شريط الأخبار

باصرار وحساسية..يديعوت

11:35 - 31 حزيران / يوليو 2009

بقلم: اليكس فيشمان

علاج نفسي. هذه المرحلة التي نمر فيها الآن عند الامريكيين. الادارة الامريكية الجديدة ادركت فجأة انها قد ادخلت اسرائيل في حالة خوف من الفقدان وانها غير قادرة على التعاون في هذا الوضع العاطفي. لذلك يقومون الان بتغليفنا بالكثير من الاهتمام والاصغاء والتنسيق. يتحدثون بصورة جيدة وليس بلهجة الانذارات. فجأة ادركت واشنطن انها اهملت ساحة هامة وحساسة:- الجمهور الاسرائيلي.

اوباما توجه للعالم كله:- العرب، الاتراك، الايرانيون، والصينيون حتى. هو اعتقد ان عنايته ليهود امريكا ستعفيه من التوجه للاسرائيليين. الخبراء من حوله اعتقدوا انه ان نظم مأدبة عيد الفصح في البيت الابيض والقى خطابا انفعاليا في بوخنفالد فقد امسك بعصفورين بحجر واحد.

يهود امريكا اعجبوا بذلك جدا الا ان قصة الغرام مع الاسرائيليين لم تبدأ في السخونة بعد. على العكس. فجوة الاسلوب الحادة بين ادارة بوش وادارة اوباما تسببت بالشعور في البلاد بأن العالم كله ضدنا بما فيهم الامريكيون الذين يفرطون بنا وحدنا في مواجهة ايران ويحشروننا عند الجدار في القضية الفلسطينية.

احد عرابي التغيير في النهج الامريكي هو ايهود باراك يعتبر سلوكهم الحالي "صحوة" الا ان ذلك مضلل. الامريكيون لم يصحوا من اي شيء. هذا بالنسبة لهم اصلاح خطأ ولكنه خطأ في الاسلوب وليس في الجوهر.

وهكذا في اطار العلاج وفي ذروة الحر الصيفي انهالت علينا ثلاثة وفود امريكية رفيعة دفعة واحدة وفي جعبتها عدة رزم تعبر عن النوايا الطيبة في اربع مسارات:- ايران، العملية السياسية مع الفلسطينيين، تسوية اقليمية شاملة وتدور الزوايا في مجال تجميد البناء في الضفة. ثلاث وفود وكل له اجندته الا انها ترمي الى هدف واحد:- تبديد المخاوف التي تساورنا.

 

 

خريطة طريق جونز

الزيارة الاهم كانت لرئيس مجلس الامن القومي جيمس جونز الذي التقى بوزير الدفاع ووزراء السداسية ورئيس هيئة الاركان ورئيس الموساد ورئيس الشاباك.

المسألة المركزية:- ايران جونز هو احد الخبراء الكبار في ادارة اوباما في قضية الامن القومي الاسرائيلي. خلال مهمته الطويلة في المنطقة – قبل سنة – اعد دراسة شاملة حول احتياجات اسرائيل الامنية في المرحلة التي تتلو انسحاب امريكا من العراق بدءا بغلاف التهديد الايراني وانتهاء بالفلسطينيين. بكلمات اخرى:- هو لم يأت الى هنا لدراسة الأمر وانما لطرح الموقف الامريكي وتنسيق الخطوات المستقبلية في مواجهة ايران مع اسرائيل.

قبل زيارة جونز ارسل وزير الدفاع روبرت غيتس نحو اسرائيل رسالة مطمئنة مماثلة:- هو بسط امام القيادة الامنية الاسرائيلية "خطة طريق" الامريكيين في مواجهة ايران. نقطة الانطلاق تشير الى ان احتمالات الحوار مع طهران متدنية جدا. وليس لان امريكيا لا تريد ذلك. الانتخابات الاشكالية التي جرت هناك والضعف الذي اصاب قوة القيادة تمخض عن وضع منشغل فيه نجاد الان في مشاكله الداخلية وهناك شك في ان يقدم على قرارات معمقة في مجال الذرة في وضع كهذا. اسرائيل في الوقت الحالي ما زالت تحصي اجهزة الطرد المركزية.

طاقم جونز وجد نفسه في هذا الاسبوع وهو يحاول اصلاح المقولة البائسة التي قالتها هيلاري كلينتون عندما صرحت بأن أمريكا لن تقبل بقيام الايرانيين بالمس بحلفائها. هذه المقولة اثارت الانطباع هنا وفي العالم بأن واشنطن قد سلمت بوجود السلاح النووي الايراني. جونز وغيتس اكدا خلال زيارتهما انهما لا ينويان السماح لايران بالحصول على السلاح النووي. في القدس وفي مقر وزارة الدفاع تنفسوا الصعداء.

جونز تحدث عن المرحلة التالية من التصرف مع ايران بين ايلول (2009) وكانون الاول (2009) (بعد ان ينهار الحوار):- امريكا وحليفاتها سيبلورون وحدة صف من الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية ويحاولوا تجنيد روسيا والصين. الرباعية الدولية بالمناسبة بدأت ببلورة خطة لفرض العقوبات. من الواضح لهم ان محاولات جسر الهوة لن تتمخض عن شيء. وفي اسرائيل طبعا هناك رضى من عدم انتظار اوروبا للامريكيين.

2010 سيكون وفقا لوجهة نظر الادارة الامريكية عاما حاسما في القضية الايرانية ووفقا للمعلومات امريكا لا تتحدث الان عن خطوة عسكرية او اعطاء ضوء اخضر لاسرائيل الا انها لا تلغي هذا الخيار.

من قابل جونز في هذا الاسبوع وجده شخصا موضوعيا (لا معنا ولا ضدنا) وباردا وعمليا. ليس صدفة انه قد تفرغ لمعالجة المسألة الايرانية الان فقط، لان اهتمامه كان منصبا على الباكستان التي اوشكت على الانهيار – مع القنبلة الذرية – تحت ضغط الطالبان. جونز نجح في دفع حكومة اسلام اباد للقيام بخطوة واخراج ثلاث فرق عسكرية لمحاربة المتمردين الاسلاميين، كما ان اتصالاته هنا في المسألة الايرانية لم تكن نظرية وانما باردة وموضوعية وعملية:- ركزوا على المعطيات والخطط والتنسيق. بعض الشك الذي يساورنا تبدد بعد زيارته. بالمناسبة دنيس روس ايضا موجود في البلاد انه مشغول بحدث عائلي مفرح يجري هنا.

زيارة خاطفة من غيتس

هناك اهمية رمزية لزيارة غيتس. هو كان في طريقه للعراق وافغانستان وقد عرج الى البلاد برفقة كبار الضباط في الجيش والبنتاغون.

الامريكيون حصوا حتى الان على عدم خلط الزيارة للعراق وافغانستان بزيارة اسرائيل. الا ان زيارة غيتس هذه كسرت هذه القاعدة وقد جاء للتوضيح بأن اسرائيل حليف هام وان امريكا تضمن أمنها بلا شك.

الشعور حتى الان بأن عهد اوباما قد ادار ظهر امريكا لاسرائيل تمخض عن رد فعل متسلسل في العالم العربي عموما وعند الفلسطينيين خصوصا. طرف سياسي بارز في اسرائيل قال بلغة دبلوماسية:- الفلسطينيون اصبحوا اكثر جرأة وهم لا يأتون للقاءات الى ان نجمد البناء في المستوطنات.

يتبين ان واشنطن ايضا قد ادركت الضرر المتراكم الناجم عن الشعور بأن اسرائيل لا تمتلك محسوبية في الولايات المتحدة، وزيارة غيتس للبلاد رمت الى اصلاح هذا الانطباع بدرجة معينة. اهمية هذه الزيارة تكمن في حقيقة اجرائها في الوقت الحاضر بالتحديد.

صيغة ميتشيل

في الايام الطبيعية كان الوفد الثالث يحتل عناوين الصحف. اما في هذه المرة فقد كان في المرتبة الثانية من حيث الاهمية. المبعوث الخاص جورج ميتشل جاء الى هنا في نهاية الاسبوع لمواصلة التفاوض حول القضايا التي تعكر صفو العلاقات بيننا وبين الادارة الامريكية: تجميد المستوطنات، ازالة البؤر الاستيطانية، التسويات الدائمة. كل ما لا يحبون في اسرائيل ان يفعلوه.

الا ان ميتشل قد جاء في الايام التي يصعب جدا فيها زحزحة الامور في هذا المجال لان الفلسطينيين يوشكون على عقد المؤتمر السادس لحركة فتح وحتى انتهائه الاسبوع القادم ستكون الاتصالات مجمدة تماما. في المقابل يمر رئيس الوزراء نتنياهو الان بذروة صراعات مريرة في الكنيست بدءا بقانون موفاز وانتهاء بقانون الاراضي. كل عبارة حول تجميد البناء قد تعرقل هذه التحركات السياسية.

مؤتمر فتح هو في الواقع من صنع يدي ادارة اوباما. الامريكيون يسعون من خلال مؤتمر فتح الوصول الى تعزيز الاجماع في فتح على الاقل حول ابو مازن. في يوم الثلاثاء وان جرى كل شيء كما خطط له سيجتمع 1500 حتى 1800 مندوب من الحركة من كل العالم بما في ذلك غزة في بيت لحم للتعبير عن مبايعة القائد. هذا الكونغرس جاء في الواقع كبديل عن انتخابات السلطة التي لا يرغب بها احد.

مؤتمر فتح لم يعقد منذ 20 عاما والامريكيون يدركون ان هذا ينطوي على مغامرة. ان فجر لسبب ما فان النتائج قد تكون معاكسة تماما. لذلك يسير اتباع ميتشل الان على اطراف اصابعهم في رام الله وفي اسرائيل. والتخطيط لمؤتمر فتح يتم بمستوى بروز منخفض وبحذر. الخوف هو من ان يؤدي خطأ صغير الى تدمير الخطوة.

في اسرائيل ايضا ارسل المستوى السياسي      تعليمات لكافة الاذرع التنفيذية بعدم ارتكاب اي خطأ لا اداريا ولا ميدانيا من اجل عدم تشويش المؤتمر الفلسطيني المنعقد الهام جدا للولايات المتحدة.

وهذا هام جدا للادارة الامريكية لدرجة انها جندت توم بيكرنغ – احد الدبلوماسيين البارزين سابقا والمقرب جدا من اوباما الذي نافس ميتشل على منصب المبعوث الاقليمي – لاجراء اتصالات مباشرة مع حماس (؟) بيكرنغ ليس مبعوثا رسميا ولذلك ليست هناك اتصالات بين الطرفين من الناحية الرسمية الا انه قابل قادة حماس في الاسابيع الاخيرة بما في ذلك في جنيف في الاسبوع الماضي. على جدول الاعمال: عدم قيام حماس بعرقلة عقد مؤتمر فتح وكيف يمكن لهنية والزهار التعايش مع قيادة ابو مازن.

بكلمات اخرى: هل ستسمح حماس لـ 400 ممثل من فتح من غزة للدخول الى بيت لحم. والى جانب الرشوة التي يقترحها الامريكيين على صورة الاسمنت الذي ستسمح اسرائيل بادخاله هناك تهديد اطلقته السلطة لحماس: ان لم تسمحوا بالخروج فسنشن موجة اعتقالات لاتباعكم في الضفة لن تشهدوا لها مثيلا من قبل.

اذا فان المبعوث الخاص لا يقوم في الوقت الحالي بتقريب عملية الحوار بين الاسرائيليين والفلسطينيين، ومن الناحية الاخرى هناك تطورات هامة في قضية  تجميد البناء. وزير الدفاع اقترح على ميتشل 2480 وحدة سكنية تمر الان في مراحل البناء والامريكيون يقبلون حقيقة ان بناء بعض هذه  الوحدات سيستكمل وانها ستصبح مأهولة بالسكان.

وما زال هناك خلاف حول مطلب تجميد البناء المطلق في المستوطنات. في اسرائيل يتحدثون عن تجميد لنصف عام وامريكا تطالب بعام على الاقل. في اسرائيل يقولون : في ختام نصف عام من التجميد ان لم يحدث تطور في المفاوضات سيرفع التجميد. الامريكيون يقولون: لا فالتجميد يجب ان يتواصل حتى وان لم تكن هناك مفاوضات.

مع ذلك ادركوا في اسرائيل ان ميتشل جاهز لان يكون اكثر صبرا بصدد ازالة البؤر الاستيطانية غير القانونية وانتظار بضعة اسابيع وربما اشهر. جهاز الدفاع يفضل معالجة هذه البؤر عند عودة التلاميذ الى المدارس خصوصا المعاهد الدينية اي انتظار انتهاء العطلة الصيفية الكبيرة.

نصف اوباما

الحقيقة هي ان ميتشل يملك في جيبه صيغة تقول التالي: لن يسمح لاسرائيل بالبناء خارج المنطقة العمرانية الحالية. بما ان 14 في المائة من المساحة المخططة للبناء في الضفة وفقا للخطط الاسرائيلية قد استغلت فلن تبدأ أي اعمال بنية تحتية في الـ 86 في المائة المتبقية وهذا يشمل توسيع المستوطنات واقامة احياء جديدة.

هذه الصيغة قد تكون جزءا من خطة تسوية اقليمية يعدها ميتشل للرئيس ولكنه لا يسارع الان لابرازها. ان قبل نتنياهو اية صيغة من صيغ التجميد فسيقدمها هو كبادرة لاوباما في  اللقاء المتوقع بينهما في اواخر آب.

اتباع ميتشل تحدثوا في هذا الاسبوع مرة اخرى عن المؤتمر الدولي. هم قضوا اسابيع طويلة هنا في الاشهر الاخيرة وقاموا بدراسات حول كل المفاوضات مع الفلسطينيين منذ اوسلو. لماذا نجحت هذه الخطوة ولماذا فشلت تلك. هم قرأوا ورقة ورقة وسجلوا استخلاصاتهم. صيغة انابوليس لم تعجبهم كثيرا. صيغة مدريد في المقابل راقت لهم جدا.

ميتشل يضع نصب عينيه مؤتمرا دوليا كخطوة لتحريك عملية اقليمية وباراك حليف له في هذا التصور حيث يعتقد هو ايضا ان الحل الفلسطيني يجب ان يكون جزءا من الحل الاقليمي الشامل.

باراك ايضا يعطي الامريكيين شعورا بانه يستطيع تجنيد نتنياهو لهذه الخطوة بما في ذلك مع السوريين. في نفس الفرصة يطلب منهم ان تقوم الدول العربية بسلسلة خطوات للتعبير عن حسن نواياهم من اجل تسهيل قيام الحكومة الاسرائيلية باتخاذ قرارات صعبة مع المستوطنين. الامر يتعلق بخطوات مثل تبادل المحاضرين والكتاب والفنانين والاكاديميين واجراء مقابلات في وسائل الاعلام الاسرائيلية واعادة مكاتب المصالح وفتح الاجواء امام الطيران الاسرائيلي المدني.

في قضية الاجواء المفتوحة وافقت عدة دول عربية على ذلك الا ان اهم هذه الدول بالنسبة لاسرائيل قالت لا. التحليق فوق دول الخليج او المغرب سيكون لطيفا جدا ولكن الطيران فوق السعودية يقصر الطريق الى الشرق البعيد بدرجة كبيرة وميتشل سيسعى لاقناع السعوديين.

معنى المؤتمر الدولي، وفد اسرائيلي واحد قبالة السوريين ووفد ثان قبالة الفلسطينيين وثالث قبالة ممثلي "بقية العالم العربي". مؤتمر كهذا ينخرط في هيكل الجدول الزمني الذي تفرضه الادارة الامريكية على الشرق الاوسط: في اواسط آب بعد مؤتمر فتح سيعود ميتشل للمنطقة ليحث المفاوضات بين اسرائيل والسلطة. في آخر الشهر يلتقي اوباما ونتنياهو ويتفقان حول مبادىء التسوية الاقليمية. خطة ميتشل للتسوية الاقليمية ستتحول حينئذ في الواقع الى خطة رئاسية سيعلن عنها في اواخر ايلول من على منبر الجمعية العمومية للامم المتحدة.

المؤتمر الدولي سينعقد في شهر كانون الثاني وتبدأ مفاوضات لمدة عام. الامر الذي يوصلنا الى كانون الثاني 2011 اي نصف فترة اوباما الرئاسية وهو الموعد الذي يرغب فيه اوباما في ان يكون قد توصل الى مفترق هام على طريق الوصول الى التسوية الاقليمية ان لم يكن تحقيقها.

المفاجئة الكبيرة هي في المسار السوري تحديدا. ميتشل عاد في الاسبوع الماضي من دمشق مع تفاؤل حذر: من الممكن التقدم في المفاوضات بين اسرائيل وسوريا على المدى القصير ايضا. ممثله في هذه الاتصالات هو فريد هوف الذي زار دمشق ثلاث مرات في الاسابيع الاخيرة وما من شك ان المسار السوري – الامريكي آخذ في السخونة.

ميتشل حصل من نتنياهو وباراك على الضوء الاخضر: محاولة تلمس امكانية استئناف الاتصالات. المسار التركي لم يعد قائما ولن يعود على ما يبدو. الان يتحدثون عن الامريكيين كوسطاء بين تل أبيب ودمشق.

انشر عبر