شريط الأخبار

الحوار الفلسطيني وحقيقة "الرزمة الإقليمية" ..ماهر رجا

01:09 - 27 تموز / يوليو 2009

قصة مدينتين في الجولة القادمة

الحوار الفلسطيني وحقيقة "الرزمة الإقليمية"

ماهر رجا

مازالت قصة مدينتين (غزة ورام الله) بنسختها الفلسطينية تتصدر هموم المشهد الفلسطيني.. ولكنها أيضاً، ولأسباب مختلفة، أضحت هذه الأيام هاجس لاعبين دوليين وعرب، ومن المفارقات أن هؤلاء جميعاً يسعون لتحقيق توافق فلسطيني بما يشبه سعيهم إلى التوافق الداخلي في لبنان، وبكلمة أخرى يبدو أن  نجاح الحوار الفلسطيني حلقة مازالت مفقودة كي يكتمل طوق السلسلة في عنق المنطقة لأخذها  إلى مشروع الإدارة الأميركية الجديدة نحو التسوية الشاملة عبر المؤتمر الدولي الذي يتزايد الحديث عنه. وقد اكتسب ذلك أهمية أضافية في ظل توقعات عن  رسائل أوروبية و أميركية وصلت إلى عواصم عربية  في الآونة الأخيرة تحثها على الإسراع في الوصول إلى اتفاق فلسطيني تمهيداً لبدء المرحلة الثانية من المشروع الأميركي لإرساء حل شامل في المنطقة يتجه بجميع الأطراف إلى مؤتمر دولي ومفاوضات مباشرة.

بهذا المعنى، فإن الجولة المرتقبة من الحوار الفلسطيني (الغائمة الملامح حتى الآن) ستكون محاطة بالكثير من غرائب المواقف : سنرى مزيداً من حرص البعض العربي على التوصل إلى اتفاق فلسطيني مع أنه "البعض" ذاته الذي يتمنى أن يستيقظ فيجد المقاومة وقد غرقت في البحر ، وإلى جانبه سيكون هناك حرص أوروبي وأميركي مماثل على تحقيق التوافق الفلسطيني الضروري كما يبدو للمرحلة القادمة حيث تأمل واشنطن والاتحاد الاوروبي أن ينتج ذلك التوافق تمثيلاً فلسطينياً موحداً ولو بشكل مؤقت لملء مقعد فلسطين في محفل التسوية السياسية القادمة والمفاوضات المباشرة التي يطرحها.

بيد أن هذا المفهوم للوصول إلى وحدة فلسطينية هو في واقع الحال توحيد لجسد الهدف أمام مرصاد البندقية حسب توصيف مرجع سياسي فلسطيني.. ففي مناورة "تغيير الوجهة" التي تعتمدها السياسة الأميركية اليوم ،  كان أمام إدارة أوباما في المرحلة الأولى عقبتان:  الأولى إقناع العرب بجدية تل أبيب في التوجه إلى مفاوضات يمكن أن يحصلوا فيها من إسرائيل على الحد الأدنى، ومشكلة فلسطينية تتمثل في عدم وجود شريك سياسي فلسطيني موحد يمكن أن يتخذ قرارات مصيرية ويتولى تنفيذها أو فرضها أمام المجتمع الدولي.

في الحديث عن العقبة الأولى استنتج صانع القرار الأميركي من مشاورات الأشهر الماضية مع عدد من دول الاعتدال العربي بأن السقف السياسي العربي  لأي تسوية حدوده خارطة الطريق ومقررات مؤتمر أنابوليس، وبالتالي فإن  المطلب الوحيد الذي يتوقعه العرب من الإدارة الجديدة للانخراط في المفاوضات الشاملة هو الضغط على إسرائيل لوقف البناء في المستوطنات، وإن تحقق ذلك فإنهم لن يتوانوا عن القيام بخطوات تطبيعية  كدفعة اولى لإسرائيل.

وتلقفت واشنطن فرصة ذهبية ، فلأول مرة يمكنها أن تضع بين يدي حكومة نتانياهو ما لم تتوقعه: التطبيع والمفاوضات المباشرة غير المشروطة بظلال ملفي القدس واللاجئين مقابل وقف للبناء في المستوطنات. وقد حرصت الإدراة الاميركية على إبراز موضوع الخلاف مع تل أبيب  بشأن البناء في المستوطنات ومنحت ذلك زخماً إعلامياً كان يخفي وراءه عدم جديتها في الذهاب إلى آخر الشوط ، ففي البيت الأبيض من كان يدرك أنها معركة خاسرة .. وهكذا  انتهت قصة الخلاف بالأمس بما سربته الصحافة الإسرائيلية عن تسوية أميركية إسرائيلية أبرمها باراك مع ميتشل في لندن وتنص على موافقة أميركية على استمرار الاستيطان الصهيوني في 2500 مع تجميد محدود للبناء ، ثم حملت جولة المبعوث الأميركي الأخيرة في المنطقة ما يشير إلى أن الأميركيين لديهم سيناريو "الرزمة الإقليمية" الذي لا يحرج إسرائيل ، حيث وفقاً لهذا السيناريو ينوي ميتشل أن يجمع رزمة تنازلات عربية بما فيها الاستعداد لمؤتمر إقليمي وخطوات تطبيع مسبقة مع تعهد إسرائيلي بتجميد مؤقت للاستيطان ويطلقهما الرئيس الأميركي في رزمة واحدة بعد شهر رمضان المبارك.

ووفقاً لتقارير أميركية، يبدو أن واشنطن بدأت تتحسس بالفعل استعداداً عربياً للقبول بصيغة التسوية الأميركية الإسرائيلية بشأن الاستيطان.. وبهذه النهاية، إن صحت التوقعات،  تبقى عقبة واحدة على الطرف الآخر. تلك العقبة هي الموضوع الفلسطيني بالنسبة لواشنطن والمتحمسين العرب  لسياستها"الجديدة" تجاه الصراع في المنطقة. ما يعني أن ترتيب البيت الفلسطيني وتهيئته  لمحطة انتظار التسوية المقبلة سيكون الشاغل الأبرز لهؤلاء حتى موعد الثامن والعشرين من الشهر الجاري..

الاتفاق أم المصالحة!

هل ما سبق يرجح أن يتوصل الحوار بين فتح وحماس إلى اتفاق في الجولة المقبلة؟.. الواضح حتى الآن أن أمواج الضغط العربي تتزايد على وقع حسابات دولية، وما تبقى سيكون توقعات في التفاصيل . وبكلمة أخرى يستطيع الوسيط المصري أن يتوصل إلى اتفاقات تتجنب الألغام الأساسية وخاصة السياسية منها، ولن يكون مستحيلاً مثلاً التوصل إلى صيغة اتفاق على مواضيع كقانون الانتخابات أو اللجنة الفصائلية أو الأجهزة الامنية المشتركة ، (مع الاحتفاظ بعبارات التعميم) أما الملف الذي أزهق الجولة السابقة وهو ملف الاعتقالات والمعتقلين، فهذا أيضاً ، وعلى وعورة الخلافات، يمكن أن يجد صيغة توافق قد تكون بالإفراج المشروط عن القسم  الأكبر من المعتقلين في الضفة كما سربت مصادر مطلعة على حوارات الوسيط المصري.

صيغة كتلك يمكن ان تقود إلى اتفاق ما قد يعتبره الوسيط العربي إنجازاً وينتظره الأميركي باعتباره يعطي  لمشروع التسوية عنواناً فلسطينياً له صفته التمثيلية الجامعة.. لكن ماذا بعد؟.. هل تنهي وصفة كهذه مشهد الانقسام أوتجيب على أسئلة فلسطينية أولاً..؟.

ما يقوله واقع الحال ومؤشراته أن أي اتفاق من ذلك الطراز سيبقى اتفاقاًَ شكلياً وقد يكرس الانقسام بدلاً من إنهائه. فلجنة التنسيق ستكون بين إقليمين منفصلين بالإدارة والأمن والموقف السياسي وطبيعة الجهة المسيطرة. وفي واقع كهذا لن تتمكن أية انتخابات مطلع العام المقبل من فرض حقائقها ونتائجها ويبقى للطرفين أنا يقررا الرفض أو القبول للنتائج في الجغرافيا التي يسيطران عليها... وباختصار فإن أبعد ما يمكن أن يصل إليه الحوار هو اتفاق  ، في حين أن الفلسطينيين يحتاجون إلى مصالحة حقيقية  على جميع الصعد .

يعني ذلك أن المشكلة ستبقى قائمة.لا حل حقيقياً في المدى المنظور .. هناك حيث تدور أحداث قصة مدينتين فلسطينيتين تختلفان في الصوت والحلفاء والمواقف والرؤى ..

 

 

 

انشر عبر