بينما يواجه سكان قطاع غزة منذ أشهر أوضاعًا إنسانية وصحية غير مسبوقة بفعل الحرب المستمرة والنزوح الجماعي، تتسع دائرة الأخطار لتشمل انتشار الأمراض المعدية داخل مراكز الإيواء المكتظة، فمع انهيار جزء كبير من المنظومة الصحية، وشح المياه النظيفة، وتراجع خدمات الصرف الصحي، وصعوبة الحصول على الرعاية الطبية، باتت الأمراض تجد بيئة مثالية للانتشار بين مئات آلاف النازحين، ولا سيما الأطفال الذين يشكلون الفئة الأكثر عرضة للإصابة.
وفي ظل هذه الظروف، يبرز "جدري الماء" كأحد أبرز التهديدات الصحية التي تواجه القطاع، بعدما سجلت وزارة الصحة أكثر من "53 ألف إصابة" منذ بداية العام الجاري، في ارتفاع وصفته بأنه "قياسي ومهول"، محذرة من أن تسارع العدوى داخل مخيمات الإيواء يعكس انعدام السيطرة الوبائية، ويثير المخاوف من اتساع رقعة انتشار المرض في ظل محدودية الإمكانات الطبية والوقائية.
ولا يقتصر القلق على ارتفاع عدد الإصابات فحسب، بل يمتد إلى البيئة التي ينتشر فيها المرض، حيث تعيش آلاف العائلات في خيام متلاصقة تفتقر إلى مقومات النظافة والتهوية، مع صعوبة عزل المصابين، واستمرار النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، ما يزيد من احتمالية تفشي الأمراض المعدية ويضع المنظومة الصحية أمام تحديات إضافية في وقت تعاني فيه أصلًا من ضغوط هائلة.
مدير وحدة المعلومات الصحية بوزارة الصحة، زاهر الوحيدي، حذر من تصاعد خطير في انتشار مرض جدري الماء، مؤكدًا أن أعداد الإصابات المسجلة منذ بداية العام الحالي تجاوزت 53 ألف حالة.
وقال الوحيدي في تصريحات صحفية :" إن الوزارة سجلت أكثر من 53 ألف إصابة بجدري الماء منذ مطلع العام الجاري"، مشيرًا إلى أن الارتفاع القياسي والمهول في أعداد الإصابات يمثل مؤشرًا خطيرًا على انعدام السيطرة الوبائية
وأضاف أن المرض ينتشر بوتيرة متسارعة داخل مخيمات الإيواء، التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الإمكانات العلاجية وقواعد السلامة الصحية، ما يزيد من مخاطر انتقال العدوى واتساع رقعة انتشارها.
وأوضح أن الظروف الإنسانية المتردية، والاكتظاظ داخل مراكز الإيواء، ونقص الخدمات الصحية، تشكل بيئة خصبة لتفشي الأمراض المعدية، داعيًا إلى تدخل عاجل لتعزيز الإجراءات الوقائية وتوفير المستلزمات الطبية اللازمة للحد من انتشار المرض.
ويُعد "جدري الماء" مرضًا فيروسيًا شديد العدوى يسببه فيروس الحماق النطاقي (Varicella-Zoster)، وينتقل بسهولة عبر الرذاذ المتطاير من المصاب أثناء السعال أو العطس، أو من خلال الملامسة المباشرة للطفح الجلدي أو الأدوات الملوثة. وتبدأ أعراضه عادة بارتفاع في درجة الحرارة والشعور بالإرهاق، قبل ظهور طفح جلدي يتحول إلى بثور مملوءة بالسوائل تنتشر في أنحاء الجسم.
ويؤكد مختصون أن الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للإصابة بالمرض، فيما قد يكون أكثر خطورة على الرضع والحوامل وذوي المناعة الضعيفة، خاصة في ظل سوء التغذية ونقص الأدوية، وهو ما قد يزيد احتمالية حدوث مضاعفات تستدعي تدخلًا طبيًا عاجلًا.
وبينما تتواصل الإصابات بالارتفاع، تبدو مراكز الإيواء في قطاع غزة أمام تحدٍ صحي جديد يضاف إلى سلسلة الأزمات التي خلفتها الحرب، ومع استمرار الاكتظاظ، ونقص المياه النظيفة، وتراجع الخدمات الطبية، يحذر مختصون من أن احتواء انتشار جدري الماء سيظل مهمة بالغة الصعوبة ما لم تتوفر استجابة عاجلة تعزز إجراءات الوقاية، وتدعم القطاع الصحي، وتحسن الظروف المعيشية داخل أماكن النزوح، لتجنب تفاقم الأزمة وتحولها إلى تهديد أوسع للصحة العامة في غزة