قائمة الموقع

الموقف الفلسطيني في مفاوضات القاهرة.. التحديات والتوجهات

2026-06-10T12:57:00+03:00
وسام أبو شمالة
فلسطين اليوم

بدأت الفصائل الوطنية الفلسطينية حوارات مكثفة في القاهرة للتوصل إلى رؤية مشتركة، والعمل على صوغ موقف فلسطيني موحد للتعامل مع الواقع المعقد في قطاع غزة، والذي أعقب اتفاق وقف إطلاق النار. بيد أن الاحتلال الإسرائيلي، وكعادته، لم يلتزم باستكمال المرحلة الأولى، ويسعى للقفز إلى بند واحد وحيد وهو الشروع في نزع سلاح الطرف الفلسطيني، الأمر الذي رفضه الأخير، مطالباً بالالتزام المتبادل بمراحل الاتفاق، في ضوء رفع مستوى العدوان الإسرائيلي اليومي المتواصل على غزة، وزحف قواته والاستيلاء على مزيد من الأراضي خارج إطار ما يعرف ب "الخط الأصفر"، ضمن خطة أعلنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للسيطرة على 70% من أراضي غزة.

كما يستمر الواقع الإنساني الصعب في قطاع غزة، ولا يزال نحو 2 مليون مواطن فلسطيني نازحاً، ويوجد في القطاع نحو 68 مليون طن من الأنقاض، وتُقدّر تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 70 مليار دولار.

وفي إطار مهامه، طرح رئيس اللجنة التنفيذية لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، خطة، عكست في مجملها الموقف الإسرائيلي وقُدّمت الخطة إلى الطرف الفلسطيني.

وتشمل المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تولي اللجنة الوطنية لإدارة غزة المسؤولية في قطاع غزة، بالتزامن مع نشر قوة الاستقرار الدولية، والتعامل مع موضوع السلاح ، وربطه بوتيرة انسحاب "الجيش" الإسرائيلي، من خلال خطوات محددة تشرف عليها قوة الاستقرار الدولية.

وتنص الخطة، على أنه لن يُسمح بدخول مواد إعادة الإعمار إلى قطاع غزة، إلا إلى المناطق الخاضعة لسيطرة لجنة التكنوقراط الفلسطينية، في إطار السعي إلى تحقيق "سلطة واحدة - قانون واحد - سلاح واحد".

موقف السلطة الفلسطينية:

السلطة الفلسطينية تتبنى استراتيجية الترقب والانتظار، ويتجنب رئيسها محمود عباس أبو مازن الانخراط في إدارة قطاع غزة، ويعود ذلك إلى إدراك السلطة أن الحكومة الإسرائيلية لا ترغب في السماح لها بترسيخ وجودها في القطاع، إلى جانب حرص السلطة على الحفاظ على موقعها في الضفة الغربية المحتلة في ظل تزايد الضغوط الإسرائيلية عليها، كما تخشى السلطة نجاح لجنة التكنوقراط الفلسطينية، خشية أن يؤدي ذلك إلى محاكاة النموذج نفسه في الضفة الغربية المحتلة.

موقف الوفد الفلسطيني المفاوض:

يتشكل الوفد الفلسطيني المفاوض في القاهرة من غالبية الفصائل الفلسطينية بما فيها التيار الإصلاحي لحركة فتح بقيادة محمد دحلان، ويغيب عن الوفد السلطة الفلسطينية وحركة فتح بقيادة محمود عباس.

يطالب الوفد الفلسطيني بإتمام التزامات الطرف الإسرائيلي بالمرحلة الأولى، ووقف الاغتيالات، والانسحاب من الأراضي الواقعة غرب الخط الأصفر، وإدخال المساعدات كما نص عليه الاتفاق، وفتح المعابر بما فيها معبر رفح والسماح بحرية الحركة للأفراد والبضائع، وإدخال مستلزمات الإيواء وبدء إعادة الإعمار، الأمر الذي يمهد الأرضية لبدء مفاوضات المرحلة الثانية.

ويبدي الطرف الفلسطيني مرونة باستعداده لمناقشة المرحلة الثانية، بما في ذلك مسألة السلاح، قبل أن تفي "إسرائيل"، بالتزاماتها في المرحلة الأولى، لكنه يرفض تنفيذ أي من بنود المرحلة الثانية فعلياً قبل اكتمال المرحلة الأولى. إضافةً إلى ذلك، فهو مستعد للدخول الفوري للجنة الوطنية لإدارة غزة، بيد أن الطرف الفلسطيني يرفض بتاتاً الربط المباشر بين انسحاب "الجيش" الإسرائيلي ووتيرة التعامل مع السلاح، الأمر الذي سيُمكّن "إسرائيل" من مواصلة الضغط والعدوان، والمطالبة بخطوات إضافية قبل الانسحاب.

كما يرفض الفلسطينيون في القاهرة مناقشة موضوع السلاح في إطار المطالب الإسرائيلية، بل بحثه في الإطار الوطني ضمن رؤية توحيد الجهات الأمنية في قطاع غزة ومنح السلطة الأمنية لحكومة التكنوقراط الفلسطينية، على أن يحتفظ كوادر المقاومة بأسلحتهم الشخصية والخفيفة ما دام خطر العدو والمتعاونين معه قائماً، كما يشدد الجانب الفلسطيني على حلّ المليشيات المتعاونة مع الاحتلال.

يتسم الموقف الفلسطيني من خطة ملادينوف، التي تدعمها "إسرائيل " وتحظى بموافقة من الوسطاء والضامنين، بالتعقيد الشديد والصعب للغاية، في ضوء الضغوط الهائلة على الطرف الفلسطيني، على صعيد الواقع الإنساني غير المحتمل في قطاع غزة، واستمرار العدوان دونما رادع، ومواقف الوسطاء والضامنين المتفهم لخطة ملادينوف إلى حدٍ كبير، وفي ضوء عدم وضوح مدى ارتباط جبهة غزة، كما جبهة لبنان، ضمن معادلات الاشتباك التي نجحت إيران إلى حد كبير في فرضها وتثبيتها في اتفاق وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة و "إسرائيل"، وسعت الأخيرة لاختبار النيات الإيرانية عبر عدوانها الأخير على الضاحية الجنوبية لبيروت، ما دفع إيران إلى تنفيذ تهديدها بقصف شمال فلسطين المحتلة بالصواريخ.

على الرغم من تعقيدات الموقف الفلسطيني، فإن تنفيذ المخطط بصيغته السابقة غير ممكن، الأمر الذي سيفرض على مختلف الأطراف البحث عن صيغ أكثر واقعية، وفي حال فشلت، فإن ملادينوف، سينتقل إلى تنفيذ المادة 17 من خطة النقاط العشرين لترمب، والتي تنص على التنفيذ الجزئي للخطة، في المناطق التي تخضع لسيطرة الاحتلال، أو أن يستمر الوضع الراهن كما هو، على الأقل حتى انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، ومعرفة مآلات الحرب/المفاوضات على الجبهتين الإيرانية واللبنانية.

من جهة السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، ستراهن على فشل تنفيذ الخطة، على أمل أن تدرك "إسرائيل" والإدارة الأميركية أنها الخيار المفضل والواقعي، في ضوء تجربتها الأمنية "الناجحة" في الضفة الغربية المحتلة، وفي ضوء خصومتها مع حركة حماس، بيد أن الطرفين الإسرائيلي والأميركي بدعم من دولة الإمارات، إلى جانب قبول مختلف القوى الفلسطينية، ستظهر قبولاً للعب دور ما للقيادي الفلسطيني محمد دحلان، الأمر الذي ظهر في تشكيلة لجنة التكنوقراط الفلسطينية، التي لا يخفي عدد من كوادرها صلتهم بتياره، وقد تُصبح لجنة التكنوقراط الجهة الأكثر قبولاً لدى مختلف الفاعلين باستثناء السلطة الفلسطينية.

بسبب خشيتها من أن يؤدي نجاح اللجنة إلى رغبة إسرائيلية وأميركية في تكرار النموذج نفسه في الضفة الغربية المحتلة.

إن الطرف الفلسطيني المفاوض في القاهرة لن يوافق على نزع السلاح بالطريقة التي تطالب بها "إسرائيل"، والخيار الذي يمكن أن يدفع الطرف الفلسطيني لإبداء مواقف أكثر واقعية، في ضوء التحديات القائمة، أن يتم التنفيذ العملي للمرحلة الأولى، ووقف القتل والعدوان والاغتيالات، وتوسيع نطاق الإغاثة والمساعدات، وفتح المعابر، وانسحاب "الجيش" الإسرائيلي من الأراضي التي احتلها خارج إطار "الخط الأصفر"، ودخول لجنة التكنوقراط الفلسطينية إلى قطاع غزة، وعدم طرح مسألة تسليم السلاح للاحتلال، والاحتفاظ بالسلاح الشخصي والخفيف، وضمان الأمان الوظيفي لكوادر السلك المدني والشرطي.

كما يمكن للموقف الفلسطيني أن يتخذ شكلاً أكثر صلابة في حال تلقت ضمانات من محور المقاومة بقيادة إيران، بضم جبهة غزة في إطار قواعد الاشتباك على غرار الحالة اللبنانية.

 

اخبار ذات صلة