها جميع القضايا الجوهرية".

9.      اساءت الهجمات الارهابية في مدريد (11 اذار 2004)، وفي لندن (في السابع من تموز 2005) وقضية الرسوم الكاريكاتورية الدانماركية (في الثلاثين من ايلول 2005) العلاقات بين اوروبا وعدد من الدول الاسلامية، واسهمت مؤقتا على الاقل، في زيادة مناصرة وضع اسرائيل.

10.    تأييد اسرائيل للحوار مع ايران الذي بادر اليه الاتحاد الاوروبي بوساطة ثلاث دول اعضاء – فرنسا والمانيا وبريطانيا، والذي كان هدفه انهاء جهود ايران لتطوير سلاح ذري.

رد اوروبا على عملية "الرصاص المصهور"

        تطور رد اوروبا على عملية "الرصاص المصهور" بالتدريج. ففي البدء ردت اوروبا على عملية اسرائيل العسكرية فقط، ولكنها تأثرت بالتدريج بتطورين رئيسين. الاول ويتصل بالعملية كان زيادة الشك والنقد الذي سمع في اسرائيل نفسها؛ وكان الثاني الحملة الانتخابية في اسرائيل ونتائجها وتكوين حكومة جديدة في اسرائيل.

 

        المرحلة الاولى – الهجمات الجوية الاسرائيلية على غزة – في السابع والعشرين من كانون الاول 2008

        في الربع من تشرين الثاني 2008 قتل ستة من افراد حماس بهجوم اسرائيلي على نفق استعمل بحسب مصادر اسرائيلية لدخول اسرائيل. رأت حماس ذلك "نقدا مبدئيا لوقف اطلاق النار"، وفي العشرين من كانون الاول اعلنت بانها لن تطيل أمد الهدنة. في السابع والعشرين من كانون الاول، بعد بضعة ايام من هجمات لم تنقطع بالصواريخ على مراكز سكنية في اسرائيل، ردت اسرائيل بهجوم جوي لاسبوع على غزة، وفي الليلة بين الثالث والرابع من كانون الثاني 2009 دخلت قوات برية اسرائيلية غزة.

        كان رد اوروبا المباشر متزنا وحذرا. فقد قال برنار كوشنير، وزير خارجية فرنسا: "يستطيع تشديد الهدنة التي نقضها اطلاق الصواريخ من غزة على اسرائيل ان يضمن ظروفا في الحد الادنى مقبولة لسكان غزة.".

        وأعلن في نفس اليوم وزير خارجية الجمهور التشيكية، التي حلت محل فرنسا في رئاسة الاتحاد الاوروبي: "لا يخطر في البال ان تقصف بلدات يعيش فيها مواطنون. وعلى ذلك لاسرائيل الحق في أن تدفع عن نفسها هجمات كهذه. تسبب هجمات حماس الا يكون من الممكن رؤية هذه المنظمة شريكة في التفاوض وفي أن يجرى معها حوار سياسي". واضاف وزير خارجية الجمهور التشيكية انه توجد حاجة الى أن يبحث مع اسرائيل كيف تغير ظروف العيش في غزة. في الثامن والعشرين من كانون الاول 2008 قالت مستشارة المانيا انجيلا ماركل ان حق اسرائيل المشروع ان تدفع عن مواطنيها وان حماس مسؤولة عن الوضع الذي نشأ.

        يمكن أن نفسر الموقف المعتدل غير الانتقادي على نحو واضح في قضية عملية الرصاص المصهور في مرحلتها المبكرة بما يلي:

1.                             لم يرَ الهجوم الجوي في اوروبا دخولا جديدا لاسرائيل في غزة.

2.          لم تستطع اوروبا تجاهل التأثير الكمي المتراكم لهجمات الصواريخ على مناطق سكنية في اسرائيل. زار عدد من وزراء الخارجية الاوروبيين سديروت، وهي اكثر المدن تعرضا لقصف الفلسطينيين في اوج الهجمات حقا.

3.          اوروبا مستعدة لقبول هجوم اسرائيل على البنية التحتية السياسية والعسكرية لحماس لان هذه الحركة في نظرها تتحدى السلطة الفلسطينية بقيادة ابي مازن وسلام فياض.

4.                             بدأت عملية الرصاص المصهور في اضعف الاسابيع في اوروبا، بين عيد الميلاد ورأس السنة الميلادية.

 

المرحلة الثانية – من الثالث من كانون الاول 2009 حتى نهاية العملية، في العشرين من كانون الثاني 2009

        انقضت المدة القصيرة لرد اوروبا الضعيف مع دخول القوات البرية الاسرائيلية العمل في الثالث من كانون الثاني 2009. عادت اوروبا من عطلة رأس السنة، ودخلت جماعة الضغط المعادية لاسرائيل العمل، وبدأت تتراكم اناء عن مصابين فلسطينيين ابرياء. من أثينا الى مدريد، خرج الاف الى الشوارع للتظاهر مع لافتات تحمل تسوية بين اسرائيل والمانيا النازية، وتجعل عملية اسرائيل موصومة بانها قتل شعب، وتدعو الى وقف العملية من الفور. اضطرت الشرطة في عدة مظاهرات (في اثينا مثلا) الى استعمال القوة والغاز المسيل للدموع.

        حذرت الرئاسة التشيكية قائلا: "حتى الحقوق الاكثر عدلا للدولة أن تدفع عن نفسها لا تبيح اعمالا تؤثر في المواطنين اساسا"، واضافت بعد ذلك انها كانت قلقة جدا في إثر ازهاق ارواح في المدرسة في جباليا. عبر هذا التصريح عن قلق زائد للازمة الانسانية التي حدثت بعقب التشويش على تحويل الاغذية والمواد الطبية. في السابع من كانون الثاني 2009 دعت الرئاسة اسرائيل الى فتح ممر انساني.

        عبر وزير خارجية بريطانيا ديفيد ميليبند في السابع من كانون الثاني في قضية "تهريب السلاح غير الشرعي الى غزة والذي يستعمل للاطلاق على اسرائيل) وفي قضية المساعدة الانسانية، لكن ميليبند في هذه المرحلة تناول رد اسرائيل غير المتناسب وهو موقف نسبه الى زملائه الستة والعشرين ايضا. سمع تصريح مشابه من الغد ايضا من فم وزير خارجية السويد كارل بيلدت.

        الفروق بين ردود اوروبا الرسمية وردود المتظاهرين ووسائل الاعلام  كانت واسعة وواضحة. وكان الدليل الابرز على ذلك زيارة القادة الاوروبيين السستة القدس في الثامن عشر من كانون الثاني 2009. كان منهم الرئيس ساركوزي ورؤساء حكومات المانيا وبريطانيا وايطاليا واسبانيا والجمهور التشيكية. لم يسمع من احد منهم موقف انتقاد لاسرائيل، ولم يذكر نقضا ما للجيش الاسرائيلي او قصفا غير تناسبي. أثار بعضهم الحاجة الى وقف تحويل السلاح غير القانوني الى غزة، واثار آخرون الحاجة الى ادخال مساعدة انسانية في غزة.

 

        المرحلة الثالثة – منذ نهاية العملية العسكرية في غزة

        أفضى تطوران رئيسان الى تدهور موقف اوروبا الرسمي. فقد نشرت من جهة تقارير عن استعمال معدات وسلاح مختلف فيهما، وتهم استعمال مفرط للقوة، وتنكيل من الجنود بمواطنين فلسطينيين ابرياء، وشعور بانتقاد ذاتي يتزايد في اسرائيل. ومن جهة اخرى مع اشتداد سخونة المعركة الانتخابية في اسرائيل أبعد قادة سياسيون اسرائيليون انشأوا آخر الامر الحكومة الجديدة في الواحد والثلاثين من اذار 2009، ابعدوا أنفسهم عن تصور حل الدولتين للنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني.

        ان حقيقة ان انتقاد سلوك الجيش الاسرائيلي في موضوع استعمال انواع مختلفة من المعدات والذخيرة زادت من صدق تهم ما وكذلك اساء رد اسرائيل البطيء وعدم استعدادها تحقيقها الوضع وافضى الى أنه امكن في عدة دول وفي بريطانيا خاصة الى امكان تقديم لوائح اتهام لجنود وساسة اسرائيليين. يمتنع ضباط كبار اسرائيليون عن دخول الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي خوف ان يحاكموا.

        في الجلسة الاولى لمجلس وزراء الاتحاد الاوروبي للشؤون الاقتصادية والعلاقات الخارجية بعد العملية في غزة في السادس والعشرين من كانون الثاني، تقرر ان "الاتحاد الاوروبي سيفحص عن نقض القانون الانساني الدولي". من شبه المحقق ان هذا التصريح يعبر عن ضعف تصميم عدد من الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي على معارضة رفائع اجراء محاكمات لعدد من الجنود الاسرائيليين بسبب نقض القوانين زمن القتال في غزة.

        كانت الرسالة القوية الى اسرائيل والتي كانت مهمة حقا للاتحاد الاوروبي هي فكرة حل الدولتين، التي سمعت من فم رئيس حكومة اسبانيا خوسيه لوي سبراتو في نهاية المواجهة العسكرية في الثامن عشر من كانون الثاني، زمن زيارته الاولى لاسرائيل في صحبة نظرائه. قال: "اسبانيا والاتحاد الاوروبي يؤيدان مسيرة سلمية عادلة تضمن سلامة دولة اسرائيل وتمكن من اقامة الدولة الفلسطينية".

        أنهى وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي لقاءهم في كانون الثاني 2009 بقولهم: "الاتحاد الاوروبي على قناعة بأن نهاية الازمة الحالية يجب ان تكون مصحوبة بجهود مجددة عاجلة للطرفين الاسرائيلي والفلسطيني، وللجماعة الدولية لاقامة دولة فلسطينية مستقلة ديمقراطية ذات قدرة على البقاء في الضفة الغربية وغزة".

        لم يستطع الاتحاد الاوروبي أن يرى نتائج الانتخابات في العاشر من شباط في اسرائيل واداء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية في 31 من آذار 2009 خطوات نحو تحقيق حل الدولتين.

        تأثير عملية "الرصاص المصهور" في العلاقات بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي

        يبدو ان العلاقات بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي تتقدم نحو الوضع الذي ساد قبل 2004. المتضرر الرئيس هو تحسين العلاقات. عمل الجانبان في الجيل الثاني من خطة العمل (اي أن بي). ان مجلس الانتظام، الذي يراقب العلاقات رسميا، أعطى اشارة البدء للعمل في رفع مستوى العلاقات. برغم ان اسرائيل عبرت عن رضا لحينه، فان الوثيقة التي لخصت اللقاء في 16 حزيران 2008 تشتمل على جملة المفتاح: "مسيرة تطوير شراكة أوثق بين الاتحاد الاوروبي واسرائيل يجب ان تكون وأن تبدو، في سياق المدى الواسع لمصالحنا وأهدافنا، التي تشتمل خاصة على تسوية النزاع الاسرائيلي الفلسطيني بتحقيق حل الدولتين".

        أجاز مجلس وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي الذي انعقد في الثامن من كانون الاول 2008 الوثيقة من حزيران 2008 وبحسب رئاسة المجلس التي تولتها فرنسا اجاز الوزراء مبدأ تعزيز العلاقات بين الاتحاد الاوروبي واسرائيل وبخاصة في سياق الحوار السياسي واصروا على أن تعميق العلاقات هذا يقوي الادارة في اسرائيل على أن تعمل أكثر في تحسين شروط الحياة الميدانية – اجماد جميع النشاط الاستيطاني، وفتح نقاط عبور الى غزة، وازالة حظر الحركة الذي يصعب على الاقتصاد ويشل حياة الفلسطينيين اليومية، ويسهم ذلك (أي تعزيز العلاقات بينهما) في تقديم المسيرة السلمية.

        ضعف القصد الى تطوير العلاقات قبل العملية في غزة، لان البرلمان الاوروبي قرر ألا يقرر قبول الاقتراح. مما يشك فيه كثيرا أن يتغلب البرلمان الاوروبي على العائق الذي وضعته أمامه عملية "الرصاص المصهور" وموقف الحكومة الجديدة في اسرائيل اذا وعندما يحل النقاش والتصوير الاتيين في موضوع تحسين العلاقات. إن عدم تناول برنامج حكومة اسرائيل الجديدة لحل الدولتين يكاد يقضي على مصير هذا التصويت، ومن المحتمل ألا يتم مرة اخرى في المستقبل القريب. إن طموح اسرائيل الى أن تندمج اندماجا أوسع في خطط الاتحاد الاوروبي ومشروعاته، وفي مؤسسات ما للاتحاد آخر الامر، سيضطر الى الانتظار في هذا الوقت. يرى الاتحاد الاوروبي ان تطوير العلاقات الثنائية كان مشروطا منذ كان بتقدم مسيرة تسوية النزاع الاسرائيلي الفلسطيني، وهو كذلك اليوم. لا يتوقع أن تضغط المتوليات الاتيات لمنصب رئاسة الاتحاد الاوروبي – السويد واسبانيا وبلجيكا – في اتجاه تحسين العلاقات باسرائيل.

        إن التقرير الاخير للبرلمان الاوروبي ولمجلس اوروبا سيضاءل احتمال تقديم تحسين العلاقات باسرائيل. هذا التقرير الذي هو جزء من ورقة عمل اللجنة التي تبحث التقدم الذي أحرز في 2008 للسياسة الاوروبية، يوجه انتقادا شديدا الى اسرائيل في قضية نشاطها غير الكافي في تقديم وتطوير القلة العربية في اسرائيل، والتقدم الضئيل لتعاون اسرائيل مع الاتحاد الاوروبي في تسوية عامة للقضية الاسرائيلية الفلسطينية، ونمو المستوطنات، وعدم تغيير توجه اسرائيل الذي يمكن من انتقال الفلسطينيين، وكذلك تعويق ومنع مساعدة الاتحاد الاوروبي لغزة.

        لن يكون هذا الشرط أسهل في أيام رئاسة اتحاد اوروبي صديقة على نحو خاص مثل الجمهورية التشيكية. لقد خططت القيادة السياسية الحالية في الجمهورية التشيكية لاقامة قمة بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي في فترة رئاستها رمزا الى تحسين العلاقات. تقام القمم بين الاتحاد الاوروبي وبين شريكاته الرئيسة كالولايات المتحدة وروسيا والهند. ستكون قمة مع اسرائيل بلا شك أكثر من لفتة نظر رمزية. ستجمد فكرة القمة بمشاركة الاتحاد الاوروبي واسرائيل زمنا غير محدود مثل الجيل الثاني من خطة العمل (إي أن بي).

        سيكون من المثير للاهتمام ان نرى كيف ستنظر حكومة اسرائيل الى الاتحاد الاوروبي والى التعويقات المتوقعة المفصلة آنفا. توجد لرئيس حكومة اسرائيل الجديد ولوزير الخارجية تجربة قليلة في كل ما يتصل بأوروبا. ومع الأخذ في الحسبان أن أكثر رؤساء مؤسسات الاتحاد الاوروبي – أكثر المجلس، والرئيس، والبرلمان الأوروبي والممثل الأعلى لسياسة الخارجية والأمن – سيبدلون في سنة 2009، وأنه كان يحتاج الى فترة انتظار ما بعد عملية "الرصاص المصهور"، حتى لو ظلت حكومة اسرائيل تلتزم حل الدولتين. في الظروف الجديدة التي نشأت قد يتوجه القادة الجدد لسياسة خارجية اسرائيل بطلب تأييد من حلفاء محتملين من بين الدول الاعضاء في الاتحاد مثل رئيس فرنسا ورئيس حكومة ايطاليا.

        قد ينشأ خلاف محتمل في قضية موقف أوروبا من حماس. الى الان تمسك الاتحاد الاوروبي بسياسة الرباعية، التي حظرت اجراء حوار سياسي مع حماس واشترطت اجراء حوار كهذا بقبول المنظمة اسرائيل والاتفاقات التي وقعت الى الان بين اسرائيل والفلسطينيين وبالتنديد بالعنف كذلك. بعقب عملية "الرصاص المصهور" ومحاولات اقامة حكومة  وحدة وطنية فلسطينية بين عدد من وزراء الخارجية الاوروبيين قليلا (وبخاصة وزير خارجية فرنسا ووزير خارجية اسبانيا) الشرط المذكور، مستعملين المبادرة العربية في 2002 امتحانا لحماس. ولما كانت لم توجد أي حكومة في اسرائيل قبلت هذه المبادرة قط فان تليين الشروط التي اشترطت على حماس واقامة السقف الجديد الذي هو أدنى، قد يزيدان توتر العلاقات بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي. اذا قرر هذا الاخير عدم المبادرة الى تغيير شروط الرباعية فسيكون ذلك لمعارضة مصر أكثر من كونه لمعارضة اسرائيل.

        إن حماسة اوروبا الى تقديم العلاقات عبر الاطلسي بعقب انتخاب اوباما لرئاسة الولايات المتحدة قد تؤثر في موقفها من اسرائيل وحكومتها الجديدة. مع ذلك ليس الحديث بالضرورة عن مسار في اتجاه واحد، وقد تؤثر أوروبا ايضا في موقف الولايات المتحدة، ولا سيما في قضايا مثل المستوطنات، وتحديد حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية ونقض حقوق الانسان. أعلن رؤساء الاتحاد الاوروبي ورئيس الولايات المتحدة في لقائهم الرسمي الاول في براغ في الخامس من نيسان 2009 بأن الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة يؤيدان تقديم المسيرة السلمية بوساطة الرباعية لحل دولتين للشعبين. وعرض رئيس الولايات المتحدة التزاما مشابها في خطبته في البرلمان التركي في أنقرة وأرسل بذلك رسالة واضحة الى الدول ذات العلاقة وبخاصة الى حكومة اسرائيل الجديدة.

        كانت الدعوات الى فرض قطيعة اكاديمية واقتصادية على الاسرائيليين وعلى المنتوجات الاسرائيلية محدودة في أساسها ولم تحظ بنجاح قبل عملية "الرصاص المصهور". لم تنجح في هذه المرحلة في أن تزداد زخما، لكن ازدياد التوترات الجديدة، والنشاطات الارهابية وتشديد اسرائيل القيود قد تفضي الى محاولات أنجح لفرض قطيعة في دول ما ولا سيما في الدول التي فيها مجموعات كبيرة من المسلمين.

        ان التعاون الذي هو جزء من خطة "يوروماد"، العرجاء في اطارها الحالي، قد يعاني أكثر فأكثر تدهورا ممكنا للعلاقات بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي. عجلت حكومة نتنياهو الاولى التي بدأت عملها في 1969 رجوعا عربيا عن مسيرة برشلونة التي كانت في ذلك الوقت في مراحلها الاولى، وصيغة قبل أشهر من ذلك فقط. لم تنتعش مسيرة برشلونة منذ ذلك الحين، وأصبح الوضع اكثر تعقيدا مع اضافة المبادرة الفرنسية للشراكة الاوروبية – الشرق اوسطية في 13 تموز 2008. ان الفجوة التي تتسع بين اسرائيل وحكومتها الجديدة والدول العربية على البحر المتوسط ستسبب شللا آخر لنشاطات الاطار الجديد. وقد توجد نتيجة محتملة اخرى هي تعزيز علاقات الاتحاد الاوروبي باجزاء مناطق في الشرق الاوسط مع الالتفاف على اسرائيل. تنمو سياسة كهذه الان مع شمال افريقيا لا بسبب النزاع الاسرائيلي الفلسطيني خاصة، بيد أن التوترات بين اسرائيل وجاراتها قد تقوي عدد من الدول في التحالف الاوروبي – الشرق اوسطي، مثل فرنسا واسبانيا، على تقديم هذه العلاقات مع تجاهل مسألة هل توجد علاقات كهذه باسرائيل أيضا.

 

        استنتاجات

        سيكون لعملية "الرصاص المصهور" في ذاتها تأثير محدود في العلاقات بين الاتحاد الاوروبي واسرائيل، برغم ضعف ينبع من تهم استعمال سلاح ما، ونقض حقوق الانسان ودعوى استعمال اسرائيل قوة غير متناسبة. كان تحقيق اسرائيلي عاجل للتهم يساعد كثيرا في مضاءلة الضرر. وكانت حملة سياسية نشيطة تأتي بساسة اسرائيليين كبار الى عواصم اوروبية ووسائل الاعلام الاوروبية تستطيع ان تساعد في تخفيف الانتقاد الموجه الى اسرائيل، لكن اسرائيل غرقت في الحملة الانتخابية بعد زمن قصير من عملية "الرصاص  المصهور"، وستغطي نتائج الانتخابات على العلاقات في المستقبل القريب.

        أحد الفروق الرئيسة في طراز علاقات اسرائيل بالولايات المتحدة من جهة وبالاتحاد الاوروبي من جهة اخرى هو عدم تعلق العلاقات بالولايات المتحدة بوضع تقدم المسيرة السلمية في الشرق الاوسط. لا يوجد في ذلك ما يشير الى عدم انتقاد من قبل الولايات المتحدة او عدم ارتياح اسرائيل لسياسة او نشاطات ما من الولايات المتحدة. مع ذلك يمكن الأمر الولايات المتحدة من أن تلعب دورا رئيسا في المسيرة، أما خطوات عقاب الاتحاد الاوروبي لاسرائيل فتفضي الى عدم استعداد اسرائيل لتمكين الاتحاد الاوروبي من لعب دور أهم وأكثر مركزية. ينبغي ان نؤكد أنه لا توجد أي جهة دولية من المشاركات في الشرق الاوسط ربطت بين علاقاتها باسرائيل وتقدم هذه في المسيرة السلمية او استعدادها لحل دولتين للشعبين.

        لم تجد اسرائيل واوروبا الى الان طريقة لاجراء حوار بناء حتى لو كان نقديا، من غير أن تكون لذلك اثار حاسمة في سخونة العلاقات بينهما. يكمن تفسير ذلك الجزئي في البنية الحالية للاتحاد الاوروبي والتأثير المباشر وغير المباشر لانضمام جماعات مسلمة واليسار الراديكالي في اوروبا، واللذين يقفان زمن المواجهات العسكرية التي تشارك اسرائيل فيها. من جهة اسرائيل يكمن عدم الاستعداد لتمكين اوروبا من لعب دور رئيس في المسيرة السلمية في التجربة التاريخية القديمة والحديثة، ولي الاتحاد الاوروبي القوي جدا لعلاقاته المتبادلة باسرائيل الى المسيرة السلمية.

        سيكون من السذاجة توقع دفء علاقات اسرائيل بالاتحاد الاوروبي في مستوى يشبه علاقات اسرائيل بالولايات المتحدة. مع ذلك يمكن الامتناع عن اضعاف العلاقات الحادث كلما نشأت مواجهة في الشرق الاوسط. بسبب اهمية المنطقة لاوروبا واهمية اوروبا لاسرائيل، تقع المسؤولية عن هذا الوضع على الطرفين.


* تقدير استراتيجي – المجلد 12 – العدد 1 – آيار 2009.

** رئيس معهد أبحاث الأمن القومي.

انشر عبر