في الوقت الذي تعاني فيه السلطة الفلسطينية، من ضائقة مالية كبيرة خلال السنوات الماضية، تعجز فيها عن دفع رواتب موظفيها بشكل كامل ومنتظم، في ظل تراجع الدعم الخارجي وارتفاع حجم الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة، تطفو على السطح نقاشات حول توجه أمريكي بتحويل جزء من عائدات الضرائب التي تحجبها عن السلطة الفلسطينية، إلى مجلس السلام الذي شكله الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وذلك لتمويل خطته لمرحلة ما بعد الحرب في غزة.
وقالت مصادر مطلعة لـ"رويترز"، أن أمريكا تدرس مطالبة إسرائيل بتحويل جزء من عائدات الضرائب التي تحجبها عن السلطة إلى مجلس السلام وذلك لتمويل خطته لمرحلة ما بعد الحرب في غزة، التي تقدرها السلطة بـ5 مليارات دولار.
وأوضحت ثلاثة مصادر، وهم مسؤولون مطلعون على المباحثات الأميركية مع إسرائيل، أن إدارة ترمب لم تحسم أمرها بعد بشأن تقديم طلب رسمي إلى إسرائيل.
وأفاد مصدران آخران، وهما فلسطينيان مطلعان على المباحثات، بأن المقترح ينص على تخصيص جزء من عائدات الضرائب لحكومة انتقالية مدعومة من الولايات المتحدة في غزة، وجزء آخر للسلطة الفلسطينية في حال قيامها بإجراء إصلاحات.
و"مجلس السلام" هيئة أعلن ترامب، في 15 يناير/ كانون الثاني الماضي، تشكيلها ضمن خطته لمرحلة ما بعد الحرب في غزة، بهدف الإشراف على إعادة الإعمار وإدارة التمويل والمشاريع المدنية والأمنية في القطاع. ويعد المجلس واحداً من أربعة هياكل خُصصت لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، إلى جانب اللجنة الوطنية لإدارة غزة (التكنوقراط)، ومجلس غزة التنفيذي، وقوة الاستقرار الدولية، وفقاً لخطة ترامب لإنهاء الحرب في القطاع.
ويضم المجلس شخصيات فلسطينية وعربية ودولية، ويعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة ودول إقليمية، في إطار مساعٍ لإقامة إدارة جديدة في غزة بعيداً عن حركة المقاومة الفلسطينية "حماس". وأثار المشروع جدلاً واسعاً، في ظل غموض صلاحيات المجلس وآلية تشكيله، إضافة إلى رفض فلسطيني لفكرة أي ترتيبات تفرض خارج إطار التوافق الوطني الفلسطيني.
أما أموال المقاصة، فهي عائدات الضرائب والجمارك التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية على السلع الواردة إلى الأراضي الفلسطينية عبر المعابر التي تسيطر عليها، وذلك بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994. وتشمل هذه الأموال ضرائب الاستيراد وضريبة القيمة المضافة والمحروقات، وتحوّل شهرياً إلى السلطة الفلسطينية، وتشكل المصدر الأساسي لإيراداتها المالية.
وخلال السنوات الأخيرة، احتجزت إسرائيل مراراً أجزاء من أموال المقاصة أو جمّدت تحويلها بالكامل، بذريعة دفع السلطة الفلسطينية مخصصات لعائلات الأسرى والشهداء، أو على خلفية التوترات السياسية والأمنية. وتسببت هذه الاقتطاعات بأزمات مالية متكررة للسلطة الفلسطينية، انعكست على قدرتها على دفع رواتب الموظفين وتغطية النفقات الأساسية.
وأزمة السلطة، أدت لتراكم الديون والتزامات الحكومة تجاه القطاعين العام والخاص، وسط تحذيرات متكررة من تفاقم الأزمة الاقتصادية وتداعياتها على الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية في الضفة الغربية.
بدوره، رفض مجلس السلام التعليق على ما إذا كان اقتراح استخدام أموال الضرائب الفلسطينية قيد الدراسة.
وقال مسؤول في المجلس إنه طلب من جميع الأطراف الاستفادة من الموارد لدعم خطة ترمب لإعادة الإعمار، التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.
المحلل والخبير بالشؤون الاقتصادية هيثم دراغمة، حذر من أن مقترح واشنطن في تحويل أموال المقاصة لـ "مجلس السلام" يهدف إلى تقويض الدور الأوروبي في الضغط على إسرائيل بشأن تحويل أموال المقاصة إلى السلطة الفلسطينية، في وقت كان فيه الاتحاد الأوروبي قد صعّد خلال الأسبوع الماضي من انتقاداته لاحتجاز تلك الأموال.
ورأى دراغمة، أن طرح ترامب فكرة تحويل أموال المقاصة إلى “مجلس السلام”، تزيد من تعقيد الأزمة المالية في الضفة وتُضعف قدرة السلطة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها.
وأكد أن هذه التحركات تهدد الاستقرار المالي في الضفة وتقوض اتفاق باريس الاقتصادي، وتحول القرار المالي الفلسطيني إلى أداة خاضعة للضغوط والابتزاز السياسي.
ويشير دراغمة إلى أن هذه الخطوة، في حال تنفيذها، "لن تكون مجرد إجراء مالي، بل ستتحول إلى أداة لإعادة هندسة العلاقة بين الممول والسلطة الفلسطينية، بما يضعف استقلال القرار المالي الفلسطيني". ويتابع: "ما يجري يضيف طبقة جديدة من التعقيد على الأزمة المالية في الضفة الغربية، ويزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي، ويهدد قدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه الموظفين والخدمات".
ويفاقم استمرار احتجاز أو تأخير تحويل أموال المقاصة الفلسطينية من قبل "إسرائيل" الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية بشكل مباشر، فيما يبقى إعادة توجيه قسرية لهذه الأموال "وبالاً" قد يعمّق الأزمة ويزيد من الانقسام السياسي والاقتصادي المترهل.