آلاف يتقدمون، وقليلون يُقبلون، وكثيرون ينتظرون فرصة أخرى. فرغم الرغبة والقدرة، لا يتاح للجميع أداء الفريضة، إذ تخضع عملية تنظيم الحج لنظام دولي دقيق يعرف بـ "نظام الحصص".
تحدد المملكة العربية السعودية لكل دولة عددًا ثابتًا من الحجاج، وفق قاعدة "حاج واحد لكل ألف مسلم من السكان"، وذلك بالتنسيق مع منظمة التعاون الإسلامي.
وفي دول كثيرة، تجرى قرعة لاختيار الأسماء المقبولة من بين المتقدمين، وفق معايير عمرية وزمنية تختلف من بلد إلى آخر.
حين أقر نظام الحصص رسمياً عام 1987، لم يكن ذلك مجرد قرار إداري، بل استجابة ضرورية لتزايد عدد المسلمين حول العالم، وما رافقه من ارتفاع مستمر في أعداد الراغبين بأداء الفريضة. وكان الهدف واضحًا: الحد من مخاطر الازدحام والتدافع، وتنظيم موسم الحج بما يتناسب مع قدرات البنية التحتية المتاحة.
قبل اعتماد هذا النظام، تنظيم الحج لم يكن قائمًا على نسب أو أرقام محددة، بل كان مفتوحًا أمام كل من استطاع إليه سبيلًا؛ لكن مع تزايد الأعداد ومحدودية القدرة الاستيعابية للمشاعر المقدسة، كان لا بد من تنظيم هذه الأعداد.
مع ازدياد الضغط على المشاعر المقدسة في السبعينيات، بدأت المملكة محاولات لتنظيم الحشود. لكنها لم تكن كافية لتجنب الكارثة التي ستقع لاحقًا.
في صباح العاشر من ذي الحجة، الموافق 2 تموز/ يوليو 1990، شهد موسم الحج واحدة من أفظع الكوارث في تاريخه الحديث، فداخل نفق المعيصم، وهو نفق للمشاة يبلغ طوله نحو 550 مترًا ويربط مكة بمنطقة مِنى، وقع حادث تدافع مروّع.
وأثناء توجه الحجاج لأداء شعيرة رمي الجمرات، تسبب انهيار حاجز على جسر فوق النفق في سقوط عدد من الحجاج، ما أدى إلى إغلاق مخرجه واحتجاز آلاف الأشخاص داخله. ومع ارتفاع درجات الحرارة وتعطل نظام التهوية، تحول النفق إلى مصيدة قاتلة، وأسفر الحادث عن وفاة 1,426 حاجًا، معظمهم من دول جنوب وجنوب شرق آسيا، مثل ماليزيا وإندونيسيا وباكستان.
ومنذ ذلك الحين، أصبح نظام الحصص أداة أساسية لإدارة موسم الحج وضمان سلامة الملايين. ورغم أن النظام يقوم نظريًا على معادلة بسيطة، فإن تطبيقه على الأرض أكثر تعقيدًا، إذ تتداخل السياسة والظروف الطارئة مع تفاصيل التنظيم.
ففي عام 2016، غابت بعثة الحجاج الإيرانيين بالكامل عن موسم الحج، بعد توتر دبلوماسي كبير بين طهران والرياض على خلفية حادثة مِنى عام 2015، حين توفي مئات الحجاج في تدافع مأساوي قرب الجمرات، بينهم عدد كبير من الإيرانيين. وأدى عجز الطرفين عن التوصل إلى اتفاق بشأن ترتيبات الحج إلى غياب الحجاج الإيرانيين عن ذلك الموسم.
أما في صيف عام 2017، فقد تزامنت بداية موسم الحج مع اندلاع أزمة الخليج وقطع العلاقات بين السعودية وقطر. ورغم إعلان الرياض أن الحصة القطرية محفوظة، فإن غياب البعثة الرسمية القطرية، وما رافقه من قيود عملية على السفر، صعّب مشاركة الحجاج القطريين، وانعكس تراجعًا كبيرًا في أعدادهم.
وفي عامي 2020 و2021، واجه موسم الحج ظرفًا استثنائيًا تمثل في جائحة كورونا. ولأول مرة منذ قرون، أغلقت أبواب الحج أمام الحجاج من خارج المملكة، واقتصر الموسم على أعداد محدودة من داخلها، التزامًا بالتدابير الصحية ومنعاً لتفشي الوباء.
وفي حالات أخرى، انعكست الأزمات السياسية الداخلية على ترتيبات الحج.
بمجرد أن تحدد السعودية حصة كل دولة من الحجاج، تنتقل مسؤولية التنفيذ إلى الحكومات والهيئات المحلية في تلك الدول، حيث تختلف الآليات التنظيمية باختلاف الأنظمة.
ولتحديد من سيمنح فرصة أداء الفريضة، تلجأ معظم الدول إلى نظام القرعة. وتختلف طريقة تطبيق هذا النظام من بلد إلى آخر، لكن الهدف يبقى واحدًا "إرساء قدر من العدالة في توزيع الفرص".
وهكذا، لا يكون الحصول على موافقة لأداء الحج مسألة إمكانيات مالية أو لوجستية فقط، بل يصبح أيضًا مسألة انتظار ومعايير وإجراءات بيروقراطية قد تستمر لسنوات، لا سيما في الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة.