شريط الأخبار

صحافي أميركي يصف كيف تحولت "حماس" من حرب الصواريخ إلى صراع الثقافات

08:18 - 26 تشرين أول / يوليو 2009

فلسطين اليوم – غزة

نشرت صحيفة "انترناشونال هيرالد تربيون" على صفحتها الاولى مقالا للصحافي ايثان برونر قال فيه انه بعد مرور سبعة شهور على الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة لايقاف اطلاق الصواريخ على جنوب اسرائيل، اوقفت حركة المقاومة الاسلامية (حماس) استخدامها للصواريخ ونقلت تركيزها على ما يكسبها الدعم المحلي والخارجي عبر مبادرات ثقافية وعلاقات عامة.

 

وتقول الصحيفة ان الهدف هو تشكيل ما يصفه القادة بـ"المقاومة الثقافية"، التي كانت الموضوع الرئيس في مؤتمر استمر يومين اخيرا. وفي الفترة الماضية، عُرضت مسرحية واحد الافلام وأقيم معرض فني ونشر كتاب اشعار تركزت كلها على مأساة الفلسطينيين في غزة. وهناك خطط لاقامة منافسة وثائقية.

 

وقال ايمن طه، احد قادة "حماس" إن "المقاومة المسلحة تظل مهمة ومشروعة، الا ان اهتمامنا الجديد ينصب على المقاومة الثقافية. والوضع الحالي يتطلب وقف الصواريخ، اذ ان المقاتلين يحتاجون الى فترة هدوء بعد العدوان كما يحتاج الناس الى ذلك ايضا".

 

ويقول طه واخرون ايضا ان القيادة العسكرية استبدلت قادة الميدان واعادت تشكيل نفسها نتيجة الدروس التي تعلمتها من الحرب. وقد جاء قرار تعليق استخدام صواريخ "القسام" القصيرة المدى التي ظلت تطلق باتجاه اسرائيل وفي بعض الاحيان كان يطلق منها عشرة في اليوم الواحد، نتيجة الضغط الشعبي في جانب منه. وازداد عدد الذين تساءلوا هنا عن جدوى الصواريخ ليس لانها تصيب المدنيين وانما لانها تعتبر غير فاعلة نسبيا.

 

وفي لقاء سريع على الناصية قالت المحامية منى عبد العزيز (36 سنة) "ما الذي فعلته الصواريخ لنا..لا شيء".

 

اما المدة التي ستوقف فيها "حماس" نيرانها وما اذا كانت ستحصل على صواريخ أبعد مدى تقول انها تسعى للحصول عليها، فهما امران غامضان. الا ان التغيير في السياسة واضح لا لبس فيه. ففي حزيران (يونيو) اطلق صاروخان من غزة، حسب قول الجيش الاسرائيلي، وهو ادنى عدد خلال اي شهر منذ بوشر في اطلاق الصواريخ العام 2002.

 

وضمن المفهوم التكتيكي، فان الحرب كانت نصراً لاسرائيل وخسارةً لـ"حماس". اما في مجال الرأي العام، فان "حماس" كانت لها اليد الطولى. فقد سلط قادتها الاضواء على التنديد الدولي باسرائيل على اساس عدم التناسب في القوة، وهم يأملون ان يستمر هذا المفهوم قائما لما فيه مصلحتهم. ويمكن لوقف اطلاق الصواريخ ان يخدم هذا الغرض أيضا.

 

وخلال فترة استراحة من المؤتمر الذي استغرق يومين قال وزير الثقافة اسامه العيسوي: "نحن لسنا ارهابيين وانما مقاتلون في سبيل الحرية، ونريد ان نشرح واقعنا امام العالم الخارجي. ونريد من الكتاب والمثقفين في العالم ان يأتوا الينا ويشاهدوا كيف يعاني الناس يوما بعد يوم".

 

وتقول الصحيفة ان المعاناة صحيحة تماما. فالمقاطعة التي تحمل اسرائيل لواءها حددت النشاط الاقتصادي هنا بالزراعة والمتاجرة البسيطة، رغم ان اسرائيل تسمح لحوالي 100 حافلة من الطعام والاغذية يوميا، وان المزيد والمزيد من السلع يمر عن طريق مهربي الانفاق الصحراوية من مصر. وتقوم اسرائيل بالسماح تدريجيا بالمزيد للتحقق من نجاعة سياستها وقد سمحت الاسبوع الماضي بمرور بعض المعدات والزجاج للمرة الاولى منذ زمن طويل.

 

ولأن المسؤولين الاسرائيليين يعتقدون ان عليهم تحسين العلاقات العامة فان التركيز على الثقافة هنا يشعل معركة مثيرة امام الرأي العالمي. فكلا الجانبين يحاجج بان الصحافيين يتعاطفون بشكل اوسع مع الطرف الاخر.

 

الا ان ذلك قد يحمل مخاطر غير منظورة بالنسبة الى قادة "حماس". وتعتبر المسرحية التي تعرض كل ليلة في مركز رشاد الشوا الثقافي بمدينة غزة مثالا على ذلك.

 

فالمسرحة تدعى "نساء غزة وصبر أيوب"، وتشتمل على مجموعة من المشاهد التاريخية والمعاصرة المتعلقة بالمعاناة. وفي الوقت الذي يمكن ان تساعد فيه المسرحية في ايجاد نوع من التضامن بين افراد الشعب في غزة، فانها قد تتخطى بعض الحدود المحلية.

 

ففي احد المشاهد الساخرة مثلا، يقف مقاتل من "حماس" عند بطارية اطلاق صاروخ على استعداد لاطلاقه باتجاه اسرائيل عندما تأتي امرأة وتسأل عن شقيقها، زميله المقاتل.

 

فيرد عليها بتأثر ان شقيقها بطل. لقد هز الارض تحت اقدام الاسرائيليين. "لقد اصاب تل ابيب".

 

عندها تصدر عن الحضور ضحكة مكتومة، فهم يدركون مدى ما اثبتته السنوات من عدم صحة هذا التبجح.

 

وفي احدى الامسيات بعد العرض قال كاتب المسرحية ومخرجها وبطلها سعيد البيطار انه كتب المشهد بتلك الطريقة لتسجيل موقف من "اننا كنا ضحية كذبة كبرى. لقد دفع ابناء الشعب ثمنا باهظا وهم يتطلعون الى من يستطيع الاعراب عن وجهات نظرهم بوضوح".

 

والبيطار لا ينتمي الى "حماس" لكنه يحظى بشعبية هنا. وقد قال ان الحكومة لم تتدخل في اعماله ولم تنتقدها. وبالاضافة الى سخريته من الصواريخ، فقد خطا نحو ما هو أبعد خروجا عن التقاليد – فجميع ممثليه (باستثنائه شخصيا) من النساء، وتقوم النسوة بالغناء على المسرح، وهو ما يقطب له المتدينون المسلمون جباههم.

 

وقال انه يريد ان يتحدى المحافظين في غزة، واضاف: "نحن بحاجة الى التواصل مع العالم وليس ان نعزل انفسنا".

 

من جانب اخر فان الشاعر واستاذ الادب في الجامعة الاسلامية عبد الخالق علاف هو كبير مستشاري الجهود الحكومية لاستخدام الفنانين والكتاب لنشر قضية غزة في الخارج. وقال انه كانت هناك خطط لتخصيص مكافآت عن الاعمال التي تعرض مأساة غزة. واضاف ان مسلسلا تلفزيونيا سيعرض خلال شهر رمضان في اواخر آب (اغسطس) يركز على مدينة القدس. وكان العرض الاول لانتاج ثقافي هو الاول ضمن الحملة الجديدة الاسبوع الماضي في الجامعة الاسلامية. كتب القصة الدكتور محمود الزهار الذي يعتبر من ابرز قادة "حماس"، وتتناول حياة عماد عقل، قائد احد اجنحة "حماس" العسكرية الذي اغتالته اسرائيل العام 1993.

 

وفي الفيلم الذي يستغرق عرضه ساعتين، يظهر عقل متخفيا باشكال مختلفة، من بينها كمستوطن اسرائيلي متدين. وتشمل المشاهد القادة الاسرائيليين وهم يتناقشون بحدة. وقد التقطت مشاهد الفيلم في مركز الاعلام الجديد على الارض التي كانت تدعى "غوش قطيف"، وهم مجموعة من المستوطنين الاسرائيليين في جنوب غزة التي انسحبت اسرائيل منها قبل اربع سنوات.

 

وتحدث احد كبار قادة شرطة "حماس" بشرط عدم الكشف عن هويته، فقال ان التركيز على الثقافة والابتعاد عن الصواريخ يعتبر خطوة مناسبة في الوقت الحالي. وقال ان "حماس" تعمل على توسيع مدى صواريخها. لكنه قال ايضا: "لقد اتخذنا قرارا بعدم اطلاق النار. وطالما ان اسرائيل ملتزمة بهدنة غير رسمية، فاننا نلتزم بها ايضا".

 

وأشار الى اثار الصواريخ الاسرائيلية على بنايته في اواخر كانون الاول (ديسمبر) الماضي، وقال انه يجب ان يعرف العالم ما جرى. ولدى مغادرته ظل الرأي العام العالمي يعتمل في صدره. وقال وعلى فمه ابتسامة هادئة "اشكركم على حضوركم الى غزة".

 

انشر عبر