شريط الأخبار

موقف واشنطن و"إسرائيل" من المبادرة العربية .. عبد الله الأشعل

02:13 - 28 تموز / يوليو 2009

بقلم: عبد الله الأشعل

أصبح العالم العربي كاليتيم على مأدبة اللئام. فقد قدم مبادرته الواضحة السخية إلى «إسرائيل» المغتصبة آملاً أن يقدر المجتمع الدولي أن العالم العربي يطلب السلام الحقيقي وليس «إسرائيل» التي ابتذلت مصطلح السلام، فترفع راية السلام وتحته خنجر الغدر والاحتلال حتى انشغل العالم كله بالمشروع الصهيوني وتقدمه على حساب المنطقة العربية التي كانت تحلم بالاستقرار والتفرغ للبناء وتطوير نظمها السياسية ومجتمعاتها. الهدف الاساسي من تقديم المبادرة العربية هو أن تكون عرضاً عادلا للسلام لمن يريد السلام ويدعي السعي إليه، ولكن إسرائيل لاتريد إلا السلام الإسرائيلي. ولابد أن العرب كانوا يتوقعون رد «إسرائيل» ويدركون عمق الأزمة وتعنت «إسرائيل»، ولذلك فإن العرب وهم يقدمون مبادرتهم ويتفقون عليها في قمة بيروت العربية 2002 كانوا يخاطبون المجتمع الدولي ويشهدونه على «إسرائيل» ويبرئون ذمتهم من اتهامهم بأنهم دعاة حرب ودمار. ولكن العرب لم يتوقعوا رد شارون واجتياحه جنين ورسالته إلى العرب بأن القوة وليس المبادرات السياسية هي التي ترسم حظوظ كل طرف في الصراع. ولم تفوت «إسرائيل» فرصة واحدة لتؤكد للعرب هذه الحقيقة في الوقت الذي تدين فيه المقاومة العربية، بل وتريد أن يقر العرب بأن لـ«إسرائيل» الحق الكامل في فلسطين. والحق أن واشنطن حثت على صدور هذه المبادرة وناشد الرئيس بوش الزعماء العرب في بيروت إقرارها وروج لها الإعلام الأمريكي حينذاك، بل إن خريطة الطريق الأمريكية أدرجت المبادرة العربية ضمن مرجعيات الخريطة فأطمأن العرب إلى ذلك ولم تتجدد الدعوة إليها إلا بعد تقديمها بخمس سنوات حيث نفضت قمة الرياض العربية التراب عنها عام 2007 وتظاهرت واشنطن و«إسرائيل» أنهما مهتمتان بها، ولكن بدأ أن هذا الاهتمام هو محاولة للالتفاف على المبادرة. يجب أن نوضح أن المبادرة لم تكن موضع إجماع بين العرب خشية أن يكون استعداد العرب للاعتراف بـ«إسرائيل» إذا نفذت التزاماتها أولاً هو اعتراف واقعي تستغله «إسرائيل»، هذا مادفع حركة حماس إلى رفض القبول بهذه المبادرة. وعندما وصل أوباما إلى الحكم أشار لأول مرة إلى هذه المبادرة مع ضيوفه العرب ثم وردت الإشارة الواضحة والموجزة والغامضة في خطاب جامعة القاهرة في الرابع من يونيو 2009 . فقد أثنى أوباما على المبادرة لكنه اعتبرها نقطة البداية وعلى العرب أن يقدموا المزيد. وقد فهم المراقبون أن أوباما يريد أن تنفذ المبادرة كما طلبت «إسرائيل» صراحة بطريقة عكسية أي أن يبدأ العرب بذيل المبادرة وهو الاعتراف بـ«إسرائيل» أولا بينما خطاب «إسرائيل» لا يوحي بأي استعداد لأي سلام حقيقي، ولكن أوباما يريد “شجاعة” الزعماء بالتغاضي عن هذا الخطاب الإسرائيلي السلبي تماما والإقدام على الاعتراف ب«إسرائيل»، والأفضل أن يخف الزعماء لزيارة «إسرائيل» لتشجيعها على وقف الاستيطان لعدة أسابيع وربما تخفيف الضغوط عن الفلسطينيين. من الواضح أن استعداد العرب الاعتراف ب«إسرائيل» هو ورقة اختيارية تبرع بها العرب لدعم الحق الفلسطيني وتشجيع «إسرائيل» وإطلاق يدها في المنطقة، ولكن «إسرائيل» افترضت أن هذا الاعتراف الجماعي العربي يجب أن يتم بلامقابل لصالح الفلسطينيين لأن الاعتراف بها سيكون حسابه في علاقات واشنطن بالعرب، وبدلا من أن تضغط واشنطن على «إسرائيل» لتنفيذ المبادرة وهو تنفيذ لالتزامات قانونية وسياسية منفصلة عن الثمن والتشجيع، حتى تفوز «إسرائيل» بالجائزة وهي قبولها الطوعي في المنطقة، وهو أمر كانت تحلم به، فإن واشنطن بدلا من ذلك تقر نظرية نتانياهو وهو أن السلام مع العرب والاعتراف بها لابد أن يكون هدية «إسرائيل» ومكافأة لها على إهدارها لكل الحقوق الفلسطينية، ودفعة للمشروع الصهيوني على إتمام مراحله دون عقبات عربية. فمن خدم «إسرائيل» وسلامها بشكل أروع: بوش الصريح، أم أوباما المبتسم الخجول، وأي سلام يرجى من المبادرة التي قلبت وجها على عقب فهل يبرر ذلك سحبها بعد أن أصبحت وبالاً علينا أم أن سحبها سيقدم ميزة مجانية ل«إسرائيل» ورفع الضغوط عن «إسرائيل» على اعتبار أن المبادرة تحرج «إسرائيل» وتمثل ضغطاً مستمراً عليها، كما قال بذلك بعض المسئوولين العرب؟

كان رأيي ولايزال هو أن المبادرة في حد ذاتها لاعيب فيها ولايجوز سحبها، بل تظل دائماً عنواناً دائماً للاستعداد العربي للسلام، ولكن «إسرائيل» لن تدفع ثمن هذا السلام المطلوب طواعية، وإنما لابد من دعم المبادرة بأوراق ضغط عربية حتى تضمن الاحترام لهذه المبادرة، ذلك أن سحبها سوف يثير مشاكل بين العرب كما حدث في مؤتمر قمة الدوحة أثناء إحراق غزة في يناير 2009، كما أن سحبها سوف يرتبط عند البعض بتخلي العرب عن صيغتهم الذهبية التي انكمشوا ضعفاً وعجزاً خلفها وهي أن السلام خيار استراتيجي. ألا تشعر بأن المصطلح يستفز قارئه وهو يراه دعوة ل«إسرائيل» للمزيد من إذلال العرب، وهي تفرض عليهم سلام القوة وهم متمسكون بسلام العجزة والمستسلمين؟.

انشر عبر