شريط الأخبار

عندما تتجاوز السلطة الفلسطينية الخطوط الحمراء .. ياسر الزعاترة

01:11 - 23 حزيران / يوليو 2009

ليست مسيرة أوسلو جديدة على الشعب الفلسطيني، فقد بدأت منذ سبتمبر/أيلول عام 1993، وهي التي نشأت السلطة الفلسطينية على إثرها ضمن منطق واضح ومعروف، ضمان الأمن للإسرائيليين مقابل إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في المناطق، وصولا إلى دولة بتفاصيل يجري الاتفاق عليها من خلال المفاوضات.

 

وفي هذا السياق عرفت مناطق (أ) و(ب) و(ج)، كل بحسب قانونها من حيث سيطرة السلطة أو الصهاينة أو سيطرة مشتركة على ملف الأمن.

 

وفي ذات الاتفاق خرج نتنياهو بين عامي 1996 و1999 بما سماه "التبادلية" القائمة على ربط إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في "المناطق" بتقدم السلطة في مهمة توفير الأمن للإسرائيليين.

 

وإذا كانت أوسلو، وتبعا لذلك سلطتها ليست جديدة على الشعب الفلسطيني، فإن حماس ليست طارئة عليه، بل هي أكثر عمقا وتجذرا بكثير، إذ وجدت نظريا نهاية عام 1987 مع اندلاع الانتفاضة الأولى، لكنها موجودة عمليا كقوة دينية واجتماعية وسياسية قبل ذلك بعقود، تطورت خلالها على نحو تدريجي، من وجود هامشي حتى منتصف السبعينات، إلى وجود أقوى بعد ذلك.

 

وقد كانت الحركة تحت مسميات مختلفة (المجمع الإسلامي في قطاع غزة، والتيار الإسلامي أو الكتلة الإسلامية، وأحيانا الإخوان المسلمون في الضفة الغربية)، تنافس حركة فتح في سائر انتخابات القطاعات الطلابية والنقابية، وكانتا معا، بخاصة خلال الثمانينات تحصلان مناصفة على ما يقرب من 90% من الأصوات، أحيانا تتفوق فتح وفي أخرى تتفوق حماس، بحسب المدينة والقطاع أو الجامعة.

 

مع نهاية النصف الأول من التسعينات عندما تبلورت السلطة وشرعت تتمدد نحو الضفة الغربية، كانت حماس حركة تملأ السمع والبصر، فقد جاء الاتفاق بعد تجربة مرج الزهور نهاية عام 1992، وهي التجربة الثرية والرائعة التي وضعت الحركة في قلب الأحداث وضمير الجماهير في الداخل والخارج في آن واحد.

 

وأصبح أبطالها بقيادة الشهيد عبد العزيز الرنتيسي هم نجوم القضية الفلسطينية الجدد الذين شاهدهم العالم أجمع في تلك القرية الجنوبية اللبنانية يقدمون نموذجا مختلفا، ويكسرون هيبة العدو بكسر سياسة الإبعاد، حتى لو عادوا، وقد عاد أكثرهم بالفعل، إلى السجون لكي يتحولوا بعد ذلك إلى جحافل من الأسرى والشهداء، يتقدمهم الرنتيسي نفسه.

 

في ذات الأثناء برزت تجربة العمل المسلح في القطاع بقيادة الشهيد عماد عقل، ومن ثم ظهور النمط الاستشهادي بتوقيع الشهيد يحيى عياش الذي قتلته يد العمالة بعد أوسلو بثلاث سنوات في قطاع غزة، ولكن بعد أن صنع أجيالا من الرجال الذين خلفوه على درب البطولة والاستشهاد.

 

كل ذلك لم يدفع الحركة إلى الصدام مع السلطة الجديدة، وقد كان بوسعها أن تفعل لو أرادت، تحديدا في المرحلة الأولى قبل ترتيب السلطة لأوراقها، وقد صبرت الحركة على بعض الاعتداءات المستفزة كما هو الحال عندما أطلق رجال الأمن الوقائي بقيادة محمد دحلان النار على المتظاهرين أمام مسجد فلسطين عام 1994، فقتلوا ثمانية وجرحوا آخرين.

 

وهذه الحادثة هي التي اعتقد دحلان أنها "أدبت" حماس بحسب رأيه، مع أن الأوامر التي كانت لديه من ياسر عرفات تقضي بعدم تجاوز إطلاق النار على الأرجل في حال اقتضت الضرروة، كما تسرّب لاحقا، لكنه أراد على ما يبدو تقديم نفسه للإسرائيليين والأميركيين بوصفه الزعيم القادر على "تكسير الرؤوس الحامية" والذي يصلح بديلا حتى لعرفات نفسه، وقد نجح في ذلك بالفعل.

لم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ وقع اعتقال كبار الرموز وحلقت لحى بعضهم، بل وتم تعذيبهم في بعض الأحيان، تحديدا في قطاع غزة على يد الأمن الوقائي بزعامة دحلان نفسه، الأمر الذي لم يتكرر بذات الوتيرة في الضفة الغربية رغم مئات المعتقلين الذين مروا على سجون السلطة، فضلا عن التواطؤ في قتل عدد من كبار المجاهدين مثل المهندس محيي الدين الشريف وعادل وعماد عوض الله، وربما بعض أشكال التواطؤ الأخرى بتوقيع جبريل الرجوب، قائد الأمن الوقائي أيضا.

 

وقد حدث ذلك كله رغم أن حماس خلال أعوام 1997 وحتى اندلاع انتفاضة الأقصى قد أوقفت العمليات الاستشهادية تجنبا للصدام مع السلطة، واعتقادا منها بأن التجربة ستصل بعد قليل للجدار المسدود (مقاطعتها انتخابات 1996 دليل على ذلك)، وهو ما كان بالفعل في مفاوضات كامب ديفد صيف العام 2000.

 

على أن ذلك كله لم يبلغ بحال ما جرى ويجري في الضفة الغربية منذ عامين وإلى الآن، وذلك رغم نفس المنطق الذي يحرك الحالتين، والذي أشرنا إليه مسبقا.

 

وإذا قال البعض إن ما يجري من سحق لحركة حماس هو رد على ما جرى في قطاع غزة، فإن ذلك لا يمكن أن يكون مبررا منطقيا في حالة شعب يقع تحت الاحتلال وما زال مشروعه هو التحرر، أما القول بأنه يصب في خانة الحيلولة دون تكرار ما جرى في القطاع، فهو عبث أيضا، لأن القائمين عليه من سياسيين وأمنيين يدركون أن ذلك غير ممكن ولا متوقع في ظل الأوضاع الراهنة، حتى لو ملكت حماس القدرة، وبالطبع لاختلاف واقع الضفة عن القطاع من حيث سيطرة الجيش الإسرائيلي الكاملة عليه، وقدرته على الدخول في أي وقت يشاء.

 

ما نتحدث عنه يتعلق بتجاوز كل الخطوط الحمراء في تاريخ الشعب الفلسطيني، فهنا في الضفة الغربية ليس ثمة صدام أو اقتتال يبرر هذا الذي يجري، كما أن أخطاء حماس في قطاع غزة، أيا كانت (هي أخطاء جاءت في سياق رد على استهداف مبرمج أفضت إلى جولة اقتتال معروفة) لا تبرر ما يجري في الضفة في حق مجاهدين وأبناء عائلات وأسر محترمة.

 

ولو توقف الأمر عند مطاردة حملة السلاح من أبناء الحركة، وفي سياق من الالتزام بخريطة الطريق (كتبرير يراه البعض منطقيا بدعوى الحفاظ على مصالح الشعب!)، لو توقف الأمر عند ذلك، لبقيت الأمور في حدود المهضوم، وأقله المتوقع من سلطة هذا عنوانها وذلك برنامجها، لكنه تجاوز ذلك إلى اعتقال أهم رموز الشعب الفلسطيني (من ضمن ذلك التعذيب الرهيب حتى الموت) وكثير منهم منتخبون في البلديات والنقابات والكتل الطلابية.

 

والأسوأ أن يكون بعضهم قد خرج للتو من أسر الاحتلال بعد قضاء سنوات طويلة، ونعلم ما يكنّه الشعب الفلسطيني للأسرى المحررين، فضلا عن عائلات وأسر الشهداء الذين ضحى بعضهم بابن أو شقيق أو أكثر، فضلا عن أن يكونوا من عائلات الأسرى أنفسهم.

 

ولو شئنا ذكر الأمثلة والأسماء لطال المقال أكثر مما ينبغي، ويكفي الدخول إلى موقع "أمامة" هذا إذا عاد إلى العمل بعد استهدافه ووقفه من طرف السلطة الذي يختص بأخبار الحركة في الضفة الغربية، لكي يطلع المرء على قصص تدمي العين والقلب.

 

من نماذج تجاوز الخطوط الحمراء ما يتعلق بملاحقة النساء واعتقالهن، فضلا عن أن تكون تلك النسوة من زوجات الأسرى والشهداء، أو شقيقاتهم أو أمهاتهم، وهو ما لم يحدث البتة أيام أوسلو.

 

كما أن نموذج الاعتقال في الضفة أيام أوسلو كان مرنا إلى حد ما، حيث كان بعض المعتقلين يطلقون لأيام كي يعيشوا بين أسرهم وذويهم، الأمر الذي كان ينطلق من شعور بالتعاطف معهم تبعا لإدراك حقيقة الظلم الذي يتعرضون له، فضلا عن التعامل مع الموقف بمنطق المكره وليس الراغب.

 

حدث ذلك أيضا في ظل ممارسة عملية مطولة لسياسة فصل الموظفين لأسباب سياسية، وأهم من ذلك سياسة شطب مؤسسات حماس التي كانت جميعا في خدمة الشعب الفلسطيني، أعني المؤسسات الاجتماعية، ومن ثم تحويلها لعناصر من السلطة أو فتح تسببوا في حرمان الفقراء من عوائد نشاطاتها.

 

وإذا كان نواب حماس لم يتعرضوا للاعتقال من طرف السلطة، ربما لأن المحتلين قد تكفلوا بهم، فإن أبناءهم وأهاليهم لم يسلموا من ذلك بهدف الضغط عليهم حتى لا يصرحوا ضد ممارسات السلطة.

 

مؤخرا وصل الموقف حد الاستيلاء على أموال الشهداء والأسرى، وهي أموال مخصصة لإعالة أسرهم، بل وتوفير المصاريف الخاصة بهم داخل السجون أيضا، ولا قيمة للقول إنها أموال مخصصة لأغراض عسكرية، فضلا عن قصص استخدامها للتآمر أو لقتل مسؤولي السلطة، لأن من عرف مصدرها ممن ضبط بحوزتهم تحت التعذيب، يمكنه أن يعرف تماما حقيقة أنها لأسر الشهداء والأسرى.

 

لا قيمة هنا للتذكير بالقمع في قطاع غزة، وبعض وسائل الإعلام تتواطأ عن قصد في وضع الحالتين في كفة واحدة، والسبب أن الاعتقالات في القطاع محدودة وتتم على قاعدة هواجس أمنية صرفة لا صلة لها بمحاولة شطب حركة فتح التي تحتفظ بكتائب مسلحة، خلافا لمخطط سحق حماس في الضفة على قاعدة خريطة الطريق وبتجاوز لكل الخطوط الحمراء، مع أننا ندين بالفم الملآن أي تجاوز من طرف حكومة غزة، ونطالبها بالتدقيق في ملفات الناس حتى لا يظلم أي أحد، بل وإطلاع الفصائل الأخرى على الحقائق أولا بأول.

 

هناك في سلوك سلطة رام الله ما لا يقل أهمية عن كل ما ذكر ممثلا في التعاون الحثيث ضد المقاومة، وصولا إلى قتل المقاومين كما وقع في قلقيلية، فضلا عن القيام بعمليات مشتركة مع الجيش الإسرائيلي ضد عناصر حماس والجهاد، حتى وصل الحال حد تفكير الإسرائيليين بتشكيل وحدة فلسطينية خاصة بمكافحة الإرهاب، والحديث في هذا السياق والإشادات الإسرائيلية أطول من أن تحتمله هذه السطور.

 

إنها حقائق تثير القهر، تلك التي تتبلور في الضفة الغربية، لكأني بالقوم يريدون بالشعب أن يكفر بكل شيء، ويقع أسير الإحباط كي يكون جاهزا لقبول أي شي، أو السكوت على أي جريمة مهما كانت بشاعتها، أعني جريمة بحق القضية، مع أن ما جرى ويجري إلى الآن هو جرائم حقيقية وفق مقاييس الوطنية الشرف والبطولة والكرامة، فضلا عن الدين والإيمان.

 

 

انشر عبر